كتب د. محمد المخزنجي عن الرواية: "لن أتوقف كثيراً أمام أهوال وأشواق ونعيم وجحيم ما عاشه الاثنا عشر ضابطاً مصرياً من العُرابيين الذين تم نفيهم مع أُسرهم إلى مجاهل قلب أفريقيا، بهدف مُعلن هو «القيام بحملة عسكرية لنقل مؤن وعتاد عسكرى إلى (لادو) عاصمة (مديرية خط الاستواء) التابعة للحكم المصرى، ورفع قطاعات أعالى النيل الأبيض وقياس تصريفاته عند المنابع لاستكمال دراسة نظارة الأشغال والرى لإنشاء خزان جنوب أسوان»، أما الهدف الحقيقى الذى أضمره ودبره «السير أفلين وود» الذى عيَّنه الخديو توفيق سرداراً للجيش المصرى، فكان التخلص العاجل من هذا التجمهر الخطِر كى لا تشتعل الثورة من جديد، وإلحاقاً بهؤلاء الضباط الاثنى عشر تم تجميع ثلاثة عشر ألف جندى من جيش الثورة المهزومة، حملتهم السفن ـ على عجل ـ من ميناء السويس إلى ميناء سواكن، تاركين وراءهم القوات البريطانية ترتع على أرض الوطن، الوطن الذى لن يروه ثانية، وكأن حلم الحرية الذى داعب خيالهم يوماً، تحول إلى عقاب بالموت! مسيرة ملحمية مضى فيها الاثنا عشر ضابطاً على سفنهم البخارية بصحبة أسرهم وجنودهم نحو منابع النيل حتى البحيرات العظمى، خاضوا مستنقعات وعبروا أحراشاً وشقَّت سفنهم مياهاً جارفة ضد تيار عارم وتحت شلالات مطر وبروق ورعود قيامية، شقوا دروبهم المغلقة بالأدغال بين قبائل من آكلى لحوم البشر، وكواسر مفترسة وأفاعٍ سامَّة، ورسوا على ضفافٍ خُضر بها ما لا عين رأت من آيات الجمال وعجيب الحيوان والطير والشجر والثمر، وخاضوا فى طريق الوفاء بمهمتهم حروباً مع عصابات وتجار رقيق مُدجَّجين بفتاوى أئمة كذبة وسهام وحراب مسمومة ومناجل لقطع الرؤوس، ولم تتخلف أفواه التماسيح فى مشاركة ذلك الضلال البشرى بقضم وابتلاع عديدين من أفراد هذه الحملة، ورغم ذلك لم يتراجع الضباط والجنود عن المضى فى تنفيذ المهمة التى كان أصعب أجزائها رفع مناسيب أعالى النيل وقياس تدفقات المياه، تحت هولٍ من مطر طوفانى وفوق عالم مائى لا يابسة له ولا أفق”.
هذه رواية كان من الممكن أن تكون رائعة .. لولا التشتت. التشتت بين الحقيقة والخيال، بين الواقعي والأسطوري، بين الوقائع التاريخية والدراما الإنسانية، بين القصص وبعضها، بين إحكام القص وغواية الوصف.
الرواية بداية تتناول موضوعا غاية في الثراء، قصة منسية يستخرجها فتحي إمبابي من كتب التاريخ ويجلو عنها غباره، عن إثني عشر ضابطا شاركوا في الثورة العرابية ضد الخديوي توفيق، وصدرت عليهم أحكام بالإعدام بعد فشل الثورة ووقوع البلاد تحت الإحتلال البريطاني، قبل أن يتم العفو عنهم بعد وساطة رفيعة، ليتم إستبدال الإعدام بحكم غير مكتوب بالنفي في صورة مهمة إلى خط الاستواء لرفع قياسات منابع النيل بهدف إكمال دراسات إنشاء خزان أسوان، ليذهب الإثني عشر ضابطا في رحلة بلا عودة تصاحبهم فيها أسرهم وثلاثة عشر ألف جندي مصري -مطموسي الأسماء! – من جيش الثورة المهزومة.
رحلة أسطورية يواجهون فيها طبيعة قاسية ومناخ متقلب وحيوانات متوحشة ومؤامرات غادرة وحروب أهلية وتجار رقيق، ويتقابلون هناك مع شخصية لا تقل عن رحلتهم أسطورية وهوضابط الجيش المصري الصاغ حواش منتصر، هذا الرجل الذي يستحق أن تفرد له ولتجربته في أفريقيا كتب كاملة، تروي بالتفصيل حكايات شخصيته الغامضة – والمثيرة للإعجاب والعجب!- والتحالفات التي أقامها ومواجهاته مع أعدائه من تجار الرقيق –وغيرهم- وإنتصاراته وهزائمه.
جدير بالذكر أن أحد أكثر ما استمعت به في هذه الرواية كان هوامشها، تلك الهوامش التي صدمتني بحقائق تاريخية مجهولة – بالنسبة لي على الأقل – عن الدولة المصرية في القرن التاسع عشر، والتي فوجئت بأن حدودها كانت تمتد إلى خط الاستواء وأنها كانت محتفظة بكيانها حتى وهي واقعة تحت الإحتلال، وغيرها من المعلومات القيمة عن بعض أهم الوقائع والأشخاص المؤثرة في تلك الحقبة، كمحمد أمين باشا الحاكم المصري لمديرية خط الاستواء، والذي هو نفسه الألماني اليهودي إيزاك إدوارد شنيتزر الذي تم تصعيده إلى منصبه في ظروف غامضة!
هذه الهوامش بالإضافة لقائمة المراجع الطويلة جدا في آخر الرواية وضحت لي المجهود الجبار الذي بذله الأديب فتحي إمبابي في البحث والتقصي من أجل إنجاز هذه الرواية، وهو مجهود يستدعي الإعجاب والتقدير بلا شك.
ما الذي لم يعجبني إذن بعد كل هذه الإشادة؟
كما ذكرت في بداية مراجعتي كان التشتت هو مشكلتي الرئيسية مع هذه الرواية، رغم إلتماسي العذر للكاتب لثراء الموضوع وكثرة تشعباته والزوايا الممكنة لتناوله، ورغم جمال لغة إمبابي السردية سواء في فصحاه البليغة على طول الرواية، أو في عاميته الرشيقة المعبرة التي إستخدمها في الحوارات بين الأبطال وساهمت في بيان إختلاف مستوياتهم الثقافية وإنتماءاتهم الجغرافية، إلا أنني أرى أنه قد تورط في فتح الكثير جدا من القصص التي تشتت مجهوده بينها وشتت القاريء معه، فلم يوفها حقها كلها، وإهتم ببعضها على حساب الآخر، وترك بعضها مفتوحا بلا نهاية وبعضها بنهاية مبتسرة غير مقنعة، مما أضعف الرواية كثيرا للأسف.
أكرر إلتماسي العذر له لإستيعابي لوجهة النظر التي حاول أن يقدم هذا الموضوع المهم من خلالها وإتفاقي معها، فهو إختار أن يجعل هؤلاء الأبطال من لحم ودم ويدفع القاريء للتفاعل والتعاطف والإندماج معهم، من خلال سرد قصصهم الإنسانية –المتخيلة والمحتملة- بما فيها من دراما مفجعة لهؤلاء الأبطال الذين لم يعد منهم – في الحقيقة - من هذا المنفى القاتل غير ضابط واحد هو اليوزباشي مصطفى العجمي، بدلا من أن يتعامل معهم كأرقام وإحصائيات ويكتفي بالوقائع التاريخية المثبتة – وقد يكون فيها الكفاية – إلا أن تناوله جاء متسقا مع العنوان الفرعي الذي إختاره للرواية وهو "أسطورة الإثني عشر" فهو قد قرر من البداية أن يخلق أسطورة لهؤلاء المنسيين يحيي ذكراهم ويخلدهم بها، وأنا أراهم مستحقين لهذا التكريم بالطبع، وإن كنت أتمنى أن يتم هذا على أكمل وجه ممكن، وقناعتي أن في الإمكان أبدع مما كان، حتي لو تطلب هذا مضاعفة عدد صفحات الرواية -424 صفحة من القطع الكبير- أو حتى صدرت على جزئين.
سبب آخر للتشتت كان إستطراد الكاتب في الوصف تحت غواية البيئة الساحرة التي تدور فيها أحداث الرواية والرحلة، وهي بيئة مغرية بالتأمل والوصف الدقيق بالفعل، لا أنكر أن هذا الوصف كان ممتعا بلغة إمبابي المتمكنة، إلا أنه قد جاء على حساب القصص المفتوحة الكثيرة كما أسلفت سابقا.
أعتقد أن هذه المراجعة قد تكون مربكة لقارئها، إلا أنها تعبير عن إنطباعي الحقيقي عن الرواية التي أراها مهمة وتستحق القراءة -ومن المؤكد أنها لن تكون آخر قراءاتي لإمبابي الذي تأخر تعرفي على أدبه كثيرا- إلا أنني لست راضيا عنها تمام الرضا للأسف.
يبقى في النهاية شكر واجب ومستحق للأديب فتحي إمبابي على إنتقائه لموضوع الروايه والمجهود الواضح الذي بذله فيها، وللهيئة العامة للكتاب على إهتمامها بنشر هذا العمل المهم.
اختيار الحدث كان البطل الأهم للرواية.. مجموعة من ضباط الثورة العرابية المهزومة فى رحلة إلى الجنة المزدهرة على خط الاستواء... فى بداية الرواية يتولد لدى القارئ انطباع أنه أمام رواية تاريخية تقدم بطولة عسكرية، فيتوقع نصًا جافا حافلا بالعبارات الرنانة والفخمة عن الواجب المقدس والوطنية وما إلى ذلك، لكن ما أن تشُق سفن البعثة العسكرية صفحة النيل فى طريقها إلى سر خلوده.. إلى المنابع فى أقاصى الجنوب.. متجهة إلى لادو عاصمة مديرية خط الاستواء المصرية، ومع توافد الضباط المنفيين إلى متن السفن، تنتقل الرواية فى انسيابية ممتعة إلى كشف الجوانب الإنسانية للأبطال، ومشاعر الانكسار الغاضبة داخلهم بعد الهزيمة وأوامر الخديوى توفيق تسريح الجيش المصرى الذى طالما حلموا بزيادة قواته، ومع إيمانهم المطلق بقدسية الأوامر العسكرية حتى وإن سماهم البعض جيش العصيان، فآبوا الهروب ونفذوا الأوامر الصادرة إليهم وذهبوا إلى المجهول إلى أرض لم يسمعوا عنها إلا حكايات قبائل تأكل لحوم البشر.
رغم أن الرواية تدور حول اثنى عشر ضابطا أرسلوا للمنفى فى صورة مهمة عسكرية، إلا أن الوجود النسائى فى الرواية لافت، فلم يكن وجودا هامشيا محدودا فإلى جانب قصة الإعجاب المليئة بالشد والجذب بين فرانسوا واليوزباشى الحسينى من ناحية، كانت زوجات الضباط اللائى سمحت السلطات بمرافقة أزواجهن محورا مهما فى الأحداث من ناحية أخرى، فقدم من خلالهن "إمبابى" انعكاسا لصورة المرأة فى المجتمع المصرى، فتجد نموذج ألفت هانم الرافضة لوصاية والدها الباشا عليها بعد أن رفض سفرها مع زوجها الضابط المنفى، فقررت الهرب من قصر والدها لتلحق بزوجها وتشاركه رحلته ومصيره، لأنها ترفض أن تتربى طفلتها بعيدا عن والدها. http://www.youm7.com/story/2017/1/16/...
رغم إني قطعت فيها 200 صفحة تقريبًا، لكني قررت ألا أكملها. ثمة مشاكل في الرواية، لم أضع يدي عليها بوضوح، لكني شعرت بها بقوة. ربما شعرت في بعض المواضع - خاصة في البداية - بعدم ضرورة أن يعلن الراوي موقفه من ثورة عرابي بشكل خارج عن سياق الشخصيات، أي أن يفصح عن وجهة نظره الشخصية كراو عليم بفجاجة بعض الشيء في بعض الجمل. ربما افتقدتْ الرواية في نظري وجود موضوع حقيقي. صحيح أن الفكرة مغرية: رحلة الضباط العرابيين المنفيين إلى السودان ومنابع النيل، وصحيح أن بعض المقاطع الوصفية مبهرة، وصحيح أن بعض الأجزاء تتضمن تحليقًا وجنونًا في الكتابة،يمتزج فيها الواقع بالخيال بشكل مبهر، لكن رغم كل ذلك شعرت أنه ليس هناك موضوع حقيقي، أو صراع أخلاقي ونفسي قوي في الرواية... استمتاع بالسرد وحسب، وهذا لا يكفي بالنسبة لي كقارئ.