الكتابة والمعنى والتاريخ ثالوث ما انفك نزار شقرون يتقلب بينه من رواية إلى أخرى، كأن همه ضخ الحاضر العليل بالحياة كي يستقيم الوجود. وفي هذه الرواية يطالعنا المعنى من منطقة أخرى، منطقة نخاله فيه انتهى، فإذا هو يبدأ، وهل سمعتم بميت عاد ليدافع عن معناه؟ مثقف شاب يسكنه الإحساس بالضياع كأغلب أبناء جيله في زمن «الحداثة السائلة» و«الهويات السائلة» و«المستقبل السائل»، فيقرر استعادة ما ضاع منه والنبش في جذوره البعيدة. حذره والده من السير نحو الشرق، لأن الشرق في نظره مستنقع الآمال ومَصْيَدَةُ الحالمين، لكنه أصر على السفر للنبش في تاريخ أجداده الفاطميين، وما كان ينبش إلا في ذاته، فعاد جثة هامدة حير أمرها الطبيب الشرعي، وحيرنا معها نزار شقرون لأنه لم يُعدها لتدفن، بل لتحلق روحًا لا مرئية في فضاء المدينة وتسرد على مسامعنا ما حدث. فهل علينا أن نموت لكي نتحرر ونحكي قصتنا بلا مساحيق وبلا أقنعة؟ أم يكون الموت قدر كل من يشد الرحال إلى ذاته في عالم يفصلنا عن أنفسنا يومًا بعد يوم؟
تقدّم رواية أيام الفاطمي المقتول لنزار شقرون، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) لعام 2026، نصًا سرديًا كثيفًا ومركّبًا، ينهل من التاريخ ليعيد مساءلته لا بوصفه وقائع منتهية، بل كمساحة مفتوحة للتأويل والشك وإعادة القراءة.
ينطلق الكاتب من حادثة قتل غامضة في سياق الدولة الفاطمية، ليبني عالمًا روائيًا تتداخل فيه السياسة بالدين، والسلطة بالعقيدة، والسرد التاريخي بالخيال الفني، دون أن يقع في فخ التوثيق الجاف أو السرد المدرسي.
ما يميّز الرواية هو قدرتها على تفكيك مفهوم الحقيقة التاريخية، إذ لا يقدّم شقرون إجابة واحدة بقدر ما يطرح أسئلة متلاحقة حول من يكتب التاريخ، ولصالح من، وكيف تتحوّل الدماء والاغتيالات إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
اللغة مشغولة بعناية، تميل إلى التكثيف والإيحاء، وتمنح النص نبرة تأملية تناسب أجواء الشك والتوتر التي تحكم مصائر الشخصيات، فيما يتقدّم السرد ببطء محسوب يراكم المعنى بدل الجري خلف الحدث.
هذه ليست هذه رواية عن الماضي فحسب، بل عن الحاضر أيضًا، عن آليات القمع وتبرير العنف باسم المقدّس، وعن هشاشة الإنسان حين يُسحق بين صراعات السلطة والعقيدة.
أيام الفاطمي المقتول عمل يتطلّب قارئًا صبورًا ومنخرطًا، لكنه يكافئه بنص ذكي وعميق، يترك أثره بعد الصفحة الأخيرة، ويعيد طرح سؤال قديم متجدّد: هل يُقتل الإنسان مرة واحدة، أم يُقتل كل يوم حين يُختزل إلى رواية رسمية واحدة؟
"هل علينا أن نموت لكي نتحرر ونحكي قصتنا بلا مساحيق وبلا أقنعة؟ أم يكون الموت قدر كل من يشد الرحال إلى ذاته في عالم يفصلنا عن أنفسنا يومًا بعد يوم؟"
مختار شاب تونسي مثقف يشعر بالضياع وغياب الهوية، فيقرر -رغم تحذيرات والده الراحل الصارمة- أن يسافر إلى مصر للبحث في تاريخ أجداده الفاطميين ومعرفة أصوله وجذوره علّ ذلك أن يهدي قلبه الضائع. لكن الراوي هنا ليس مختار، بل روحه! روحه التي تتحرر مع فتح قبره من قبل حكومة بلاده التي تقرر التحقيق في وفاته بشكل لائق..هل ضربه البرق في مصر فعلًا كما قيل عنظ وفاته؟ أم أن هناك سرًا أكبر من ذلك؟ تتحرر روح مختار لتجوب فوق أراضي بلاده وتأخذنا معها في رحلة بين الماضي والحاضر..ماذا حدث فعلًا في مصر؟ كيف كانت رحلته هناك وما الحقيقة وراء وفاته؟ والآن وفي تونس..لماذا قررت الحكومة نبش قبره وإخراج جثته من جديد..ولماذا تنال جثته كل هذا الاهتمام في الوقت الحالي؟
هي رحلة بين الماضي والحاضر..رحلة تصطدم فيها بأفكار ومفاهيم عديدة. ما هي الهوية؟ وهل يمكن للإنسان أن يشعر بالتشتت والضياع وهو في قلب وطنه وبين أهله؟ كيف يعيش الإنسان وهو مشتت مضطرب الهوية حائر في أصله وماضيه وجزوره؟ هل يمكن أن يصبح تاريخنا وماضينا لعنة حياتنا؟ هل المعرفة تُهلك الإنسان؟ أسئلة كثيرة طرحها الكاتب نزار شقرون في روايته لنخوض مع روح مختار رحلة فلسفية طويلة مليئة بالتساؤلات والبحث عن المعنى والغاية والهوية. رواية دسمة فلسفية قرأتها على مهلٍ لأستوعب جميع أفكارها وتساؤلاتها، انتقل الكاتب فيها بين الماضي والحاضر بطريقة سلسة غير مربكة تمامًا.
أفضل ما في الرواية في رأيي هو أسلوب الكاتب وطريقته في السرد والطرح، استمتعت جدًا بالمواضيع والتساؤلات والطريقة التي طرحها بها الكاتب. أما عن الجانب الذي لم يعجبني هو الإطالة في بعض الأجزاء بدون داعٍ، فشعرت بالملل قليلًا في أجزاء متفرقة من الرواية. أما عن النهاية، فكان التساؤل الأهم والأكبر من بداية الرواية هو عن مصير مختار والحقيقة وراء وفاته، فشعرت أن هناك بعض التفاصيل الضبابية التي كانت تحتاج في رأيي لمزيد من الإيضاح.
في النهاية، هي تجربة مختلفة ورحلة دسمة فلسفية مع قلم كاتب جديد استمتعت بأسلوبه وبالطبع سأحب القراءة له من جديد..تقييمي للرواية ٣.٥/٥ ⭐⭐⭐
يقول محمود درويش: لم يعد أحد من الموت ليخبرنا الحقيقة" فماذا فعلت رواية أيام الفاطمي المقتول لنزار شقرون؟! لقد أعادت بطلها ليخبرنا بما حصل بكل بساطة، إذ تبدأ في المدينة البيضاء بتونس في المستقبل القلق القريب عام ٢٠٣٠ بإخراج جثة مختار الفاطمي من قبره الشاب الثلاثيني المتوفى في مصر عام ٢٠١٢ بناء على طلب الأهل والحكومة لإعادة تشريحها ومعرفة أسباب الوفاة، فهل مات حقا نتيجة تعرضه إلى صاعقة أثناء بحثه الميداني هناك أم أنه قتل بفعل فاعل؟ ومن هذه النقطة تنطلق الأحداث بأسلوب غرائبي يتنقّل فيه الراوي البطل مختار عبر خمسة عشر فصلا بين تونس ومصر (مفتاحي الربيع العربي) وبين الماضي والحاضر لنغوص معه في تشعبات الحكاية. عاد مختار ليبحث عن معناه حائرا محلّقا في المكان معلّقا في الزمان، مذ حذّره والده من السير نحو الشرق لأن الشرق في نظره مستنقع الآمال ومصيدة الحالمين لكنّه أصرّ على السفر وفعل بعد وفاة أبيه الإمام علي الفاطمي للنبش في تاريخ أجداده ليعود جثة هامدة، لم تكن رغبة مختار الذي اختص في التاريخ في معرفة كلّ شيء عن أجداده الاسماعيليين الفاطميين من منطلق عقائدي ديني وإنما من مبدأ معرفي تاريخي فلماذا تجرّد الآباء من فاطميتهم وتحوّلوا إلى مذهب السنة والجماعة؟، ما الذي حصل؟ ولماذا طمست الكثير من الحقائق؟، لم يكن مختار ملتزما دينيا رغم انتمائه إلى أسرة مسلمة معتدلة ركنها إمام مسجد، لكن الابن بعيد عن الدين يحتسي البيرة ويعشق يسارية ويصادق ملحدا ربما ويصاحب مسيحية في الفراش، لكنه اختار التاريخ كما اختارت أخته نعيمة الموسيقى وأخوه حسين الجيش وخدمة البلاد. قبل موته في مصر عمل مختار مع الدكتور محمد عزام في القاهرة من أجل بحثه في المخطوطات وتعرّف إلى بيرسيا وكانوبي ثم انتقل معهما إلى الاسكندرية من بعد أحداث ليكمل بحثه وغرامه، وكل ذلك في جو سياسي مشحون مضطرب زمن الأخوان المسلمين، أما في تونس عام ٢٠٣٠ فيبدو أن الأحداث تصاعدت فانفجرت وكأنّ جثته المحنّطة جلبت لعنتها فملأت الجثث المشفى والبلاد الغارقة بين قائد زعيم مستبد وثوار يريدون الإطاحه به وبنظامه وبعنف أزلامه وشغب وغوغاء وشعب منهار يعاني بين هؤلاء وأولئك، عليه أن يخلي مكانه ويلجأ إلى الآخر وإن ضحى بكرامته، إلى أرض يمكن للإنسان أن يعيش فيها هربا من حرب جديدة يبدو أن الخنازير أبطالها فمن الخنازير على كل حال؟ الرواية وإن كانت ذات توجه واضح إلا أن فيها شغلا فنيا وعمقا باديا تستحضر الذاكرة وتبحث عن المعنى، الذاكرة البعيدة التي يريد الآخرون طمسها، وتناقش مسألة التنظيف في غير مكان وتستعين بتيار الوعي في السرد وسوداوية الديستوبيا في الطرح وتتكئ على بعض المرويات كحكاية الأشقر ولا تنقصها الاقتباسات الجميلة ومنها قوله: "هل من غير الفن يمكن أن نفهم التاريخ وهل من غير التاريخ يمكن أن نفهم الفن؟ "الفن هو الأخ الرضيع للتاريخ" وقوله "ثمة فرق شاسع بين من عاش برأسه بين الكتب، ومن عاشت الكتب في رأسه" وقوله "نحن نعيش في كون منظم وعالم من الفوضى". التقييم: ٨/١٠