نوفيلا "طرق متنوعة لقتل النمل" هي عمل قصير، مُكثف، يحمل في طياته براءة وقسوة، من خلال الطفل "وحيد" الذي يكتشف العالم ونراه من خلال أفكاره ومعاناته، ورغم أنه يسأل الأسئلة الأكثر بديهية في العالم، ولكنه يتفاجئ أن إجاباتها ليست كما يتصور، فلا مكان في هذا العالم للإجابات المنطقية، فلا يعلم لماذا يضربه ويُعنفه والده، ولا يعرف لماذا يضرب والدته، ولا يعرف سر العنف تجاه النساء الذي أصبح من العادات والتقاليد، ولا يعرف معاني بعض الكلمات وتفسيراتها غير المنطقية، ولذلك ينوي "وحيد" أن يكون رئيس المجمع اللغوي، لكي يقوم بالعديد من الإصلاحات اللغوية، فلا بد للغة من حارس يحميها من أولئك الذين لا يتعاملون معها برصانة.
حياة "وحيد" في منتهى الوحدة، لا أصدقاء، وأب يظهر فقط ليقهره، وأم غائبة في أدوية الاكتئاب وما تفعله بالذهن، فيوجه كل عنفه ومقته وكراهيته للنمل، ليطبق عليهم طرق متنوعة للقتل، ومن خلال تلك العمليات، نكتشف أن "وحيد" ليس بالغباء الذي نتصوره، بل هو شديد الذكاء، ويستخدم ذكاءه في قتل النمل، وملاحظاته العديدة على ما يحدث وحدث في التاريخ، يسأل الأسئلة الأكثر بداهية، ولكنه يتفاجئ كل مرة أن الإجابة ليست بنفس البديهية، يتخبط في أفكاره وأحلامه كأي طفل لم يتعدى العاشرة، والفارق هنا أنه لا يوجد من يوجهه نحو الطريق الصحيح، وهل هناك فعلاً طريق صحيح؟ أم أنه مجرد خداع نقنع به أنفسنا لكي نتمكن من النوم ليلاً دون مشقة؟ هذا سؤال فلسفي ومعقد أكثر من اللازم لوحيد، ولكن، السؤال الذي يحاول العثور على إجابة له، لماذا يحدث له كل ذلك؟ وكيف سيوقف معاناته؟
كما ذكرت، نكتشف بعد النهاية أن "وحيد" أذكى مننا جميعاً، فعلى الرغم من أنه وحيد، ولا مرشد له، وجد الخلاص في البحث والتقصي مستخدماً أدوت الذكاء الاصطناعي، فهل يُمكنه الاعتماد عليها، أم أنها معلومات مغلوطة ستجره إلى التهلكة؟
فلنترك هذا السؤال لخيال من قرأ الرواية، وفي الحقيقة، بعد الانتهاء من "طرق متنوعة لقتل النمل" ستجد العديد من الأسئلة والأفكار تلهو في رأسك، ومن تلك الأفكار أن الكاتب "محمد الفولي" لا يُمكن توقع رواياته، فبعد "الليلة الكبيرة"، ستظن لوهلة أن الكاتب سيسلك نفس الاتجاه وخصوصاً مع عنوان رواية غريب كـ"طرق متنوعة لقتل النمل" ولكنه يفاجئنا برواية اجتماعية تناقش قضايا كبيرة وهامة في المجتمع المصري، دون الاستفاضة في الشرح، بأكثر الطرق إيجازاً، دون الإخلال بسرد حكاية من البداية للنهاية، وفي نفس الوقت، لم يغفل جانب السخرية السوداء التي تميز بها في "الليلة الكبيرة"، وهناك رابط مباشر بين "الليلة الكبيرة" و"طرق متنوعة لقتل النمل"، ليس رابطاً مؤثراً على الحكايتين، ولكنه بمثابة تأكيد على أن الروايتين تحدثان في نفس العالم، وتأكيد على التلاعب الخفي العبثي الذي حدث في نهاية "الليلة الكبيرة".
ختاماً.. أدعي أننا قد كسبنا كاتباً مهماً، بعدما كسبناه كمترجم بارع، فقد قدم عملين مختلفين تماماً في نوعهم، وأجاد في كليهما، ورفع سقف التوقعات لأعماله القادمة، ولذلك، ولأسباب كثيرة، يُنصح بهذا العمل القادر على كسر مشاعرك، ولملمتها في الوقت نفسه.