جلال مطر، شاب غزّي، يمتهن كوالده، حفر القبور ويعشق رياضة الباركور. خطوة بخطوة نمرّ بمحطات حياته المحفوفة بالأحلام والخيبات. بأسلوب جريء، تطرح الرواية أسئلة صعبة حول الحياة المعقَّدة في قطاع غزَّة، فنقرأ عن أفراح الناس وآلامهم، عن قصص حبِّهم وآمالهم المبتورة، ونقف وجهًا لوجه أمام الوحشيَّة ورعب الحياة اليوميَّة في القطاع.
رواية “لا بريد إلى غزة” لمحمد جبعيتي هي عمل أدبي صادر عن دار الآداب، ينسج خيطًا روائيًا في محاولة لاستعادة غزة بوصفها مكانًا وذاكرة وحالة وجودية، رغم الحصار الجغرافي والزمني عليها. جبعيتي يكتب عن غزة المحاصرة خارجيًا وداخليًا، المدينة التي تبدو معلقة بين الحياة والموت، وبين حضورها المتعب وغيابها القسري عن خرائط العالم.
تتخذ الرواية شكل رحلة بحث عن الذات، عن النص، وعن المعنى كما وتكشف عن هشاشة الوجود الفلسطيني المعاصر على المستويين الشخصي والجماعي. عبر صوتٍ سردي رصين لكنه متوتر لبطل الرواية جلال مطر الذي عشق رياضة الباركور وامتهن كوالده مهنة حفر القبور. لكن الحياة في غزة تأبى إلا أن تفرض واقعها على حياته وحياة أهالي القطاع.
ينجح الكاتب في نقل شعور التيه والاغتراب، وفي جعل القارئ يعيش تجربة الاغتراب عن الذات عن الأرض والأحبة والعالم، وكأن “انعدام البريد” ليس فقط انعدام وسيلة تواصل، بل انكسار علاقة الكون بغزة، غزة التي اعتاد عليها العالم أن تموت ويموت أولادها.
ما يميز الرواية أنها ذات لغة شاعرية ولكنها واقعية حيث يمزج جبعيتي بين جُمل مكثفة وصور عميقة دون أن يقع في المبالغة، فيظهر النص ناضجًا ومتزنًا. كما أن الرواية تعد تجربة وجودية فهي ليست تسجيلًا للمأساة فحسب، بل تعبير عن صراع داخلي مع فكرة الهوية وعبء الذاكرة وقساوة الحاضر مع ضبابية المستقبل. يعيد جبعيتي النظر في صورة غزة التي تُختزل غالبًا في الحرب، كاشفًا تفاصيل الحياة اليومية ومفارقاتها وطاقتها على الاستمرار رغم سوداوية الحياة فيها. وهذا بدوره يجعل من الحرية والاختناق، الحنين والاقتلاع، الوطن كفكرة أكثر منه مكانًا ملموسًا، الكتابة كفعل مقاومة ضد النسيان والعتمة من أبرز ثيمات النص وأفكاره.
هذه الرواية تُضاف إلى الأصوات الفلسطينية الجديدة التي تحاول، بوعي سردي واضح، ألا تكتفي بنقل المأساة، بل تفكّر فيها وتربك سردياتها الجاهزة. هي رواية حساسة وذات إيقاع خاص، تُلامس القارئ وتمنحه مساحة للتأمل، وقد تترك فيه أثرًا طويلًا لأنها لا تبحث عن “البطولة”، بل عن الحقيقة الإنسانية في قلب الجحيم.
أمشي وأفكّر؛ هل من الممكن تعريف القهر؟ هذا ليس كتابًا لإنعاش روحك؛ هذا كتاب صحوةٍ روحانية، يدفعك لحمد الله على كلّ النِّعم، وعدم الاكتراث للنواقص التي تشتّتنا عن الشكر.
أولًا، أريد أن أعتذر وأشكر الله على كلّ تلك السنوات التي خاضت فيها بلادنا العديد من الحروب، ولكن لم يُصبنا أيّ مكروه. فإنّ مدينة القدس، مهما حلّ بها من مصائب، تقف شامخةً بسورها العظيم، تحمي شعبها القاطن داخلها.
قد يكون ذكري لمدينة القدس أمام وجع تلك المدينة “التي يُحرم علينا ذكر اسمها” عديم الأهمية، ولكن كلّ بلدةٍ من بلادنا تعاني بشكلٍ مختلف. فها نحن هنا نقرأ الآلام التي حلّت على شعب تلك المدينة من خلال رواية، لأننا قد اعتدنا على الأخبار، حتى أصبحنا نمارس فنّ التغافل كي لا يؤنّبنا ضميرنا على مصائب هذه المدينة الشامخة.
ثانيًا، إنّ محاولتي في مقارنة وجعنا بوجعهم باءت بالفشل، بعد كلّ هذه السنوات من القهر والحزن.
هذه روايةٌ أغدقت عليّ بالهمّ، فقد أصبحتُ واحدةً من هؤلاء الذين يفرّون هربًا من مشاهدة الأخبار وسماع ما يحدث في تلك البلدة التي لم أحصل على فرصةٍ لزيارتها. فهكذا نحن في بلادنا، يصعب علينا التنقّل لزيارة عدّة بلدات، ليس فقط لمنع الوصول إليها، بل لصعوبة التنقّل بين المدن؛ إذ زُرعت بيننا حواجز تُثقل العيش وتُعقّد الحركة بين مدن بلادي الجميلة، فحرمتنا من زيارتها والتمتّع بها، إضافةً إلى حرماننا من الإحساس بأننا ننتمي إلى نفس تراب هذه البلاد المقدّسة.
لقد شوّه هذا المرض الخبيث الذي حلّ علينا نظرتنا لبلادنا الجميلة؛ فنحن نعشق ترابها، ولكننا نكره العيش فيها، ليس لسوء البلاد، بل لسوء معاملة هذا المرض الخبيث لأهل البلاد.
إنني على درايةٍ بأنني هجرتُ بعيدًا بأفكاري في هذه المراجعة، فقد أحببتُ أن أصف شعوري تجاه بلادي، لا شعوري أثناء قراءة الرواية فقط. لأن هذه الرواية مزّقت ضميري، وأشعلت لهيبه، وأنزلت دموعه؛ فكيف لإنسانٍ أن يهجر أخاه الإنسان في وجعه؟ وكيف له أن يُهمل أخاه في صعابه؟
نعم، إنّ الإنسان قد يكون الشيطان الحقيقي؛ نحن ندري، نحن نعلم، ولكننا نهرب من الحقيقة، ونتجمّل بالخيال، وكأنّ ما يحدث في تلك البقعة المطلّة على البحر الأبيض المتوسط لا يعنينا!!! إنه الضمير الساقط الذي خذل ذلك الشعب.
لقد استطاع هذا المرض الخبيث أن يلوّن الحقيقة، وأن يُكبّل الحناجر بانتشاره في أنحاء بلادنا… وأنا على درايةٍ بأنّ مراجعتي هذه قد تُكبّل الأيادي، وتُقيّد حريتي!!! في بلدٍ يتظاهر بالديمقراطية، وهو في جوهره معقلٌ للديكتاتورية.
سلامٌ من القدس 🥲❤️🩹
أنوّه أنّني أكتب هذه المراجعة تحت القصف؛ فها نحن في عام ٢٠٢٦، وما زالت بلادي المقدّسة تخوض معاركها؛ معارك تُشوّه قداستها. فهذا المرض الخبيث يتآمر على قداستها باسم الدين، ويشوّه جمال الأديان المقدّسة لمصالحه الشخصية.
نظرًا لحالة المريض (البلاد)، ورفقًا بكامل أعضاء جسم المريض (الشعب)، اضطررتُ أن أُلغي مراجعتي خوفًا من المرض الذي أغدق حاكمًا بتصرّف أعضائنا، فها نحن نشعر بالوهن والضعف في كتابة مراجعة تليق بهذه الرواية.
تتحدث الرواية عن ذكريات "جلال" ومذكراته، وهو شاب امتهن حفر القبور في غزّة كوالده، وعشق رياضة الباكور، بل وأتقنها، لكن ظروف مدينته والإصابة التي تعرض لها وقفتا حائلًا بينه وبين ممارسته لها.
يتحدث جلال عن طفولته والمشاعر التي عصفت به لأن والده فضّل أخاه الأكبر دائمًا، وكثيرًا ما قارن بينهما وغضب على جلال لأنه ليس مجتهدًا كأخيه، وعن حاضره، وهو يمتهن حفر القبور يوميًا لعشرات الناس. ويتحدث أيضًا عن غزة، المدينة اليتيمة، التي بُترت أحلام من فيها ودُمّرت طفولتهم، وبات أهلها يحلمون بيومٍ طبيعي يعيشونه دون أصوات القصف والزنانات والطائرات ورائحة الدم والموت.
الكتاب أقل من توقعاتي حقيقة لأني توقعت تصويرًا للمشاهد أكثر منه وصفًا للمشاعر، وشعرت أن الكتاب سرد لمذكرات أو يوميات شخصية أكثر من كونه رواية فيها شخصياتها وأحداثها، لكن اللغة شاعرية جدًا وأثرت فيّ كثيرًا.