:يحاول الراحل إلياس شوفاني أن يحلّل علاقة أميركا بإسرائيل من خلال منظوره للثكنة (إسرائيل) والمركز (أميركا). سأحاول إبراز النقاط الرئيسية من طرحه
المشروع الصهيوني ذو طبيعة مزدوجة، فهو يقوم على شق يهودي استيطاني وشق إمبريالي-عسكري. يتأسس المشروع الصهيوني على ثلاثة أبعاد متكاملة: (١) البعد الفلسطيني الذي يسعى من خلاله المشروع الصهيوني لبناء قاعدة آمنة عبر تغييب الشعب الفلسطيني ماديًا وثقافيًا وسياسيًا، (٢) والبعد العربي الذي يخدم مخطط الهيمنة الإمبريالية على المنطقة وضمان مكانة إسرائيل مثمنة عسكرية في الاستراتيجيا الكونية الأميركية، (٣) ثم البعد الدولي الذي يؤكد الارتباط العضوي بين الصهيونية العالمية والاستعمار الغربي. ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولت الصهيونية من رفض يهودي واسع إلى قبول كامل، ليغدو معيار نجاحها هو قدرتها على النجاعة في أداء وظيفتها الاستعمارية وبالتالي تبعيتها.
الأمن الصهيوني يقوم على ثلاث ركائز أساسية: أولها العلاقة الخاصة بالبلد الأم التي تنقلت من ألمانيا إلى بريطانيا وصولًا إلى الولايات المتحدة، وثانيها بناء قاعدة آمنة عبر التهويد الشامل ونفي الفلسطيني وجودًا وحضارةً، وثالثها العدوان المستمر على الأمة العربية بما يعزز دور إسرائيل كقاعدة متقدمة للإمبريالية في المنطقة وثكنة عسكرية.
أمن الشق اليهودي يتوقف على الاستيطان والإجلاء القسري، بينما أمن الشق الإمبريالي يقوم على العدوانية العسكرية، ما جعل الجيش الإسرائيلي أداة مركزية لبقاء المشروع، وأفضى إلى تبعية متزايدة للمركز الإمبريالي على حساب الاعتماد الذاتي:
فشل الاستيطان —> الاعتماد على الالة العسكرية بشكل اطرادي —> تبعية المشروع الصهيوني للشق الامبريالي اكثر من الشق اليهودي وعلى حساب الاخير —> ترابط اسرائيل مع المجمع الصناعي-الحربي —> تبعية إسرائيل لأميركا.
هذه التبعية تجلت خصوصًا في العلاقة مع الولايات المتحدة، حيث انتقل المشروع الصهيوني من الوصاية البريطانية إلى الرعاية ثم إلى الشراكة الأميركية. فقد وفرت واشنطن التمويل، الدعم السياسي، والإسناد العسكري الذي تضاعف بعد 1967، حتى أصبحت إسرائيل بمثابة قاعدة عسكرية أميركية متقدمة. المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية جعلت إسرائيل ظاهرة قابلة للحياة، فيما رسخ اللوبي الصهيوني هذه العلاقة داخل المؤسسة الأميركية. وهكذا تحولت إسرائيل إلى جزء عضوي من الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، تعتمد في بقائها على استمرار الدعم الإمبريالي وعلى دورها الوظيفي في قمع الشعب الفلسطيني وإخضاع المنطقة.
وبالرغم من حالة التبعية هذه، فهنالك حيز للمناورة إسرائيليًا من خلال اللوبي الصهيوني الذي يستطيع تشكيل كتلة ضغط لتغيير السياسات الأميركية التي تتناقض مع أهدف المشروع الصهيوني في فلسطين، ومن هذا المنطلق فالعلاقة بين أميركا وإسرائيل تتكرس بتبعية تشكل هامش للطرفين للمناورة به كما فعلت أميركا ضد إسرائيل في أعقاب حرب السويس.
أي مراجعة لهذه الموسوعة لا تفيها حقها، والموسوعة هذه أزخم من هذا الشرح المبسط وبها سرد تاريخي منذ نشأة الصهيونية حتى عام 2011. وعلى الجميع قراءة هذا الكتاب كمتطلب لفهم الصهيونية وإسرائيل وأميركا.