الخيال العلمي المحلي كما يجب أن يكون!
قبيل إصدار هذا الجزء كتبت مراجعة مطولة عن الجزئين السابقين، تحدثت فيها عن بعض ما أزعجني، مثلاً أن تكون الساردة شخصية أنانية مثل جنة لم يرق لي وكذلك لم يعجبني وجود عالم تكنولوجي متطور إلا أن الأحداث ركزت على دراما عائلية، وغير ذلك. أما في هذا الجزء فقد أسعدني تلاشي معظم السلبيات التي وجدتها في الأجزاء السابقة، فشخصية الجدة هي -بطريقة ما- أكثر شخصية يمكننا الشعور بِصلة مباشرة معها، هي ابنة زماننا وانحيازاتنا، وهي أيضاً ألطف بكثير من ابنتها في نظري مما جعل منظورها خفيفاً على النفس. وعلى الرغم من انزعاجي من جنة إلا أن هذا الجزء جعلني أتعاطف معها في أكثر من مشهد، وأرجّح أن شطراً من الأنانية كان ببساطة أمومة ضخمتها التكنولوجيا. كما تطلعت إلى مصير العائلة بأكملها وكأنني أعرفهم شخصياً، مع أن بعضهم مزعج مثل جيهان أو نمرود مثل عمر لكنني رجوت نهايات سعيدة لهم جميعاً.
المسألة التكنولوجية هذه المرة أخذت حقها الوافي، فهي لم تكن خلفية أنيقة وإنما اندمجت بالأحداث، وللمرة الأولى في السلسلة جاءت حوارات استدعت كل التطورات المتخيلة لفهمها، وكانت حوارات متكاملة في عالم الرواية بعيداً عن واقعنا، وهذا ما أنشده في هذا الصنف من الروايات. والحوارات التي أقصدها تركتني محتاراً بين وجهات النظر المختلفة. وهنا يجب أن أذكر أنني احترم قرار الكاتب بجعل الحوارات بالعامية لأنها تجعل الشخصيات كلها أقرب. الحوارات في كل الأجزاء مثيرة للاهتمام وسلسة، لكنها في السابق كانت جيدة بالنسبة لرواية واقعية، في هذا الجزء تتميز بانغماسها في عالم الرواية.
وكذلك أعجبني كيف انسابت خيارات الشخصيات في الأجزاء السابقة لتطبيق خطة ما (بدون حرق للأحداث)، وخصوصاً لأن الشخصيات في الأجزاء السابقة اتخذت هذه الخيارات في سياق مكتمل، أي أنها لم تترك انطباعاً بأنها أقحمت في الحبكة لحل العقدة لاحقاً. الرواية لا تخلو من حلول سريعة لكنها لم تُستخدم إلا في حبكات صغيرة ولم تؤثر على سلاسة الأحداث (المثال لمن قرأ الرواية هو "فلاشباك" للقب جمال).
وقبل الحديث عن الجزء المفضل وفي سبيل الموضوعية سأذكر بعض الرواسب السلبية التي بقيت من الأجزاء السابقة، أهمها هو تمرير بعض التغيرات التي تطرأ للشخصيات الثانوية وكأن شيئاً لم يكن. لن أذكر التفاصيل كي لا أحرق الأحداث لكن لو قرأت الكتاب ستعلم ما أعنيه عندما أقول أن شخصية الأخ التي كانت في الجزء الأول مصرّة على أمرٍ ما نجدها فجأة تتقبل عكسه تماماً، ومع أن هناك تبريرات لانقلاب المبدأ عند الشخصية لكن حبذت وجودها في الرواية بدلاً من تخمينها بنفسي.
من السلبيات التي كانت في الأجزاء السابقة والتي انقلبت إلى إيجابية هو مشهد المظاهرات الذي لم يكن منسوخاً عن ثورات الربيع الفاشلة، بل جاء بصورة متناسبة مع عالم الرواية المستقبلي. ولم يكن مفهوم القمع نسخة حاضرة من عالمنا وإنما نوع مميز يخلط بين سلطة الحكومة والتكنولوجيا والتزمّت الديني، وهذا النوع يستحق النقاش المطوّل لأنه محليّ بجدارة ويمس حاضرنا. في المجمل لم تكن الحلول سحرية بل راعت الأحداث طبيعة مجتمعنا وحملت ما يكفي من الواقعية في مجرى الأحداث، بمعنى آخر مأخذي على الأجزاء السابقة بأخذ الحاضر وتغليفه بغطاء مستقبلي لا مكان له في هذا الجزء، الرواية تبرز التبدلات الكبرى إثر التكنولوجيا دون تجاهل زخم العادات والتقاليد في المجتمعات المحافظة مما يجعلها كقصة متوازنة.
أخيراً وليس آخراً أعظم ما في الرواية هي الخاتمة، النهاية لم تكن متوقعة وطرحت تصوراً مميزاً عن الذكاء الاصطناعي وطبيعة البشرية، لن أطيل بالحديث عنها هنا كي لا "أحرق" النهاية لكنني أعلم أنني سأذكرها في العديد من النقاشات التي سأخوضها مستقبلاً حول مسألة التكنولوجيا.
ملاحظات:
- عند كتابة المقالة "النقدية" للأجزاء السابقة لم أعلم كيف ستكون ردة فعل السيد فادي زغموت، وبعد أشهر عندما وصلته المقالة بطريقة ما فاجأني بروحه الرياضية وتقبله للنقد بدرجة احترافية عالية أرفع لها القبعة.
- هذه المراجعة تتعاطى مع الجانب الروائي بشكل بحت، لا أؤكد أو أنفي اتفاقي مع الأفكار البارزة في الرواية فهي مواضيع معقدة بحاجة إلى تفصيل لا مكان له هنا، نظراً لأن هذه المساحة مخصصة لمراجعة الرواية لا لعرض أفكاري الشخصية.