على حافة زلزالٍ داخليّ، وبين هويّتين وحياتين، تصحو امرأةٌ لتكتشف أنّ وجهها في المرآة لم يعد وجهها، وأنّ الذكريات التي تسكنها ليست سوى متاهةٍ لماضٍ مسروق. تفتح الكاتبة نافذةً على وجع وطنٍ لم يُشفَ بعد من جراحه، وتنسج برهافةٍ عميقة قصّةَ امرأةٍ تكابدُ كي تعثر على ذاتها الحقيقيّة بين ذاكرةٍ مضطربة وحاضرٍ مربك، كاشفةً أسرارَ عائلةٍ تتقاطع فيها الأجيال، وتتعاقب الخيبات، لتغدوَ كلّ امرأةٍ ظلًّا لأخرى، وضحيّةً لآلامٍ مشتركةٍ لا تنتهي. تُبحر الرواية في عوالمَ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ معقّدة، حيثُ يتحوّل التفّاح من مجرّد ثمرةٍ محرّمةٍ إلى رمزٍ للرغبة المقموعة، والحريّة المنتهكة، والندم الذي لا يُغتفر. وتتّخذ الكاتبة من لعبة التذكّر والنسيان إطارًا للسرد، فنجد أنفسنا أمام أسئلةٍ حارقةٍ عن معنى السعادة، وجدوى التضحية، ومصائر الأجساد التي لم تستطعْ تذوّقَ متعة الحياة. هذه رواية جديدة في تجربة الكاتبة السوريّة القديرة ريما بالي، لم تكتبها بنقرات على لوحة مفاتيح الحاسوب أو بقلم، بل كتبتها بإبرةٍ ومشرط، إبرةٍ لدقّة نسيجها السرديّ، ومشرطٍ لرهافة لغتها، وتلك وظيفة الأدب الحقّ كلّما رقّ جرحَ أكثر.
كلنا ننتظر ان نأكل التفاح ..... زلزال هو الفاصل بين قبل و يعد ، حياة و هوية و أخرى و السؤال المطروح عن الذات و عن الآخر ، عن الأمل و عن الألم . العمل عبر فصوله المعنونة زمنيا لارتباطها بالزلزال تقدم تداعيا حرا تقوم به دنيا و منى الشخصيتين الرئيسيتين اللتان تتعاقبان في الحكي و البوح و عبر هذا الأخير نبني شبكة العلاقات بينهما و بينهما وباقي الشخصيات التي تم بناء أبعادها النفسية و ربطها بواقعها اليومي 👍👍👍👍. العمل مكتوب بلغة سلسة تتماشى مع الاحداث و مع الشخصيات .
"إلى صورة لم تعد تشبهنا، في مرايا لا تعرف النفاق.."
كل شيء بدء بزلزال، زلزال في الأرض وزلزال هز وجدان بطلة الرواية وذاكرتها لتبدأ رحلتنا مع هذه الأخيرة حين تستيقظ من النوم وترى نفسها في المرآة فلا تتعرف عليها! "هل الزلزال هو من أسقطني في هذا العالم الغريب؟ أم وقع الزلزال في أعماقي فقط؟" (ص:١٣) ماذا حدث لها؟ وكيف أصبحت جزءا من هذا العالم الغريب؟ وهذا الجسد الغريب؟ ما الذي تحمله لها ذاكرتها من ماض؟ وما الذي يحدث لها في الحاضر؟ وما علاقة ماضيها المضطرب كما تتذكره وحاضرها الغريب عنها كليا؟
هذا ما تحاول البطلة الإجابة عنه خلال رحلة حاكتها ريما بالي بحرية مبهرة ونسجت خيوطها بلغة رقيقة وحادة تضرب في عمق الجرح السوري الذي ما فتئ ينزف من كثرة الطعنات والصدمات. خلال هذه الطريق الوعرة مع ذاكرة مثقلة تأنيب الضمير وواقع مزقته الحرب ومخلفاتها من فقد وعزلة عن الذات قبل الوطن، تتعرف البطلة إلى مجموعة من الشخصيات من حاضرها وتستحضر أخرى من ماضيها محاولة إيجاد تقاطعات بينها.
دنيا، منى، منال، بشرى موني، نداء، رجاء، جابر، ثائر،غيث، ربيع وغيرهم.. كلها شخصيات جمعها الحب والحياة والأمل وفرقها الغدر والخيانة والوطن.. كلها شخصيات أحبت منظر التفاح الأحمر الشهي، فاقتنته أو قطعته ولكن لم تأكله أبدا.
تفوقت ريما بالي على نفسها في هذا العمل حيث نهجت أسلوبا مبتكرا وخاضت تجربة جديدة في طرح ومعالجة الوجع السوري مختلفة تماما عن رواياتها السابقة لتثبت لنا أنه مازال في جعبتها الكثير لتقدمه للقارئ وللأدب.
لن أخوض في تفاصيل العمل لكي لا أحرقه على القارئ وسأترك له متعة اكتشاف قلم ريما بوجهه الجديد المبهر.
بعض الاقتباسات الجميلة : "هل كنت طفلة حقا؟ وهل الأطفال أبرياء حقا؟ ربما الطفولة ليست براءة مطلقة كما نحب أن نتخيل، ربما هي مرحلة يتشكل فيها الخير والشر معا، مرحلة نكتشف فيها أن أصابعنا الصغيرة التي تمسك ألعابنا ببراءة يمكنها أن تحمل أيضا شرا لا نفهمه."
"تتساءلين في لحظات صمتك الطويلة، هل يوجد نوع من الخطيئة لا يغتفر؟ تقلبين هذا السؤال مرارا كحجر ثقيل بين يديك، وتتأملين كيف يغيرنا الإحساس بالذنب إلى أشخاص آخرين [...] ولأنك عشت زمنا طويلا في خدعة الصمت، صار الخوف من قول الحقيقة أكثر هولا من الحقيقة نفسها، فهل أخطأت حين ظننت أن الصمت سيكون أرحم؟"
"أفكر في قدر هذه البلاد : نكبة تبتلع أخرى، لتأتي ثالثة أكبر منهما فتبتلعهما معا. دمية روسية بثينة متخمة بالألم والقهر والفقد."
"تبا لكلمة "لكن"، تأتي دائما كقاتلة للبهجة، كطعنة في خاصرة الجملة، وتقلب الحبور الذي قبلها غما"
ريما بالي كاتبة ذكية جدا، شقية ومشاكسة جدا، تأبى ان توضح رسالتها لقارىء يرفض عناء التحليل والتمحيص !!ولكنها لا تجابهه وتتحداه بل تأخذه في غفلة منه وبسياسة التشويق والتحفيز الى مقاصدها ومبتغاها بلعبة رموز واشارات ودلالات مستترة حيناً، مواربة احياناً ، عميقة مستعصية أحيانا اخرى… فتحرك لديه غريزة التتبع وحب الاكتشاف وتثير فضوله لمسك خيوط حبكتها ومفاتيح شخصياتها وهي تراقب من خلف الكلمات دهشته المتنامية عند اكتشاف عوالمها وارتباطها المباشر بكل ما يعتمل في نفسه من ارتباك وتوق الى الحرية والى الانعتاق وجري نحو عالم أفضل… لا تهوى ريما المباشرة الفجة والسهولة الفظة…فبينما توهمك انها تسرد معاناة امرأة كسرها الظلم وفتتها القهر وحطمتها الخيبة بلعبة نفسية معقّدة ومتشابكة وبشخصية مركّبة، تكون بالتزامن، تسرد معاناة وطن بأكمله رزح تحت الطغيان وتاق الى شمس الحرية وناشد السلام والاستقرار… هذا التماهي بين المرأة والوطن الذي يترقب "ربيعا" طال غيابه يجعل من الرواية مساحة للتفكر في واقع شرذم النفوس وحوّلها الى أجزاء يبحث بعضها عن بعضه الآخر !!! ليس من السهل تجميع ما تهشّم … فالتحطيم أتى ممنهجا على مراحل ، لتصبح اعادة الالتحام اكثر صعوبة وتعقيدا … هل هي رواية المرأة المحطّمة ام الوطن المحطّم؟؟؟ وما الفرق؟ كلاهما ضحايا وكلاهما يعيشان على "أمل " " السلام"… رواية لم نأكل التفاح رواية مختلفة … للأمانة ، خدعتني… في البداية اعتقدتها رواية عن الحب والخيبة … ولكن مع كل صفحة كنت اتخيل ريما تغمزني وتقول انتظري…. لا تستعجلي!!! وفعلا مع كل صفحة كانت الفكرة تكبر وتتنامى لتصبح"شجرة" وارفة !!! فلما قلبت الصفحة الأخيرة ابتسمت وانا أفكر… "تمكنتِ مني هذه المرة ايضا يا ريما.. احتفظتِ بعنصر المفاجأة "…
في "لم نأكل التفاح", تخوض ريما بالي مغامرة سردية جديدة، وكأنها تتحدّى نفسها وتختبر أدواتها الأدبية في مسار مختلف تمامًا عمّا اعتدناه منها. هذه المرة، الغوص ليس في تفاصيل المدينة أو الجغرافيا، بل في العالم النفسي لأحد أبطال الرواية، حيث يتحوّل النص إلى تشريح دقيق للنفس والجسد معًا، وإسقاطات مؤلمة لخطايا الماضي على الحاضر.
ما شدّني في هذا العمل هو غياب المكان الواضح والمألوف. ريما – التي عرفناها دائمًا دقيقة في رسم الأمكنة – تذهب هنا إلى اللامكان، وتفتح للخيال والرمز مساحة أوسع. لكن في مقابل ضبابية المكان، تلعب ببراعة على خيط الزمن، فتجعله البوصلة التي يهتدي بها القارئ في متاهة الرواية النفسية.
ولم تغب بصمة ريما المحبّبة في استخدام الرموز، فهي موجودة بقوة، لكنها هذه المرة أكثر خفاءً، تحتاج إلى قراءة متأنية لتفكيكها، وكأنها دعوة للقارئ للمشاركة في بناء المعنى.
"لم نأكل التفاح" ليست رواية سهلة، بل تجربة فكرية وشعورية مركبة، تكشف جانبًا جديدًا من ريما بالي، كاتبة لا تخشى التجريب، ولا تتردد في إعادة اكتشاف صوتها الأدبي.
اسم الكتاب: لم نأكل التفاح اسم الكاتب: ريما بالي الناشر: دار ميسكلياني رواية جديدة للكاتبة السورية ريما بالي أهدتها لشهداء سوريا ولأهالي الشهداء، حيث كانت الفترة الزمنية التي عايشتها زمنة الثورة السورية وزمن الزلزال المدمر الذي أصاب سوريا وزمن تحرير سوريا. أنه الزلزال العلامة الفارقة للوقوف بين زمنين وهويتين وحياتين لا تتطابقان مع بعضهما البعض حيث توقف الزمن ما قبل الزلزال وما بعد الزلزال كل ما تتذكره المرأة ان عمرها ثلاثين عاماً وما تراه في المرآة امرأة في الستين. تعيش دنيا في إحدى أحياء سوريا واولادها مهاجرون خارج البلد نتيجة الأزمة السورية وواحد من أبنائها مفقود لا تعلم إن كان حياً او ميتاً وهل مات مذوباً او مقطعاً إلا أنها لا تتذكر ذلك ولا تقتنع بأنها في الستين من عمرها فقد تقاطعت ذكرياتها واختلطت الشخصيات في عقلها واعتقدت انها تهعش مع اسرة ليست أسرتها وأنها تلبست شخصية غير شخصيتها الثلاثينية شخصية منى. في طرح حياة دنيا نجد عمق الألم السوري الذي تعانيه العائلات السورية وخاصة الامهات اللواتي هاجر أبناءهن أو فقدوا دون أن يعرفن مصيرهم أهم أحياء أم اموات ويعشن على أمل اللقاء بهم أو معرفة أي خبر عنهم. عن العيش في حياة لم تقبلها مع زوج لم تختره وأنجبت منهم أطفال ولكنها لم ترتبط بهم كما ارتبطت بابنها الأخير الذي كان غلطة عمرها كما أشارت نفوذ المتسلطين من شبيحة النظام وفرض سلطتهم على الناس وإجبار الأهالي تزويجهم بناتهم لينتهي بذلك حلم كل فتاة بالعيش حياة طبيعية والارتباط بحب حياتها. كم منا تمنا ان يعود إلى ثلاثينيات عمره والالتقاء بوالديه والعيش في كنفهما كم منا يتمنى لو أن العمر يتوقف عندما كنا عند اهلنا هذا التناقض عاشته دنيا بشخصية منى ولم تستوعب أنها اصبحت دنيا. في نهاية المطاف تأتي لحظة التحرير لقد كانت تحريراً من كل شيء من كل شخص لا نحبه من كل فكرة لا نحبذها. باعتقادي أن الرواية ليست سهلة استمتعت جداً بقراءتها وسردياتها وتكشف خبايا نفسية معقدة في حياة الاشخاص.
رواية العزيزة ريما بالي لم ناكل ال��فاح.... يبدو ان الله قد تخلى نهائيا عن هذا البلد، لم يكد ينتهي بعد من الحرب، لينزل به الله زلزالا اكمل على ماتبقى للناس فيه من امل.... تتحدث ريما في روايتها هذه عن النفس البشرية الداخلية ، وعن المشاعر والتناقضات التي تمر بها النفس الانسانية ، عن انكار الوجود والتخلي عن حياتنا الحقيقة وخلق حياة موازية تكون اقرب الى مانرغب الحرب اكلت منا الكثير وشوهت فينا ماتبقى.... الشخصيات الموجودة في الرواية من نداء الى منى الى داليا ..جابر ثائر ...الجميع كلها شخصيات عانت وجمع فيما بينهاا قصص من الحب والمعاناة وفقد الوطن الذي هو اكبر فقد... عالجته ريما الكاتبة باسلوب جميل وجديد بين شخصيات الرواية المتعددة بين ماقبل الزلزال ويعده.... وتركت لدينا بعض الامل في اننا قد نستطيع العودة بالامل الى اكل التفاح الذي نحبه ... عمل جميل وسرد ممتع وبسيط ياخذك الى العوالم الانسانية الداخلية
اقتباسات : * هل كنت طفلة حقا؟ وهل الاطفال ابرياء حقا؟ ربما الطفولة ليست براءة مطلقة كما نحب ان نتخيل، ربما هي مرحلة يتشكل فيها الخير والشر معا، مرحلة نكتشف فيها ان اصابعنا الصغيرة التي تمسك العابنا ببراءة يمكنها ايضا ان تحمل شرا لاتفهمه. * ربما سمعته يوما يشجع صديقا على الهجرة من هذا الوطن المتعب والمتعب ويقول له ان ساءت ظروفك فارحل. لاتحدثني عن اللارض والجذور ، انت لست شجرة * افكر في قدر هذه البلاد ، نكبة تبتلع اخرى، لتاتي ثالثة اكبر منهما فتبتلعهما معل، دمية روسية متخمة بالالم والقهر والفقد. * النرجسية هي مرض العصر، واكره ان اجد العدوى قد اصابتك قراءة ممتعة
"لم نأكل التفاح.. حكاية وطن لا يفقد الأمل" تمر كل الأوطان بعقبات ونكبات، أوطان ينتصر شعبها، وأخرى تفقد وجودها. الثورات تطالب دائمًا بالأفضل، إلا أن نتائجها لا تعرف الوسط؛ فدائمًا لها تأثير كبير يمسّ كل من يعيش على أرض الوطن. يأخذنا هذا النص البديع لتناول حال أرض سوريا، من خلال أصوات نسائية تعبّر عن معاناة الشعب، متعمقةً في تساؤلات عديدة قبل الثورة والحرب وما بعدها. تبدأ الرواية بزلزال، زلزال الحرب، والأرض، والمجتمع، والنفوس، زلزال استطاع أيهزّ البشر أجسادًا وعقولًا، متسائلين عما يخبئ لهم المستقبل. حالة التيه هذه، والجهل بما هو قادم، تم تجسيدها ببراعة شديدة في النص، وبروعتها انتقلت للقارئ، واعتمدت الكاتبة في ذلك على حيلتين: تحرر الخط الزمني وتنقّله بين ما قبل الزلزال وبعده، والحيلة الثانية العبقرية فيه تناغم الشخصيات وتداخلها. الشخصيات في هذا العمل لها طابع خاص، فنقابل "دنيا" وتسرد لنا ما يحدث، وعلاقاتها مع "رجاء" و"أمينة" و"نداء"، ثم تتغير الأسماء وتتباعد الأجيال، والصفات والآمال واحدة، وكأن هناك إشارة من النص لانتقال الفكر والأمل عبر الأجيال، ووضح ذلك من شصخية "ثائر" في طالع الحبيب الذي تتمناه المرأة. وأسماء الشخصيات تحديدًا لها دلالات كبيرة في النص، فهناك شخصية "ربيع"، الابن الذي سُجن واختفى، وننتظر طوال الرواية حريته، واسمه إشارة إلى "ربيع دمشق" عام ٢٠٠٠ وآماله وقتها في الحرية والعهد الجديد. فبناء الرواية تفاصيله خلّاقه ومبتكرة، حالة ما بين معاناة نساء ودمجها مع تاريخ سوريا الحديث، فكوّن النص رؤية أدبية بديعة مذهلة شديدة التأثير. التفاح محبب في هذا النص، له دلالة هادئة ومعبّرة وآملة، ليس رمزًا للخطيئة كما يتم تناوله في معظم الأعمال الفنية، بل هو التفاح الحلو، المطمئن، المبهج، وإعادة الإشارة إليه في آخر الصفحات جاءت في محلها تمامًا. نهاية النص جاءت بديعة، هي بداية، صحيح بداية مجهولة المعالم، لكن تظل بداية، يعبّر عنها النص بجرأة وحرّية، وينتصر للأدب الممتع، الثري، القادر على إحداث الفارق والتأثير الحقيقي الخالد.
زلزال أودى بحياة الكثيرين كما أطاح بذاكرة امرأة لتسكنها امرأة اخرى. صحت منى بعد واقعة الزلزال لتحد نفسها في جسد امرأة بضعف عمرها لا تشبه ملامحها. الثلاثينية المخطوبة من حب حياتها تجد نفسها متزوجة من رجل تكرهه و لها ثلاثة أبناء واحد منهم مفقود في ثورة البلاد. في سوريا حيث يبحث المواطن عن الانتماء و الحب و الطمأنينة، تبدأ رحلة دنيا في التخلص من نفسها للرجوع الى منى و تبدأ رحلتها باكتشاف حقيقة حياتها و المشاعر التي جعلتها تصل الى ما هي عليه. هي رحلة بحث عن الذات بعد ان شوهت الحياة ملامح الحقيقة. الملفت في هذه الرواية ان اسماء الشخصيات دلالات رمزية قوية جداً في لعب ادوارها. ريما بالي قلم مميّز و متقن و حساس بالوقت ذاته. رحلة بدت بهزة زلزال و انتهت بفتح الأقفال. هل يمكن للسلام و الأمل ان يجدا مكانهما في حياة انعدمت فيها الحياة نفسها؟
"لم نأكل التفاح"، الرواية الجديدة للصديقة والكاتبة السورية ريما بالي، والصادرة عن دار مسكلياني للنشر والتوزيع. في هذا العمل، نحن نتعامل مع ريما مختلفة نوعاً ما عن ريما التي عهدناها في أعمالها السابقة: ميلاجرو، غدي الأزرق، خاتم سليمى، وناي في التخت الغربي. الاختلاف هنا المقصود به، أننا أمام تقنيات سردية مختلفة عما عهده القارىء في أعمال ريما بالي المختلفة.
في جديدها "لم نأكل التفاح"، نجد أنفسنا أمام رواية ذات طابع نفسي.فهي رواية تتعمق في عوالم النفس البشرية على مستوياتها المختلفة، بدءاً بما يظهر على السطح، وصولاً لأعماق النفس البشرية. أداة ريما بالي في هذا العمل هو الذاكرة، والتي كانت بحد ذاتها ثيمة رئيسية في العمل، واستخدمتها الكاتبة كأداة من أدوات السرد، لنجد أنفسنا نغوص في عوالم دنيا ومنى، بين ما كانت الذاكرة قادرة على استحضاره، وبين ما أوهمت به دنيا وجعلتها تعيش حيوات غيرها بكل تفاصيلها، والذي ربما كان هروباً من واقع قاسٍ عانت فيه دنيا، لا سيما وصولها حافة الانهيار عندما اختفى ابنها ربيع. لذلك، وفي هذا العمل تحديداً، لا بد عزيزي القارئ أن تكون متيقظاً وأنت تقرأ، لأن عوالم الشخصيات وحالاتها الذهنية والنفسية قد تختلط عليك، فابق واعياً حتى لا تنفلت منك خيوط الحكاية كما انفلتت في بعض محطات شخصياتها واختلطت عليها الأحداث.
هذا العمل، وكما ذكرت سابقاً، يختلف عن سابقه من أعمال ريما بالي، وعلي أن أشيد بالاختيار الأنيق لعنوانه، ففي الموقع الأول من الرواية عندما يدرك القارىء الرابط والمعنى لاختيار هكذا عنوان، أظنه سيبكي مثلما فعلت. هذا الموقع في الرواية أوجع قلبي. فكم من تفاح بقي على طاولات كثير من الأمهات في انتظار عودة أولادهن، وكم من خبز لا يزال ينتظر أن ينضج في تنور الأمهات اللواتي أكلت الحروب قلوب أبنائهن، أو غيبهم الفقد دونما يقين بكونهم أحياء أو أموات. ومع ذلك، تختتم ريما بالي عملها بأن تضع دنيا تفاحها من جديد على طاولة مطبخها في انتظار عودة من غابوا، لتبث في نفس القارىء الأمل ببداية جديدة، لا سيما بعد سقوط نظام الحكم الجائر في سوريا.
سوريا، والتي تشكل الثيمة الأبرز في كافة أعمال ريما بالي، سواء أكانت البعد المكاني لأحداث أعمالها بحيث تتمركز فيها أحداث العمل، أم المراوحة بينها وبين المنافي والجغرافيا الأخرى. لكننا في هذا العمل، نجد حضوراً لسوريا ليس فقط كمكان، وإنما كيف هي سوريا في وعي أبنائها وكيف يتمنونها " سلاماً وأملاً"، وهذا أقصى ما يتمناه السوري بعد هذا المخاض الطويل.
لا تحتاج أن تكون كاتباً محترفاً لتكتب تعليقاً على هذه الرواية ... كل ما تحتاجه هو أن تمتلك القدرة على الإعتراف بأنّ كل كلمة فيها تصف جزءاً منك ...من شخصيتك الحقيقية ومن تلك التي تتمنى أن تكونها ... ومن منّا لم يستيقظ يوماً ليرى في المرآة وجهاً لايعرفه ولايريده بينما داخله يغلي بألف سؤال لا يجد لها إجابات ... من منّا لم يحلم بوطن يتمثّل بالأرض والأب والحبيب والزوج والابن ، ومن ... منّا لم تعصف بأحلامه رياح الواقع لتفقده رفاهية الأمل شهادتي ليست كلمات ... بل هي دموع تساقطت وقلب نبض خافقاً مسترجعاً ليلة "التحرير" التي ارتبطت بليلة "السقوط"، وجاءت نهاية الرواية لتعلن "التحرر" من كل أنواع الظلم و"سقوط" كل من ساهم فيه وعودة الحياة إلى "دنيانا" بعد كل المعاناة ... ولازلنا جميعاً "مثلها" بانتظار عودة ربيعنا وخروج "السلام والأمل" من الحاضنة . ليكونوا جميعا كما نتمنى مع كل الحب لكاتبتنا المبدعة في إنشاء الحكاية أولاً ثم صياغتها بأسلوب السهل الممتنع... فكلماتها تدخل القلب بلا استئذان، ولكنها في الوقت نفسه تجبر العقل على الغوض بين السطور لتكتمل الصورة.
الكتابة اعتراف فهل سيمنحني الاعتراف أجوبةً أم سيضاعف الأسئلة؟ أي موت أفظعُ من أن تُواجه مرآتك فترى فيها وجهاً غريباً لا يمت إليك بصلة؟ كيف يحمل الجسد الجديد دماغاً جديداً ولا يحمل معه ذاكرته؟ هل صارت الحياة مجرد سلسلة من الإنتظارات ؟ متى كان الموت مجرد توقف عن التنفس فحسب؟ ومتى كان الجحيم مجرد احتراق بالنيران ؟ أليس الجحيمُ أيضاً أن تجد نفسك في وضعٍ لا تفهمه ومكان لا تعرفه وتفتقد ذاتك فيه؟ الاستسلامُ للخيانة خيانةٌ أكبر لن ننتقمَ من خيانة العالم بخيانة أنفسنا وأهدافنا وما نحبُّ وما نؤمنُ به هل نتحالف مع الخائن ضد ذواتنا؟ وإن أخلصنا لذواتنا من يضمن أنّها ستُخلصُ لنا ولن تتخلّى عنّا لصالح هذا الزمن الأحمقِ الأعمى؟ التواصل الحقيقي يكون متبادلاً لا من طرف واحد يُملي أفكاره وصوره ليحصلَ على تصفيق أو إعجاب لولا عقدة الدونية لما ظهرت النرجسية أنهما وجهان لعملةٍ واحدة هل نحن من نختار الأدوار التي نؤدّيها في حياتنا أم هي تفرض نفسها علينا مثل أزياء جاهزة نرتديها رغماً عنا؟ الحرية تأتي دائماً بثمن باهظ والأمل قد ينقلب بسهولة إلى خيبة إن ساءت ظروفك فارحل لا تحدثني عن الأرض والجذور لستَ شجرة كم هي غريبة هذه الأجساد التي نحملها قد تتحول فجأة من قوة مرعبة إلى ضعف مثيرٍ للشفقة تباً لكلمة لكن تأتي دائماً كقاتلةٍ للبهجة كطعنةٍ في خاصرة الجملة وتقلِبُ الحُبورَ الذي قبلها غماً