ولما دخل الإخشيد محمد بن طغج إلى مصر دخل معه صالح بن نافع وكان مصريا وكان أبوه نافع شيخا أسود نوبيا يسمسر في العطر وكان صالح عطارا ... وخدم عبد الله بن أيوب السجستاني وسافر إلى العراق ثم سار إلى الشام الى الإخشيد ودخل معه إلى مصر وكانأحد الوزراء بمصر يركب بالحجاب والرجالة فانصرف يوم عيد النحر من المصلى إلى داره فمر بموكبه على سيبويه وهو على باب منزله عند دار ابن طلحة فلما رأى صالحا صاح به أي شيء هذا أنت فاسد ابن ضار ارجع إلى شد الأشنان والسدر والزرنيح والنبك فالتفت إليه صالح وقال :من هذا قالوا : سيبويه فقال : من سيبويه فوصفوه له فعرفه لما صار في داره وقال : هذا ابن الصيرفي كان معي في الكتاب خذوه واذهبوا به إلى المارستان فجاءه الرجالة فاحتملوه إلى المارستان فكان يصيح بهم ويقول يا أعداء الله بعتم ذمة الله بقدح خمر للأدسن الأغلس النجيب الخليب لعن الله صالحا .
وقعت الصيحة وأنكر الناس ما جرى فركب صالح إلى الإخشيد وقال له : رجل يظهر الوسواس ويسب الناس فقال الإخشيد : يقتل فقالوا : هذا رجل موسوس فقال : يسعط فسألوه فقال : يسعط بالشيرج .
ابن زولاق (306- 387هـ) مؤرخ مصر الاخشيدية، سار على منهج أستاذه ابن الداية أحمد بن يوسف مؤرخ مصر الطولونية وصاحب "كتاب المكافأة وحسن العقبى" في كتابة التاريخ بأسلوب قصصي، كل قصة تعرض فكرة، والقصة خبر يتم نقله شفهيا ويفيد منه المؤرخ في رسم صورة الشخصية المترجم لها أو العصر المروي عنه،، بعض الأخبار تعبّر عن الحياة الاجتماعية بكل حيويتها وتقاليدها وطقوسها مثل "كتاب البخلاء" للجاحظ، وبعضها يتخذ الخيال وسيلة لسد فجوة معرفية كأخبار المقريزي عن مصر القديمة في اخبار سيبويه المصري يرسم ابن زولاق شخصية عالم غريب الأطوار، يقف على حافة الجنون من قمة التعقل، هذا العالم الذي أتقن معارف عصره اللغوية والفكرية، كان يتكلم دون حواجز فكان الوحيد الذي يستطيع أن ينتقد الأخشيد علنا، إنه أحد عقلاء المجانين، وما أكثرهم في كل العصور والثقافات، ونوادرهم مادة ثرية للدراما التاريخية الطريف ان اسم هذا العالم سيبويه المصري اطلق على شارع تقع فيه الآن بالمصادفة دار نشر مصرية شهيرة والغريب ان ابن زولاق لا مكان له في حصص التاريخ مع أنه ابن المدرسة المصرية، ولم يكتب ألا ما عاصره وكان شاهدا عليه