الأعمى يرى ظله: مجموعة قصصية تنبض بالحكمة وتُصغي لصوت الداخل الإنساني، حيث تتلاقى الأسئلة الوجودية مع تفاصيل الحياة اليومية في مشاهد مكتوبة بلغة آسرة ومكثّفة، في هذه النصوص، يسرد الكاتب الحكايات، وينقب في طبقات الروح، ويكشف هشاشة الإنسان حين يصطدم بالحنين، بالغربة، وبالذاكرة التي لا تعود كما كانت.
خرج من كلية الآداب من عين شمس (تخصص علم نفس ) ، عقب تخرجه التحق بالصحافة و ترأس القسم الثقافي بجريدة الاتحاد ، و تولى منصب رئيس التحرير التنفيذي بالجريدة نفسهاحتى 2008 ألتحق بهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث مديراً لمشروع "قلم". بدأ سلسلة إصداراته عام 1979 بمجموعة قصصية بعنوان "ذات المخالب" و أخرى شعرية . أما إصداراته الروائية فبدأت برواية "الإعتراف" عام 1980 فاز بجائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب - فرع الآداب- الرواية 2008
مؤلفاته: صدرت له ثماني روايات هي بالترتيب:
1. الاعتراف 1982. 2. السيف و الزهرة 3. رماد الدم . 4. نافذة الجنون . 5. تل الصنم . 6. ثنائية مجبل بن شهوان . 7. سلائم . 8. ثنائية الروح و الحجر. 9. التمثال 2001.
أصدر أيضا مجموعة قصصية و أخرى نثرية و مسرحيتين ، بجانب مجموعة من المقالات الصحافية الأدبية. اختيرت مؤخرا روايته " الاعتراف" إحدى أهم رواية عربية في القرن العشرين من جانب اتحاد الكتاب العرب.
يرسم الروائي علي أبو الريش صورا متعددة لآثار التحولات التي طرأت على القرية، سواء من خلال العائدين إليها بعد سنوات الغربة، أو من تغيرات الزمن والحداثة القادمة من المدينة. منذ البداية، مع قصة "في ليلة وضحاها"، يرصد عودة ضاحي الى قريته بعد ثلاثين عاما من الغربة، تلك الغربة التي كانت للدراسة وتحديدا دراسة الفلسفة في القاهرة. يعود ضاحي ليرصد التغيرات من جهة وهو ممتلئ بتلك النظرة الجديدة التي تبناها بعد دراسته الناس والأماكن والعلاقات. لم يعد هو ابن البادية الذي يتآلف مع أهلها بسهولة. ربما نرى في شخصيته أثرا من إسماعيل، بطل رواية "قنديل أم هاشم" الذي عاد من دراسته في الغرب ليواجه الخرافات في مجتمعه. يجري السارد مقارنة سريعة بين مشاعر ضاحي قبل سفره ومشاعره بعد العودة، فيبدو واضحا آثار التمدن على ملابسه بل ونظرات عينيه، كما لم تبق القرية على حالها فقد تغير فيها كل شيء تقريبا. لم تعد البيوت الطينية أو من الخيام، بل ظهرت الأعمدة الخرسانية والأسمنت، وتغيرت ألوان الأبواب والنوافذ، ولم يقتصر التغير على الأشياء بل طال الأحياء كذلك، فباعد الموت بينه وبين حبيبته، وذبحت أمه العنزة التي طالما تعلق بها على وعد أن تجلب له غيرها، ولم يعد أمام ضاحي بعد جولة قصيرة في القرية إلا أن يجتر الذكريات.
تتحول الرؤية والمشهد إلى الفانتازيا بعد ذلك، حيث ينتقل ضاحي إلى مكان مبهم بغير تضاريس، على أمل أن يلتقي حبيبته، وكأن ذلك المكان هو ما تبقى من قريته وفقا لذكرياته، وهناك يجد حبيبته غاية، لكنه لا يتمكن حتى من حمايتها. كل ذلك يجعله يعود مرة أخرى إلى العاصمة أبو ظبي ويكتفي بأن تتحول تلك القرية إلى محطة يتذكرها كلما عاوده الحنين. هكذا تتحول القرية إلى ذكريات قديمة لا يمكن التواصل معها أو معرفتها على وجه الحقيقة، ويبدو أثر المدينة واضحا في تفكير البطل وعالمه.
تتفاقم تلك الرؤية وتبرز بشكل أوضح في قصة المجموعة، "الأعمى يرى ظله"، التي تحكي عن جبر، الصياد الأعمى الذي يعيش في قرية على ساحل البحر وتتغير حياته بعد وفاة زوجته التي أحبها كثيرا، ويتجلى في حكاية حبه لها تلك المشاعر البكر التي تحتفظ بها القرية وتنميها، لا سيما إذا احتفى بها الكثير من أصدقائه في ذلك الوقت، حتى أنه عرف بينهم بذلك الوفاء الذي امتد طويلا، بل وتحول إلى ملكة جديدة يواجه بها ما عاناه من إصابته بالعمى، إذ أصبح لديه ما سموه "حاسة البصر الباطنية" التي استطاع من خلالها أن يعتمد على نفسه في طعامه وحركته بفضل استعادته لما كانت تقوم به زوجته في حياته. وهكذا بدا أن تلك العلاقة الاستثنائية قادرة على تجاوز العقبات وتحقيق المستحيل.
وإذا كان وفاء جبر، الصياد الأعمى على هذا النحو، فإن أم سلمى تظل وفية لزوجها، حريصة على تربية ابنها بشكل واقعي ورمزي، وفاء لوالده، وذلك ما يطرحه في "نخلة أم سلمى"، حيث تعيش حياتها وحيدة بعد وفاة زوجها غرقا، وتبقى على عهد حبها له. ذلك أنه تزوجها بعد قصة حب عرفتها وسمعت بها القرية كلها، فلما مات زرعت فسيلة نخل على أمل أن يأكل منها ابنها بعد أن يكبر ويشتد عوده. وهو ما يحدث فعلا رغم مرور الأيام والتغيرات التي تحدث في القرية. يكبر الابن ويجني من النخلة الرطب والصمود والعزيمة معا، وهكذا تتحول تلك النخلة والحكاية معا إلى نموذج من نماذج الوفاء للأصول من جهة، والحب والتقاليد القروية العريقة من جهة أخرى.
هكذا استطاع أبو الريش في مجموعته، أن يعرض أكثر من نموذج ومثال للحياة في القرية، وأثر تمسك أصحابها بتراثهم وأصولهم مهما تغيريت الأحوال وغدر بهم الزمان.
مجموعة قصصية تضم 36 قصة، لا يقدّم فيها الكاتب إجابات جاهزة، بل يدفع القارئ إلى التأمل في التناقضات الإنسانية، وهو ما ينعكس بوضوح في عنوان المجموعة.
تميّزت لغة الكاتب بالقوة والجزالة، مع أسلوب سلس وواضح. تبدو القصص في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في أعماقها دلالات ومعاني كبيرة، وبعضها يحتاج إلى قدر من التأمل لفهم مقاصده وإشاراته.
وجدت نفسي أمرّ سريعاً على بعض القصص، بينما توقفت طويلاً عند أخرى، ومن أكثرها تأثيراً في نفسي قصة (راعية الغنم)، وجدتُ في هذه القصة فكرة مفادها أن الإنسان كثيراً ما يرى انعكاس معتقداته في الواقع من حوله.
مجموعة قصصية ثرية بالتأملات، وتزداد جمالاً كلما منحتها وقتاً للتفكير فيما وراء الكلمات.