في قلب الظلال، حيث تتداخل الوَحْدةُ مع الأمل، تنسجُ “وَشْمٌ أزرق” حكاية نِسْويَّة عن الشفاء والتحوُّل.
تلتقي صفا، الإخصائية المعالجة بالفَنّ، بمجموعة من النساء في “بيت حَكْي” ليبدأن معًا رحلة علاجية فريدة، تتقاطعُ فيها قصصُ المرض والأمل، وتتشابكُ فيها الحكايات مثل جدائل من الطين والضوء.
لا تكتفي الرواية برصد التجربة النِّسْوِيَّة فقط، بل تفتح نافذةً على عالَم الرجل الذي يعيش تجربة مواجهة مرض المرأة التي يحبُّها، مستعرضةً التأثير النفسيّ والاجتماعيّ للمرض على الأسرة والعلاقات، وكيف يتقاطعُ ألمُه مع ألوان الأزرق التي تحمل بين ظلالها الحزن والأمل.
تتنقل الروايةُ عبرَ ثلاثِ محطَّات محورية: تبدأ بضبابية الرؤية والخوف من المجهول، ثم تعبُر إلى مرحلة الإدراك العميق والشفاء الجماعيّ عبر الفن، لتصل في النهاية إلى لحظة التعافِي واكتشاف الذات من جديد.
تزامنت كُلُّ نقلةٍ مع زيارةٍ إلى معرض “حوار مع الظلام” المُقَام في مبنى جمعية النور والأمل بمدينة نصر.
في كل محطة، يرافق البطلات “وَشْمٌ أزرق” يرمزُ إلى الأثر الذي يتركه المرض في الروح والجسد، وللنور الذي يتسلَّل عبر العتمة.
بين جدران المستشفيات وغرف الانتظار، وحوارات الظلام، ومشاهد الطين الصامتة، يتجلَّى الفَنُّ كملاذٍ ووسيلةٍ للتعبير عن الألم والتحوُّل.
“وشم أزرق” ليست روايةً عن المرض، بل شهادة إنسانيَّة عن النور الذي يبقى حاضرًا رغم كل الصعوبات.
تتناول رواية وشم أزرق لشيماء عاشور تجربة إنسانية عميقة مع المرض، من خلال بطلتها صفا، التي تستخدم الفن والحكي كوسيلتين للعلاج والبوح.
تدور الأحداث حول (بيت حكي) الذي يجمع نساء يواجهن السرطان، حيث تتحول الاعترافات والقصص المشتركة إلى مساحة لفهم الألم وتفكيك الخوف واستعادة العلاقة مع الجسد والذات.
لا تقدّم الرواية المرض بوصفه حالة طبية فقط، بل كخبرة وجودية تترك أثرها في الروح والعلاقات، وتطرح الشفاء كمسار داخلي قائم على الوعي والتضامن وتحويل المعاناة إلى معنى.
غير أنّ الفكرة، على أهميتها وراهنيتها، جاءت معالجتها الروائية إشكالية؛ إذ مال السرد في كثير من المقاطع إلى خطاب مباشر وتأملي أقرب إلى كتب التنمية البشرية، وفي أحيان أخرى مال الأسلوب إلى أسلوب المقال العلمي، على حساب البناء الفني والتخييل الروائي، وهو ما أفقد العمل شيئًا من عمقه الأدبي وأضعف أثره الجمالي.
هذا ما كتبته أمي بعد قراءة الرواية: اليوم انتهيت من قراءة الرواية الأولى "وشم أزرق" لابنتي وحبيبتي شيمو، والتي انتظرتها بشوق، وعايشت لحظات كتابتها وانتظار ولادتها بفارغ الصبر، وشاركتها في المشكلات التي مرّت بها حتى تم النشر.
استمتعت كثيرًا بالأوقات التي قضيتها في القراءة، وتمنيت لو كانت صفحاتها أكثر، وعشت معها في كل كلمة كتبتها.
كلمة حق تُقال: الرواية رائعة بالرغم من أنها الأولى لها، لكنها تنبئ بمولد كاتبة كبيرة وموهوبة. ولِمَ لا، وهي ابنة سمير عاشور الذي له أكثر من عشرة كتب في تخصص الإحصاء. [أود أن أضيف هنا اسم سامية أبو الفتوح، فوالدتي شاركت والدي في إعداد هذه الكتب، لكن تواضعها حال دون أن تذكر ذلك.]
أنا فخورة جدًا بكِ حبيبتي، وبإصرارك الكبير على تحقيق أمنيتك في نشر هذه الرواية بالرغم من الصعوبات الكثيرة التي قابلتك. وأبشرك بمستقبل باهر في حياتك في كل المجالات.
رواية لن تقرأها بعينيك لكن بقلبك، ولن تفهمها بعقلك لكن بروحك، ولن تضعها في رفوف مكتبتك بعد الانتهاء من قراءتها، لكن ستضعها في ثنايا وجدانك.
رواية "وشم أزرق" للكاتبة الدكتورة المهندسة "شيماء سمير عاشور"، نص رائع يحمل معانٍ عظيمة، قادمة من أعماق الوعي لتصل إلى أعماق الوعي المقابل، متجاوزة كل حواجز العقل والإدراك، تستقبلها دمعة العيون في مآقيها، وخفقة القلوب في ضلوعها، ورجفة النفوس في خلجاتها، فترسم خطوطًا لا تمحوها الذاكرة.
أخذتنا الكاتبة مع نساء روايتها في رحلة مع المرض، مع ذلك الألم النبيل، مع الأمل والرجاء، مع تعافي النفس رغم علة البدن، مع الثقة في الحياة رغم خيانة خلايا الجسد، مع فوضى الطبيعة وغدرها، مع اكتشاف الذات، مع المشاركة الإنسانية، ومع العلاج بالفن، وبالحب، وبالجمال.
تدافعت حكايات الألم فوق صفحات الرواية، في البداية سحبت الرواية من القارئ ثقته بحواسه وإدراكه، عندما ذهبت صفا ورقية في "حوار مع الظلام"، في رحلة بلا عيون. ❞ دليلنا في هذه الرحلة كان فتاةً ترى بجميع حواسِّها إلا عينيها ❝
كانت صفا هي الراوي الرئيسي في فصول الرواية، لم أقل هي بطلة الرواية لأن كل نسائها كن بطلاتها، حتى من مرَّ منهن مرورًا سريعًا، وكانت كل أنهار الألم تنبع من حكاياتهن، تلك الحكايات التي لا تنتهي. ❞ أريد للألم أن يصير فازًا أضعها على الرف واملأها بالأزهار ❝
صفا صاحبة الحكي، ومضيفتنا في بيت الحكي، التي كانت تسجل صديقاتها على هاتفها بأسماء أمهاتهن، وكان معها: 🌿 رقية بنت زيزيت صديقة الطفولة ورفيقة الألم 🌿 نور بنت فاتن وأناملها التي على الطين 🌿 أمل رسولة العطاء للجميع ورقصتها الأخيرة 🌿 جميلة بنت إجلال وزوجها المتمسك بالرحم 🌿 تيسير بنت سلوى نظارة الجمال 🌿 عائشة وقائمة الممنوعات ورفضها التخفي 🌿 مها التي تحب كل العلامات على جسدها 🌿 إقبال التي لم تتردد في قراراتها الشجاعة 🌿 شاهندة وشعرها وتاجها الذي يحيط رأسها 🌿 زيزي وجرس منبه الموبايل الذي لم تلغه أبدًا وغيرهن.
كانت صفا ونساء الرواية يعشن الأيام والسنين في عالمهن بأطيافه المتماوجة وتفاصيله الكثيفة، كُنَّ أشبه بعقل جمعي واحد، وقلب جمعي واحد. ❞ لكن المرض هو نوع من الفوضى، من التدخل التدميري في نظام الجسد ❝
شهدن رحلة دهب والرسائل وأطوار القمر، وعرفن كيف يستجيب الصلصال للمسات أناملهن، وكيف يتفاعل مع مشاعرهن، ويصبح مرآةً للآلام والأفراح.
رقصن رقصة الشفاء، وغَنَّين أنشودة التعافي، وكشفن أثر التطعيمات وندبات الجروح على أجسادهن.
شممن الثلاث روائح التي عجزت كُبرى شركات العطور عن مطابقتها، رائحة الخبز الفواحة قصيرة الأمد لحظة خروجه من الفرن، ورائحة القهوة الغير مكتملة أثناء نضجها على النار، ورائحة الأرض الزراعية الجافة لحظة الري عندما يدهمها الماء، رائحة الخصوبة أو طفي الشَّرَاقِي.
ذهبن إلى مركز تجميد البويضات، وبحثن عن السكينة، وواجهن قسوة الآخرين، وشعرن بآلام الوخز عند التقارب، وعِشنَ دورات أربعينية الشتاء، العشرين البيضاء والعشرين السوداء، أو عشرات الكوالح والطوالح والموالح والصوالح، وحضرن جلسات العلاج الأحمر والأبيض، وشهدن بعث طائر الفينيق من الرماد.
خذل كثير من رجال الرواية نساءها، كان هناك أحيانًا ذلك التردد في القبول والتعايش، وذلك الفشل في فهم المعاني العظيمة، تذكرت عندما سُئِلَت عالمة الأنثروبولوجيا مارجريت ميد من قبل أحد طلابها عمّا تعتبره أول دليل عن التحضّر في التاريخ الإنساني، وكان الطالب يتوقّع إجابة مثل الحجارة المنقوشة أو أطباق الطين أو أدوات الصيد لكن الأستاذة أجابت: "إن أول علامة على التحضر في الحضارات القديمة كان عظم فخذ كُسِر ثم شُفِيَ!"، إن وجود عظمة فخذ شُفيت بعد كسرها دليل على أن أحدًا بقي مع الشخص المصاب، ربط جرحه وحمله إلى مكان آمن ورعاه زمنًا حتى شُفِيَ، فمساعدة شخص خلال الأوقات الصعبة هو نقطة بداية التحضر، إن روايتنا تتحدث عن مستوى أعظم من تلك المعاني.
إن المرض ليس معركة علينا خوضها، ولكنه رحلة علينا فهمها ومعايشتها، رحلة إنسانية عميقة يصاحبها الألم، ولكن هل الألم هو عدو للسعادة؟، يستطيع الاثنان العيش معًا!، هكذا تقول الفلسفة وهكذا يقول علم النفس، وهكذا أيضًا يقول الفن والأدب، إن أعظم الأعمال الفنية والأدبية هي التي صورت الألم وليس السعادة، الألم هو الأصل، والسعادة محض قطرات تقطر أحيانًا فوق الرؤوس، طوبى لمن يدركها.
في النهاية وجدنا نساء الرواية يَبُحْن: ❞ لم تكن مشكلتنا مع المرض، ولكن مع ما تركه المرض على نفوسنا أو بمعنى أدق على مشاعرنا وتجاربنا الحياتيَّة. هل الألم نعمة أم نقمة؟ الأمور نسبيَّة ولكُلِّ حقيقةٍ وجهان أو عدَّة أوْجُه. ❝
هذه رواية سوف تهب لقارئها الكثير، سوف تغسله في ينبوع من الحب والفهم والرجاء، وتجففه بشذرات من النور والضياء، وترشه بعطر الإنسانية النَدِيِّ، وتعلمه الأمل والقوة والشجاعة، وتلهمه المعنى الحقيقي، الذي قد يحيا عمره كله دون أن يلقاه.
تأخذنا رواية "وشم أزرق" في رحلة استثنائية وعميقة إلى عالم مليء بعشرات الحكايات المتشابكة، حيث تنسج الكاتبة بخيوط من المشاعر الأنثوية الفياضة قصة كل امرأة وشخصية في هذه الرواية. ليست مجرد قراءة عابرة، بل هي تجربة تلامس الروح وتترك أثرها مثل الوشم الأزرق الذي يحكي تاريخًا من الألم والأمل. ما يميز هذه الرواية هو قدرتها على الغوص في أعماق النفس البشرية، خاصةً النفس الأنثوية بكل تعقيداتها وجمالها. كل حكاية تبدو كقطعة من لوحة فنية، وكل شعور يُسرد بتفاصيل دقيقة تجعل القارئ يعيشه بكل جوارحه. ففيها نجد الفرح المختلط بالدموع، والقوة الممزوجة بالضعف، والشوق الذي لا ينطفئ. الأسلوب السردي للكاتبة يأتي سلسًا وعذبًا، يجمع بين البساطة وعمق المعنى. لا تخشى الرواية من طرح المواضيع الحساسة، بل تتعامل معها بجرأة وصدق، مما يجعلها قريبة من القلوب. إنها دعوة للتأمل في مسارات الحياة المختلفة، وفي الوشوم التي تتركها التجارب على أرواحنا. "وشم أزرق" هي أكثر من مجرد رواية؛ إنها مرآة تعكس تجارب النساء في كل مكان، وتكريم لمشاعرهن وقصصهن. إنها رواية لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاد قراءتها لاكتشاف المزيد من التفاصيل والمعاني في كل مرة.
أنهيت الرواية في يوم واحد.. الكتاب كان مشوق لي أظن لسببين، الأول أن الكتابة فعلاً مشوقة، سلسة ومعبرة والسبب الثاني هو معرفتي بأحد شخصيات القصة الحقيقية، ومعرفتي وأنا بقرأ ببعض الأحداث اللي مكتوبة اللي كنت أعرف قشور منها لكن ما وراء القشور دي تفاصيل كتير صعب ندركها أحياناً حتى وإحنا قريبين من ناس حوالينا.. بظن إنها مش رواية بس للسيدات اللي عانوا من مرض معين، ممكن نلتقي مع بطلات القصة سواء كان القارئ رجل أو امرأة، مريضة جسدياً أو لا.. هي عن العِلة أو التحدي والأسئلة الحائرة اللي أي حد أظن بيمر بيها..رواية بها ومضات أمل ولكن وجدتها مؤلمة بردو بعض الشئ ..
#وشم_أزرق #بيت_حكى ربما تعمد�� الصاق عنوان آخر بعد عنوان الرواية وهو -بيت حكى_ لأنه أوفق لجو النص وتعبيرا جيدا عنه .أجادت شيماء فى نصها وصف حالات بيت الحكى، وهو ما يعكس مخزون من القصص الحقيقية فى جعبتها ، وأظن ان قلمها قادر على اخراج ما تدخره من حكايا ، فقط الالتزام بتقنيات اخراج الرواية .اشعر اننى امام متتالية قصصية لحالات الاصابة بمرض السرطان بمختلف انواعه بين الشخصيات النسوية ، والبطل الذى يجمع المتتالية هو الحكى او الحوار فى الظلام او تشكيل المشاعر بالصلصال .كل أجزاء الثوب التى ارادت كاتبته ان تحيكه مضبوطة وجميلة ، فقط الازرار التى تلم اجزاء الثوب لا تكد تراها جيدا، اما لانها غير موجودة او قليلة وهو ما يضعف بهجة الثوب. تجربة أولى تنبئ عن كاتبة واعدة فى لغتها وتشبيهاتها وحكاويها وننتظر الأفضل دائما .
حبيت الرواية، واتفاجأت انه -رغم كل الثقل والألم الموجود في معظم سطورها- فالرواية قادرة تحافظ على هامش بسيط من الأمل في التعافي، وقدرة الإنسان على مواصلة الحياة رغم كل المتاعب، بل ورؤية بعضها كدافع لإعادة اكتشاف النفس والعالم.
حافظت الرواية على الشعرة بين تلمُّس الأمل وسط الألم، وبين إضفاء الرومانسية الكاذبة على المرض. أنا معجب جداً بالأسلوب ومتحمس للكتابات القادمة للكاتبة.
اقتباس: "لم لا نرى كل شئ؟ لماذا تكون الصورة ضبابية دائما؟ لماذا لا نكتشف تفاصيل الصورة الا مع الوقت؟ وربما لا نكتشفها قبل أن يأتي عابر فيشير إلى شئ فيها، شئ كان موجودا دائما، لكننا لم نره من قبل؟"