تتحدّث رواية (الوحوش) عن الحرب الّتي دارت في البوسنة والهرسك بين عامَي (1992-1995م)، أبطالُها عاديّون لكنّهم حقيقيّون، وكلّ واحدٍ يروي قِصّته، كلّ واحد يكشفُ عن آلامه الكبيرة، عن آماله الصغيرة، عن ذاته المسحوقة، عن ذكريات البيت والأهل والمدرسة والحيّ والوطن، عن أحزانه السّوداء، عنه في تفاصيل لا يلتفتُ إليها إلاّ مَنْ عاني من وحشيّة الإنسان ضِدّ أخيه الإنسان. الضّحايا في هذه الرّواية قاموا من قبورهم المجهولة ووقفوا على أقدامهم، وأشاروا إلى الجَلاّدين، لكنّ أحدًا لم يكنْ يراهم. كانوا يتكلّمون بلغةٍ واضحة، ولكنّ أحدًا لم يسمعهم. هذه الرّواية صرخةٌ في وجه الظُّلم الّذي لا يتوقّف، ونِداءٌ من أجل أنْ تحلّ الإنسانيّة مكانَ الوحشيّة، ومحاولةٌ في أنْ تُزيل عن اللّوحة الّتي نُسِيَتْ أو كادتْ غِطاءَها الأسود.
الاسم: أيمن علي حسين العتوم. تاريخ الميلاد: 2 / 3 / 1972م. مكان الميلاد: جرش – سوف. الجنسيّة: أردنيّ. الحالة الاجتماعيّة: متزوّج. مكان الإقامة: عمّان – الأردنّ.
- دكتوراة لغة عربيّة، من الجامعة الأردنيّة، بمعدّل (4) من (4)، وتقدير: ممتاز عام 2007م. - ماجيستير لغة عربية، من الجامعة الأردنية، بمعدّل (3.75) من (4)، وتقدير ممتاز، عام 2004م. - بكالوريوس لغة عربيّة، من جامعة اليرموك، بمعدّل تراكميّ 92 %، عام 1999م. - بكالوريوس هندسة مدنيّة، من جامعة العلوم والتّكنولوجيا، بمعدّل مقبول، عام 1997م. شهادة الثانويّة ، الفرع العلميّ، . المعدّل (94.4 %).
الخبرات: - مدرس للّغة العربيّة في أكاديميّة عّمان ( 2006 – 2010). - مدرس للّغة العربيّة في مدارس الرّضوان ( 2003 – الآن). مدرّس للغة العربية في مدرسة اليوبيل (2013-2015)
- مدرس للّغة العربيّة في مدرسة عمّان الوطنيّة (2002 – 2003). - مدرس للّغة العربيّة في مدارس الرّائد العربيّ (1999 – 2003). - مهندس تنفيذيّ، في مواقع إنشائية، 1997 – 1998م.
النشاطات: - مؤسّس (النّادي الأدبيّ)، في جامعة العلوم والتّكنولوجيا، عام 1994، وعضو هيئة إداريّة فيه 1994 – 1996م. - مؤسّس (لجنة الأدب) المنبثقة عن اتّحاد الطلبة في جامعة العلوم والتّكنولوجيا، ورئيس لها للأعوام 1995 – 1997م. - مؤسّس (لجنة الأدب) المنبثقة عن اتّحاد الطلبة في جامعة اليرموك، ورئيس لها للأعوام (1997 – 1999م) . وقد عملت اللجنة على المتابعة الأدبيّة والفنيّة لإبداعات الطلبة في الجامعتين على مدى الأعوام المذكورة. - عضو نقابة المهندسين الأردنيّين منذ عام 1997م إلى اليوم. - عضو هيئة تأسيسيّة لجمعية (الأدباء المهندسون) المنبثقة عن نقابة المهندسين الأردنيين.
المؤلفات: - الدّواوين: 1. قلبي عليك حبيبتي. 2. خذني إلى المسجد الأقصى. 3.نبوءات الجائعين . 4. الزنابق.
الرّوايات: 1. يا صاحبي السّجن 2. يسمعون حسيسها. 3. ذائقة الموت. 4. حديث الجنود. 5. نفر من الجن. 6. كلمة الله
- المسرحيّات: 1. مسرحية (المشرّدون). 2. مسرحية (مملكة الشّعر).
منذ العنوان، يُلقي أيمن العتوم قارئه في مواجهة سؤالٍ وجودي: من الوحش حقًا؟ هل هو القاتل الذي يضغط الزناد، أم العالم الذي صمت؟ عنوان الرواية ليس إشارة إلى الغزاة وحدهم، بل إلى الكائن الكامن فينا حين يفقد الإنسان وجهه. ويأتي الإهداء امتدادًا للعنوان، فيغدو بوصلته الأخلاقية: «إلى شهداء البوسنة المعروفين والمجهولين، وإلى شهداء مذبحة سربرنيتسا». هنا يبدأ النص لا كفن، بل كشهادة. الرواية ليست حكاية بل صرخة؛ ليست تخييلًا بل تأريخًا عبر اللغة، والكاتب لا يبتكر العالم بل يعيده من رماده ليقول: تذكّروا…
أن تقرأ رواية الوحوش، يعني أن تفتح بابًا على جهنّم التاريخ، وأن تمشي في أروقة الدم بوعيٍ حيّ، لا كمتفرّج بل كشاهدٍ أُجبر على حمل الذاكرة. إنها ليست رواية تُروى لتُنسى، بل تجربةٌ تُتلى كما تُتلى الفاتحة على وجوهٍ لم تعد هنا. كتبها أيمن العتوم لا ككاتبٍ يروي حربًا، بل كضمير يحاول أن يُعيد إلى العالم صوته الضائع.
في هذا العمل، يتجاوز العتوم الحكاية نحو المعنى، والتاريخ نحو الإنساني، فيقدّم روايةً تُعيد تعريف الأدب العربي في زمنٍ تكرّر فيه الموت حتى صار خبرًا يوميًا عاديًا.
العنوان: وحشٌ من اللغة الوحوش كلمة واحدة، لكنها كافية لتقلب القارئ رأسًا على عقب. هي ليست وصفًا للقتلة وحدهم، بل سؤالٌ عميق عن ماهية الإنسان: متى يتحوّل الإنسان إلى وحش؟ ومتى تفقد الإنسانية قدرتها على النظر في المرآة دون أن ترتجف؟ العتوم لا يكتب عن الآخر الذي قَتل، بل عن الكل الذي صمت. فالوحش الحقيقي ليس من حمل السلاح، بل من تواطأ بالصمت، باللامبالاة، بالنظر إلى المجازر وكأنها حدث بعيد لا يعنيه.
المكان والزمان، حين يتحوّل العالم إلى مقبرة:
تدور أحداث الرواية بين عامي 1992 و1995، وهي فترة الحرب في البوسنة والهرسك، حين سالت الدماء المسلمة في قلب أوروبا بينما كانت الشاشات تُبثّ النسيان. تتحرك الكاميرا السردية بين قرى صغيرة ومدن محاصرة: فوتشا التي انقلبت من وادٍ وديع إلى جحيمٍ على الأرض، سراييفو التي أُغلقت فيها السماء بالقذائف، وسربرنيتسا التي وعدتها الأمم المتحدة بالأمان فاستيقظت على المقابر الجماعية. وفي كل هذه الأمكنة، يتحوّل الحجر إلى شاهد قبر، والهواء إلى غبارٍ من العظام. العتوم يجعل المكان شخصيةً تتنفس، تتألم، وتشيخ، كأنها الأم الثانية لـ«حارث» الذي يسير على ترابٍ يحفظ أسماء الشهداء أكثر مما يحفظ أسماء الأحياء. الأماكن لا تُذكر كديكورٍ للسرد، بل كذاكرةٍ للدم، كأن الكاتب يحفرها على صخرٍ مقدّس، لئلّا تُنسى.
الرواية تُروى على لسان الفتى حارث، ابن الثالثة عشرة، وهو عين الحرب الصغيرة التي ترى ما لا يُرى. يحملنا صوته بين الخوف والدهشة، بين الأسئلة البريئة والحقائق الموجعة: «كيف تذوب الذكريات؟ وكيف تختبئ الأحلام؟» من خلال هذا الصوت الطفولي، تتكثّف مأساة الجماعة في تجربة الفرد. الطفل الذي يهرب من النار يحمل في داخله سؤال العالم: لماذا يحدث الشر؟ إنها تقنية سردية عبقرية: فاختيار الراوي الطفل لا يُخفف من العنف، بل يضاعف فجيعته؛ لأن كل مشهد يمر عبر عيونٍ لم تتعلم بعد معنى الجريمة. هكذا يجعلنا العتوم نرى الحرب لا بعين المؤرخ، بل بدمعة طفل، طفلٌ فقد الطفولة في لحظة، واكتشف أن النضوج ليس بلوغ الجسد بل انكسار الروح. من خلاله، يُعيد العتوم تعريف الحرب لا كمعركةٍ بين الجيوش، بل كمعركةٍ بين البراءة والخراب. الراوي لا يصف الحرب من الخارج، بل يعيشها من الداخل، يتشمم رائحة اللحم المحترق، يرى الكتب وهي تحترق في المكتبات، يسمع الأمهات وهنّ يلدن الصراخ بدل الأبناء. إنه شاهدٌ صغير على فناءٍ كبير، يحمل في عينيه وجعَ الأمة كلها.
السرد والبناء: نبضٌ يتلوى في الجرح يقسّم أيمن العتوم الرواية إلى فصول قصيرة مكثّفة، أشبه بضربات قلبٍ في جسدٍ يركض للهروب من الموت. كل فصل ينتهي على ومضة أو سؤال أو جملة صادمة؛ كأن الكاتب يريد أن يُبقي القارئ معلّقًا بين شهقةٍ وأخرى. البنية تقوم على توازٍ بين زمنين: • زمن الحاضر المشتعل الذي يروي فيه حارث الوقائع، • وزمن الذاكرة الذي يُطلّ كظلٍّ أو حلم أو طيف. بهذا التداخل يُعيد العتوم رسم الذاكرة لا على خطٍّ مستقيم بل على شكل دوائر، وكأن الحرب لا تنتهي بل تدور فينا
الشخصيات: رموز الإنسان المقهور الرواية مكتظة بالوجوه التي تُشبهنا، لكنها تواجه أقدارًا لا تُحتمل.
• الأم: الوجه الأول للحياة، واليد الأخيرة التي تحاول ستر الجثث بالدعاء. هي معراج الرواية نحو الرحمة، تمسك بخيوط الإيمان لتربط بها ما تبقّى من البيت والسماء. • الأب: حضورٌ صامت، لكنه ممتدّ في كل تفاصيل الذاكرة، يختصر معنى الرجولة المهدورة حين يُذبح الرجل ولا يصرخ. • الإمام شريف: النور الأخير في ظلامٍ كثيف، يصلي تحت القصف، ويذكّر بأن الإيمان ليس عُكازًا للنجاة بل طريقةٌ لمواجهة العدم. • الطبيب حميد: رمز الإنسانية التي لا تموت رغم الرعب، يضمّد الجراح كأنه يضمّد الكون كله.
أما أولئك الذين ارتكبوا الجرائم، فلا أسماء لهم. العتوم يرفض أن يمنح الوحوش هويةً بشرية، لأنهم لم يعودوا ينتمون إلى هذا النوع. وهنا تكمن عبقريته: إذ لا يُشيطن الفرد، بل ينزع الإنسانية عن الجريمة نفسها.
لغة أيمن العتوم هي بطلة الرواية الثانية. يكتب كما لو أن الحرف سكينٌ ومحراب، يقطع ليطهّر، يوجع ليوقظ. إنها لغةٌ عالية، مهيبة، تنبض بإيقاعٍ قرآنيٍّ دون تكلّف، وتلمس الشعر دون أن تتخلى عن السرد. بهذه اللغة، لا يصف الكاتب الحرب فقط، بل يُؤرّخ للألم بأجمل ما يمكن أن يُكتب عن القبح. فالمجاز عنده ليس تزيينًا بل مقاومة. اللغة هي وسيلته لتطهير الدم بالحروف، لئلا يتحوّل الحزن إلى عادة. لعلّ أبرز ما يميّز الرواية هو قدرتها على الوصف الذي يجعل الألم مرئيًا دون أن يفقده كرامته. حين يصف الكاتب حرق المكتبة، لا يكتفي بالمشهد الخارجي، بل يجعلنا نرى الكتب وهي «تصيح بصمتٍ» كأنها أرواح شهداء. وعندما تمرّ الدبابات على الجثث، نسمع «طقطقة العظام تحت عجلاتها الثقيلة»، ومع ذلك تظل اللغة في مستوىٍ من السموّ يمنعها من الابتذال. العتوم لا يسعى إلى إثارة الغثيان، بل إلى تطهير النفس عبر الإدراك؛ فالوصف هنا ليس لتأثيث المشهد، بل لإعادة خلق الوعي
الرمزية والفلسفة: حين يكتب الأدب وصايا الوجود
الوحوش ليست روايةً عن الحرب فقط، بل عن الإنسان حين يفقد وجهه. فيها تساؤلات عن الخير والشر، عن الله والغياب، عن معنى أن تعيش بعد أن رأيت الموت يمشي في الشوارع. العتوم لا يقدّم إجابات، بل يضع القارئ في مختبر الوعي. في كل صفحة، يختبرنا: هل نحن أحياء لأننا نجونا، أم لأننا ما زلنا نتذكّر؟ هل الصمت نجاة، أم خيانة؟ وهل الألم هو الطريق الوحيد لمعرفة الله؟
الرواية، في عمقها، تأملٌ في الخلق الثاني للإنسان بعد الخراب، حين يُولد من الرماد، حاملاً ذاكرة لا تغفر.
وجع الأمة في فتى واحد: يحمل الفتى حارث ذاكرة جيله، فيروي كيف انهارت مدنٌ بأكملها، وكيف كانت الطفولة تُدفن دون شاهد. لكن رغم قسوة المشاهد، لا يسقط العتوم في فخّ استدرار العطف، بل يحافظ على كرامة الحزن. يُظهر الوجع لا ليستدرّ دمعة، بل ليزرع سؤالًا في الضمير الإنساني. الكاتب يوجّه روايته إلى العالم بأسره، لا إلى شعبٍ واحد، لأن المذبحة التي يصفها هي مجزرة الإنسان ضد نفسه، تتكرّر في كل أرضٍ نُزعت منها الرحمة.
قيمة الرواية وأهميتها:
تُعد الوحوش من أهم الأعمال التي وثّقت مأساة البوسنة والهرسك أدبيًا. ليست وثيقةً سياسية، ولا سردًا تسجيليًا، بل شهادةٌ فنية تُعيد الاعتبار للأدب كذاكرةٍ جماعية. إنها نصٌّ يُذكّر بأن الرواية يمكن أن تُقاوم مثل البندقية، وأن الجمال يمكن أن يكون سلاحًا في وجه النسيان. في زمنٍ تتشابه فيه الأصوات، يأتي صوت العتوم كالأذان في الخراب، ينادي: “تذكّروا… الوحوش لم تمت بعد.” الرواية إنها توثّق بعيونٍ مفتوحة على الجمال، لتقول: ليس التاريخ أرقامًا فقط، بل أجسادٌ وأحلامٌ وأمهاتٌ ينتظرن أبناءهن الذين لن يعودوا. أهمية الرواية في السياق الإسلامي أنها تعيد فتح جرحٍ عالميٍّ منسيّ، وتربط ذاكرة البوسنة بذاكرة الأمة كلّها، إذ في كل مجزرة هناك دمٌ واحد وإن اختلفت الجغرافيا.
أيمن العتوم، الكاتب الذي يكتب بدمه لا بقلمه
في هذه الرواية، يواصل أيمن العتوم مشروعه الأدبي القائم على استنطاق الألم الإنساني، كما فعل في «يا صاحبي السجن» و«حديث الجنود»، لكنه هنا يبلغ قمّة النضج الفني. صوته يزاوج بين الوثيقة والتأمل، بين البلاغة القرآنية واللغة الشعرية. يكتب كمن ينسج الوصف بالكلمات، لا كمن يروي فقط. كل صفحة تشهد على قدرة هذا الكاتب على تحويل المأساة إلى عملٍ فني خالدٍ دون أن يجرّدها من حقيقتها. يمتلك أيمن العتوم قدرة نادرة على تحويل التاريخ إلى وجدان، والوجدان إلى لغة. في «الوحوش»، يبلغ ذروة نضجه الأدبي والفكري، فيجمع بين دقّة المؤرخ ورهافة الشاعر وضمير الإنسان. يكتب ليُطهّر العالم من قسوته، ويجعل القارئ شريكًا في الحِمل لا في المشاهدة. من خلاله، يتحوّل الأدب إلى فعل مقاومة، والمجاز إلى شهادةٍ حيّة لا تموت.
الخاتمة: حين تصمت الكلمات وتتكلم العيون
تغلق الرواية، ولا يمكنك أن تتابع يومك كأن شيئًا لم يكن. تشعر بأن اللغة خرجت من الكتاب لتسكنك، وأن الدم الذي سُفك صار في عينيك. الوحوش ليست عملًا يُقرأ، بل يُعاش. تُذكّرك بأن الكتابة الحقيقية ليست ترفًا، بل واجبًا في وجه الظلم، وأن الأدب الذي لا يُوجع لا يُغيّر.
إنها روايةٌ تضع القارئ أمام مرآة نفسه: هل ما زلت إنسانًا؟ أم أن الوحش في داخلك استراح من الصراخ؟
الدكتور ايمن العتوم في هذه الرواية ابدع واوصل لنا الالم والمأساة والابادة التي حصلت في البوسنة وكان قلمه لسان من لا لسان له اكملت قراءتها قبل ثلاث ايام والى الان لم استطع ان اخرج منها العتوم صاحب فكرة وقضية
الرواية : الوُحُوش الكاتب : أيمن العتوم عدد الصفحات : ٤٣٦ تتحدث الرواية عن الحرب التي قامت على البوسنة من قبل الصرب المسيحيين في صربيا، والتي صنفت من أبشع المجازر التي حدثت في أوروبا الحديثة، فقد كانت تهدف للتطهير العرقي لإخلاء البوسنة ��ن المسلمين والإبقاء على المسيحيين فقط لتصبح أوروبا دولة مسيحية بالكامل . أعتقدت سابقاً بأن حُكم الدولة السورية السابقة كان من أسوأ وأعنف الأنظمة في العالم لقساوة ما شهدنا من جرائم قتل وتعذيب وتدمير للشعب والبلاد، ولكن بعد قرائتي لرواية الوحوش أدركت تماماً بأن تصورنا لكلمة وحش في الصغر التي كانت أشبه بحيوانٍ مفترسٍ ضخم البنية ذو عيونٍ كبيرة لونها شديد السواد كلون جسده، يكشر عن أنيابٍ طويلةٍ جداً تقطر دماءً لِما أكله من لحوم البشر والحيوانات وكل ما يلقاه أمامه، أما الأن والحقيقةُ كامنة هُنا أيقنت تماماً بأن الوحش هو الإنسان نفسه مسلوب الإنسانية والرحمة.. نعم إنه هو ذلك الوحش . عند قرائتي لاسم الرواية أصابني الفضول لمعرفة من الذينَ يقصدهم الكاتب أيمن ' بالوحوش ' ؟! فاهتديتُ إلى حقائق كثيرَ جداً تشبعُ فضولي هذا. فدعوني أحدثكم قليلاً عما قرأت ..! الرواية تُحكى بلسان بطلها الفتى " حارث " وما عاينهُ وعاناه خلال سنوات الحرب. كان يلعب مع أختهِ سلمى في منزلهم الصغير الذي يأويهم مع والديّه، دخل عليهن الجيش الصربي مباغتةً، ارتعب وذهب ليختبئى في غرفته، ربما لن يجدوه ويرحلون خاوين الوفاض ولكن ..!! تجري الرياح بما لاتشتهي السفن . ضربوا والده واغتصبوا أمه أمام عينيع وعند الإنتهاء من تفريغ قذاراتهم أطلقوا عليها الرصاص فارتمت جثةً خامدة، كان رؤية والدته وهي مسجاة على الأرض بهذا الشكل كفيلٌ بأن يترك جرحاً لا يندمل في داخله، أخذوه في حافلة مخصصة للذكور وأخرى للإناث ألقوا بأختهِ فيها، أما عن والده فلم يره يخرج من المنزل رغم أنهم أشعلوا النيران فيه، ربما قتلوه أو تركوه يحترق في الداخل ! لم يكن ذلك اليوم الأسوء في حياته فقد كان بدايةً لسلسلة أيامٍ أكثرُ سوادً من هذه الأيام التي قَدُمت من الجحيم !! شاهد من هذه الحافلة الكثير من الضحايا اللذين قُتلوا على يد إخوتهم الصرب، منهم من ساقوهم كالخراف وأتموا نحرهم وتركوهم حتى تُصَّفى دمائهم ومن ثم رموا بهم في نهر "درينا" ، النهر الذي ابتلع الكثير من الدماء والأجساد البريئة المذبوحة . حُشر بعد ذلك هو ومن معه في السجن، كان يتم تعذيبهم بمنهجية وتكتيك مدروسين، تم تجويعهم وتعنيفهم، قتلهم ورميهم.. بعضهم من قطعت أعضاءه التناسلية وأخر فُقأت عينه من محجرها، وآخرون قُطعت أذانهم، ولكن أن يتم قطع أُنوفهم هذا الذي كان صعباً عليَّ تخيله ..! كانوا يريدون لهؤلاء المساكين بأن يعيشوا معذبين لايقدُرون حتى على التنفس، أو التبول إلى أن يموتوا من جروحهم الملتهبة، أما عن حارث فقد قُطعت ثلاثةٌ من أصابعه فقط لمجرد تسليتهم وترك بصمةٍ لهم بهذا الجسد الضعيف، وبالطبع الكثير من الأجساد التي بُتِرت أعضائُها للمتجارة بها، أو حتى لمجرد تفريغ حقدهم فيها، وأيضاً الدماء التي كان يتم نقلُها من أجسادهم ليأخذوها إما أن تُباع أو تنقل لمن هو بحاجةٍ لها بصفوف جيوشهم، حقيقةً كانوا يتفننون بتعذيبهم وبقتلهم .. مجموعاتٌ كثيرَ أُخِذت إلى أماكن مُحكمة الإغلاق صُب عليها الوقود، فإطلاق قنبلة صغيرة كفيلٌ بأن يُشعِلَ نيراناً لايمكن إخمادها إلا بقدرة الواحد الأحد، لم يتركوا لهم منفثٌ لا من نافذة ولا من بابٍ ولا حتى شقٌّ بحجم مسمار، ولكم تخيلهم وهم يصاريعون الموت ولكن لا غالب هُنا إلا هو بمشيئة الله. أما عن النساء فقد كُنَ يتم نقلهن إلى أماكن مخصصة ليتم إغتصابهن بشكلٍ جماعي ووحشي، منهن فتيات صغيرات لم يبلغن، فـ سلمى كانت واحدة من تلك الفتيات، تم اغتصابها عشرات المرات طوال سنين الحرب،لقد كان الهدف من الإغتصابات هذه ملئ بطونهن بالأجنة المحرمة غير معروفة الأب، وكُنَ يُمنعنَ من إسقاطهم لأنهم أرادوا أن يأتوا بأطفالٍ مكروهين ومنكرين لايعترفون لا بدينٍ ولا ملة ولكن يعتنقوا دين المسيحية لِيأمَنوا على حياتهم في هذه البلاد القاسية. أهكذا كان الرب الذي يعبدونه يأمرهم..!؟ يأمرهم بأن يقتلوا أخوتهم المسلمين، ألا يبقوا على أحدٍ منهم حيّ لأن موتهم واجبٌ على كلِ صربيّ .! لقد امتلئت أراضي البوسنة بالمقابر الجماعية التي احتضنت أكثر من نصف مسلميها، فقط لأنهم أرادوا العيش بمكانٍ يحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم التي تهتكت . كثيرٌ من هؤلاء من فقد عقله ومن فقد إيمانه بالله، ولم يعد يعترف بوجود الواحد الأحد " استغفر الله " لينصفهم. حتى الكتب لم تسلم من حقدهم، أحرقوا أكبر مكتبةٍ في البوسنة والتي ضمت تاريخ البلاد والعباد، أحرقوا أرواح كُتابها لم يُبقوا على شيءٍ بها .. أرادوا محو الإسلام بأكمله . أما عن المجزرة الكبرى والتي سميت مجزرة " سربرنيتسا " راح ضحيتها أكثرُ من ثمانية آلاف بوسني بينهم الرجال والنساء والأطفال.. لن أبوح لكم كيف تم قتل هذا العدد الكبير دُفعةً واحدة، سأترك اكتشافه لقرائتكم ..! عن حارث لقد تمكن من الهرب من داخل سجنه بمساعدة الطبيب " حميد " الذي شجعه على هذا قبل أن يستشهد برصاصةٍ في قلبه، أبكاني هذا الطبيب حقاً فإنه رمزٌ للنضال والتضحية والقوة في الرواية.. عند خروجه لم تكن حياته بهذه السهولة لقيى معاناةً جديدة وتحدياتٍ أصعب تواجهه ولكنه رغم كل ذلك تغلب عليها و عادَ إلى دياره الحبيبة التي سُلبت منه واسترجعها بالقوة، إلتم شمله مع أخته التي عادت مع طفلٍ لها ولكنها لم تطل وجودها معه، ذهبت دون أن تعود وتركت خلفها أخوها الذي أحبَّ بلادهُ أكثر من نفسه وطفلٍ صغيرٍ مُنكر .. لم تكن قرائتي للوحوش قراءةً عابرة، بل سقوطٌ في هاوية الوجع الإنساني، فلم يكن الكاتب يصف الألم، بل يجعلك تذوقه بكل مرارة.. لقد ألقى بيَّ العتوم في عالمٍ تتلاشى فيه ملامح الرحمة، أسمعني بكلماته أنين الأرواح وهي تُرمىَ بالحفر، شممتُ رائحة أجسادهم وهي تحترق، شعرتُ بخوفهم في كل مرة يُنادىَ باسم أحدٍ منهم ليتم تعذيبه، كانت كلماته التي خُطت بين السطور تقطر دماً لا حبراً على الورق، أرهقني قساوة ماقرأت عن هؤلاء الآدميين . كلُ صفحةٍ من الرواية كانت صفعةً قويةً على الوجه فقد رأيت الوجع عارياً بلا تجميلٍ ولا رحمة، يلتهم الكرامة ويختبر الصبر والإيمان في أقسى صورة، لقد أيقظت في داخلي تساؤلاتٍ لا تهدأ ..!! كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً بين هذه الوحوش البشرية الحاقدة ؟؟ ولماذا كل هذا الكره للمسلمين في جميع بقاع الأرض ؟! خرجتُ من الرواية مثقلة من شدة الألم فيها، أحببتُها رغم قساوتها، لأنها جعلتني أرى الحقيقة عارية كما هي . أنصح بقرائتها وقراءة كل روايات العتوم .
فصل قديم جديد متكرر من فصول التوحش والتغول والظلم الجاثم على هذا العالم من سنييين....
حين يتحول الإنسان لغول يشرب بنهم دم أخيه الإنسان مستمتعا مستلذا.... وليته يشبع! الإنسان بدون ضابطٍ ولا لاجمٍ من داخله: عقله أو ضميره أو دينه، وبدون رادعٍ من خارجه من قوانين وعقوبات حازمة، ينحدر بكل سهولة لقاع الهمجية... أدنى حتى من الوحوش التي ترأف ببني جنسها ولا تقتل إلا عند الحاجة فقط...
رواية "الوحوش" لأيمن العتوم... تضيء بكاميرا كلماتها واحدة من أبشع تلك القيعان التي انحدرت إليها البشرية في الأعوام ما بين ١٩٩٣ و ١٩٩٥ ...... وأين؟! في قلب قارة أوروبا... في عقر دار العالم المتحضر - زعماً - الذي صدعنا بحقوق الانسان، وضرورة التزام الاتفاقيات، و..... !!
مأساة البوسنة والهرسك.... مأساة شعب البوشناق المسلم العظيم...... مأساة الإنسان حين يختار بملأ إرادته دينه وسط من لا يؤمنون بالتعايش السلمي ويتبعون التطهير العرقي وبكل اشكال الوحشية والتجبر والتعذيب والإكراه في الدين سبيلا....!! (( والمشكلة أنهم بكل وقاحة يعكسون الأمر ويتهموننا نحن بذلك..!! رغم أن أياديهم لا زالت ملطخة بدماء التطهير العرقي لمن اختار غير دينهم !! ))
وما أشبه التاريخ ببعضه، وما أشبه الليلة بالبارحة! الأمم المتحدة كانت ولا زالت "تشجب" و "تدين" و"تندد" و"تدعو جميع الأطراف لضبط النفس"... بينما تتسلل في الليالي ( والآن صارت نهارا جهارا) لتشرب وتعربد مع المعتدي بل وتضحك معه ملأ فمها على مأساتنا! وفوق ذلك تموله بكل الأسلحة... حتى المحرمة منها... ! المجتمع الدولي... إنه هناك لا زال يمارس دوره " الأعمى الأصم الأخرس" عندما يتعلق الأمر بحق واضح لنا.... ! الدول الصديقة تلتفت يمنة ويسرة لا تملك شجاعة النصرة ولا شهامة الأخوّة... الدول المعادية الأخرى ابتسامتها الشامتة ملأ شدقيها ... بل وترجو أن يكون لها دور في غرس النصال فينا! المنافقون والخونة والمرجفون.... لا زالوا كعادتهم يطعنون بخسة في الظهر ثم يلتفتون للعدو ليأخذوا جزاءهم فيلقي عليهم الفتات مع احتقار عظيم!
وأما الشعب .. فقصص مآسٍ وآلامٍ ، وحكابات بطولاتٍ وصمودٍ ، ونقصٍ في الأموال والأنفس والثمرات، مع صبرٍ وتصبرٍ أحيانا أو تضرم أحيانا.. مع زيادة ايمانٍ أو بفقدانه من البعض أحيانا...
فهذا "حارث" الفتى الصغير الشاهد على كل هذه المأساة... يقتحمون بيته وهو طفل لا يتجاوز الثالثة عشر... يُضرب والده بقسوة ويساق إلى مصير مجهول، تغتصب أمه بهمجية من أكثر من "وحش قذر" أمام عينيه ثم تقتل، تختفي أخته الصغيرة ذات الثمانية أعوام، ويحرق بيته - وفيه جثة أمه- !! يحدث هذا كله أمام عينيه في أقل من نصف ساعة.... !!! قبل أن يساق هو إلى العذاب الرهيييب في معسكرات الاعتقال لسنيييين!! يرى خلالها الموت يتراقص أمام عينيه مرات ومرات، لكن الله يلطف في كل مرة، ويخرجه من بين أنياب الموت، ليقع في عذاب جديد وتجارب جديدة ... تصقله وتكبره وتزيده وعيا... لكنها أيضا تزيده ألما وقهرا خاصة في النهاية حين يكتشف المأساة التي حدثت لأخته فبدلت حالها لأسوأ حال تخيله..... وحتى بعد انتهاء الحرب لم تنته آثارها المدمرة عليه وعليها وعلى البلاد كلها .....
من افضل الفقرات والحكايات في الرواية وأكثرها تأثيرا ووجعا ... مع شجاعة ووعي... فقرة حديث/حكاية د. حميد.. عن نفسه وابنه وحصار سراييفو ......
هذا الطبيب البطل .. الذي أصر أن يعود لسراييفو ويعيش مع أهلها سنوات الحصار فيجوع مثل جوعهم مع كونه يعمل أضعاف عملهم.. حيث يواصل الليل.. بالنهار والأيام بالأسابيع لينقذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح فيها، ويعالج بتفان مصابيها، رغم إصاباتهم الخطيرة المعقدة ورغم قلة الإمكانات والأدوات الطبية..
فكان جهاده في إنقاذ الأرواح لا يقل عن جهاد أولئك الذين على الجبهات ...
هذا الطبيب الذي كانت روحه عزيزة قوية تأبى الذل والهوان حتى وهو في الأسر تحت رحمة جلاديه ومعذبيه ....
كم شعرت أنه والدكتور حسام أبو صفية أبناء رحم بطولة واحدة! وإن قصص الأبطال لتتناسل عبر التاريخ ويشابه بعضها بعضا......
كدت أقوم لأصفق له بحرارة حين وبخ "حارث" الذي لم يخطر بباله أصلا فكرة الهرب ولم يراقب معسكر الاعتقال ويكتشف ثغراته الواضحة السهلة للهرب رغم أنه ظل فيه لسنتين! وظل مستسلما بجبن وهوان!! بينما اكتشفها د. حميد هذا في أقل من أسبوعين من تواجده في المعسكر!!
صفقت بحرارة وأنا أقول اخييييرا هناك من يفكر بشيء غير قبول الهوان كأمر واقع!! أخييييرا هناك من لا يستسلم ويفكر بمقاومة الموت ذلا !!! والمفارقة أن هذا التوبيخ ل حارث وهذه المعلومة التي قدمها د. حميد له عن ثغرات المعسكر كانت فعلا سبب نجاته لاحقا.... رغم أنها لم تكن سبب نجاة الدكتور!!
الخلاصة ابداع الكاتب في نقل هذه المأساة للقارئ وكأنه يريه فيلما وثائقيا ... لكن ليس عن تفاصيل الأحداث التاريخية، ولا عن بطولات أو مآس مشاهير من ذوي الأسماء الكبيرة إعلاميا والتي أثرت في الأحداث سلبا وايجابا.... إنما من واقع الناس ... الناس في الشعب العادي.... جَوَّلَنا بعدسة كلماته في أنحاء البوسنة: جغرافيا، وسكانيا، وشعبا... أدخلنا بيوت الشعب البوسني العادي... أرانا بوضوح آلام وآمال الناس العاديين.... !
الناس العاديين الذين ذبحوا بأبشع الطرق فعاشوا الرعب والخوف والجبن والذل والهوان والسخط والكفر والشك ودخلوا دوامة الحيرة ...... كما عاشوا الشجاعة والإقدام والفداء والايمان والصبر في أعلى درجاته..... !
الناس العاديين الذين ذبحوا بلا أدنى تردد من جلاديهم، وبدون أن توثق أسماؤهم ولا تعرف مقابرهم، بل وبعضهم قطعت أشلاؤهم وتفرقت في المقابر الجماعية، ونسيت قصصهم، واندثرت عائلاتهم، ولم يبق شاهد من أصدقائهم ليروي ما كان منهم في آخر عمرهم، وصاروا في عرف الدول مجرد أرقام في سجلات الشهداء .. !! لكن الله يعلمهم وهم الآن ـ بإذن الله ـ في ضيافته يتنعمون ويشكون له حال البشر حين يتردون في قيعان الهمجية والتوحش بلا أدنى ضابط أو رابط أو رادع ..... !!
د. العتوم كعادته يبدع حين يتكلم عن المآسي الإنسانية .......
الوحوش رواية لم تكن مجرد توثيق لما جرى في البوسنة في الأعوام 1992_1995 إنها سرد لحقيقة أن داخل كل إنسان يوجد وحش يكمن في الأعماق و في الحرب تراه على الوجه الأكمل، مع كل سطر أجد نفسي أعيش مع حارث ما يرويه من أهوال لقاءه مع أحدهم و فقداته لأخر لم يكتفي العتوم بذلك أصر على أن يجعل النهر و الحجر شاهداً على ما حدث في البوسنة بحرفٍ صادق و لغة عالية جميلة تميزت بها رواياته على الدوام .
قمة جمال الرواية في أن تكون بوابة على الواقع ، تخاطب الأنسان و تجعله في حالة دائمة من التساؤل و هذا ما كان حيث إنتهى كل فصل بسؤال و لكن جوهر كل هذه الأسئلة كان "لماذا؟ "
الوحوش من البشر كما كان الصّرب لم يكن هدفهم من هذه الحرب السلطة و لا المال بقدر ما كان القضاء على جوهر البلاد من دين و عقيدة و ثقافة و تاريخ .
و الحرب على الأسلام مستمرة إستمرار الوجود السبيل للأنتصار فيها يكون في الثبات على الحق في زمن إختل فيه كل شيء.
رحم الله شهداء البوسنة و كل من جاهد في سبيل حرية الأوطان.
الكتاب رقم، خمس واربعون من العام 2025 الوحوش- حرب البوسنة والهرسك أيمن العتوم تطبيق ابجد
لا كفن هناك بل رقما وشهادة كما أخبرنا حارث الطفل البوسني الذي روى كل شيء
""إنّ هذه الحرب لم تكنِ اختيارَنا ولا خَيارَنا، إنّها حربُ اضْطِرار. أتعرفونَ لماذا؟ لمنع انتشار الإسلام في أوروبّا. إنّ السّبب ليسَ غنى بلادكم بالثّروات، فهي بلادُنا وتلكَ الّتي شرقيّ النّهر بلادُنا، وهي أكثر خصوبةً وأشدّ غِنًى، إنّ هذه الحرب قد شَبَّ أُوارُها من أجل منعكم أيّها البوشناق من إقامة دولةٍ إسلاميّة في بلادنا.""
""يحرقون جزءًا مني". كان في المكتبة تسعةٌ وسبعون مصحفًا شريفًا يعودُ بعضُها إلى عام 1368م لخطّاطين مجهولين، فيها مصحف نَسَخه الخطّاط (غفّار بن محمّد) من غرب البوسنة. وكان هناك مئتان وستٌّ وخمسون مخطوطةً في علوم القراءات والتّفسير تعودُ إلى القرن الثّاني عشر يندرُ وجودُها في أي مكانٍ في العالَم، وأقدمُ مخطوطةٍ في مجموعة المصاحف تلك الّتي قامتْ سيّدة بِنسخها، هي ابنة (موفق أبو نعيمة أحمد) في عام 1175م""
العنوان – الوحوش سؤال وجودي؟ منذ العنوان، يُلقي أيمن العتوم قارئه في مواجهة سؤالٍ وجودي: من الوحش حقًا؟ هل هو القاتل الذي يضغط الزناد، أم العالم الذي صمت؟ عنوان الرواية ليس إشارة إلى الغزاة وحدهم، بل إلى الكائن الكامن فينا حين يفقد الإنسان وجهه وهدفه فيرى الموت ويصمت ، ويأتي الإهداء امتدادًا للعنوان، «إلى شهداء البوسنة المعروفين والمجهولين، وإلى شهداء مذبحة سربرنيتسا (لا كفن هناك بل رقما وشهادة )
تتحدّث رواية (الوحوش) عن الحرب الّتي دارت في البوسنة والهرسك بين عامَي (1992-1995م)، أبطالُها عاديّون لكنّهم حقيقيّون، وكلّ واحدٍ يروي قِصّته، كلّ واحد يكشفُ عن آلامه الكبيرة، عن آماله الصغيرة، عن ذاته المسحوقة، عن ذكريات البيت والأهل والمدرسة والحيّ والوطن، عن أحزانه السّوداء، عنه في تفاصيل لا يلتفتُ إليها إلاّ مَنْ عانى من وحشيّة الإنسان ضِدّ أخيه الإنسان، الضّحايا في هذه الرّواية قاموا من قبورهم المجهولة ووقفوا على أقدامهم، وأشاروا إلى الجَلاّدين، لكنّ أحدًا لم يكنْ يراهم. كانوا يتكلّمون بلغةٍ واضحة، ولكنّ أحدًا لم يسمعهم. هذه الرّواية صرخةٌ في وجه الظُّلم الّذي لا يتوقّف، ونِداءٌ من أجل أنْ تحلّ الإنسانيّة مكانَ الوحشيّة، ومحاولةٌ في أنْ تُزيل عن اللّوحة الّتي نُسِيَتْ أو كادتْ غِطاءَها الأسود.
حرب البوسنة : هي عملية نزاع دولي مسلح حدثت في البوسنة والهرسك من مارس 1992 حتى نوفمبر 1995. وكان هناك دول كثيرة دخلت كأطراف في هذه الحرب. وحسب قول محكمة الجزاء الدولية في يوغسلافيا فأطراف الصراع هي البوسنة والهرسك وجمهورية يوغوسلافيا وكرواتيا. وتبعا لتقارير محكمة العدل فإن الصرب قد ساهمت في تلك الحرب بجيشها ودعمها المالي للقوات الصربية والتي أصبحت فيما بعد جيش يوغسلافيا الشعبي . وقد قدمت كرواتيا قواتها أيضاً. أما بالنسبة للبوسنة فقد كانت قوات الحكومة البوسنية تقود . جيش جمهورية البوسنة والهرسك.
الابادة الجماعية في البوسنة: التي أعقبت تفكك يوغوسلافيا السابقة اودت بحياة أكثر من 100,000 شخص في البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995، معظمهم من المسلمين البوسنيين، وشردت أكثر من مليوني شخص آخرين. وتنوعت تلك الإبادة لتشمل كل شيء على الأرض الحجر والشجر والانسان وشهدت مجزرة سربرنيتسا أحد أحلك الفصول في تلك الحرب.في تموز/ يوليه 1995، اجتاح جيش صرب البوسنة مدينة سربرنيتسا ـ التي أُعلنت سابقاً منطقة آمنة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 819 ـ وقام بقتل الآلاف من الرجال والمراهقين بوحشية. وتم نقل ما تبقى من السكان المسلمين البوسنيين الموجودين في سربرنيتسا - حوالي 25.000 امرأة وطفل ومسن - قسراً إلى خارج المدينة. كانت هذه أكبر مذبحة في أوروبا منذ الهولوكوست.
الإرث الثقافي ومكتبة سراييفو حيث تحدث الكاتب في فصل مطول عن المكتبة، فخلال سنوات الحرب، لم يعانِ أهل سراييفو ويلات الحصار فحسب، بل كانت المدينة -خلال أيام حصارها 1425 يوم - تقصف من كل اتجاه، ولم يستهدف المعتدي تدمير البنايات السكنية فقط بل شمل أيضا المدارس والجامعات والمكتبات، مما دفع البعض للقول إنها حرب “إبادة ثقافية” في الأساس، وكما ظهرت بطولات البوسنيين من أجل الحفاظ على حياتهم، ضحوا كذلك للدفاع عن ثقافتهم، إذ عرّض كثير من البوسنيين حياتهم للخطر من أجل إنقاذ الكنوز الثقافية والعلمية. وتم قصف مكتبة البوسنة الوطنية وإحراقها عدة مرات ودمرت محتوياتها بالكامل، ومع ذلك قامت مجموعة صغيرة من محبي الكتب -منهم عامل النظافة وحارس المكتبة الليلي- بنقل المخطوطات سرا للحفاظ على جزء من المكتبة التي تحوي ذاكرة أجيال البوسنيين طوال ألف عام، وتضم العديد من المخطوطات الثمينة والكتب التي لا تقدر بثمن. وقال الدكتور مصطفى ياهيتش مدير مكتبة الغازي خسروا بيك خلال فترة الحرب -للجزيرة نت- “أدركنا أن الحفاظ على تراثنا وكنوزنا الثقافية والعلمية أهم من الحفاظ على حياتنا، لأننا إن متنا سيأتي من بعدنا آخرون، أما إذا تم تدمير التراث فلن نستطيع أن نعوضه”. ويستطرد ياهيتش “إن موت شخص أو أكثر هو بلا شك أمر جلل، لكنه بالتأكيد أهون بكثير من تدمير الهوية الذي يعني موت الشعب بكامله”. “لقد أدركنا أن الحرب بالأساس هي حرب على هويتنا، وأن أحد الأهداف الرئيسية للمعتدي هو تدمير ذاكرة الشعب البوسني المتمثلة في مكتباته، لذا، قررنا أن نقاوم”. ظهر الأمر جليا بعد أن قصف المعتدي مبنى المكتبة القديمة لمدينة سراييفو (فييشنيتسا) بالقنابل الحارقة، ورأينا النار والدخان الكثيف يخرج من نوافذ المبنى العتيق، فأدركنا أن مكتبة الغازي خسروا بك في خطر شديد، ولا سيما أنها تحوي كنوزا تاريخية من منها مخطوطات نادرة باللغات العربية والفارسية والعثمانية، وغيرها”.
كيف حافظوا على الكتب؟ “قمنا بتنظيم أنفسنا في مجموعات قليلة العدد حتى لا نلفت نظر العدو أو جواسيسه. قمنا بنقل الكتب والمخطوطات والمطبوعات من مكان إلى مكان، مستخدمين صناديق الفاكهة، حتى وضعناها في مكان آمن، بعيد عن مرمى القصف المباشر. كدنا نقتل أكثر من مرة، لكننا والحمد لله نجحنا في الحفاظ على تلك الثروة البشرية القيمة التي ورثناها من أجدادنا، كي نورثها لأبنائنا وأحفادنا”. بعد انتهاء الحرب، قامت المشيخة الإسلامية بالبوسنة ببناء مبنى جديد لمكتبة الغازي خسروا بك، بتمويل من دولة قطر، وتم افتتاحه في يناير/كانون الثاني 2014. المبنى الجديد يجمع بين العراقة في شكله وتصميمه، والحداثة في تجهيزاته وطريقة عمله، وتم عمل “كتالوجات” للمخطوطات القديمة، وحفظت عن طريق “الميكروفيلم” بمساعدة الحكومة الماليزية.
نمضي مع ( حارث) الطفل البوسني الذي يجد نفسه وجها لوجه أمام تداعيات تلك الحرب القاسية المدمرة. فجأة يجد حارث نفسَه مكشوفا دون سند او غطاء او معين، فالحرب وصلت إلى قريته ( فوتشا) و أسرته دُمِّرت و تمزقت بين قتيل و مفقود و أسير، و الفظاعات التي رآها في قريته ستترك أثرا سيئا صاعقا في نفسه لن تمحوه السنين .
يقع حارث في أسر مليشيا القتل الصربية، و يتنقّل بين معسكرات الاعتقال الدامية، ويلاقي الكثير ممن يأخذ عنهم حكايات القهر و المرارة و المعاناة و الألم. كل القصص حزينة ، تتشابه في الفجيعة و تختلف في التفاصيل . و البوسنة.. تلك البلاد الوادعة المسالمة تغزوها ( الوحوش) الشيطانية لتصيب ( ثأرا) كما زعمت عمره مئات السنين. كل شيء في البوسنة سيعاني القتل و التدمير و العذاب ... حتى المكتبات و ذخائرها لن تنجو من محاولة الإعدام و طمس الهوية. يقولون ان الحرب سهلة فمن السها اشعال النار، ومن الصعب اطفائها هنا الانسان المقهور، هنا صرخة في وجه المذابح التي طالت المسلمين في أزمنة وأمكنة من التتار الى غزة، حيث تتداخل صور غزة واليمن وسوريا ولبنان والسودان والبوسنة والهرسك في لوحة ألم واحدة، حيث يذوب المكان في المأساة، ويصبح الوجع هو العنوان فالحروب يكون هدفها المكان وثرواته لا الانستن الرواية، التي يصفها صاحبها بأنها “ليست كباقي الروايات”، تأتي كنبش في ركام الحرب، ورصد لوجع يسكن الحروف، في محاولة لإعادة الإنسانية إلى وجه العالم الملطّخ بالدم.
بالوجوه التي تُشبهنا، في الرواية ما اكثرها ، لكنها تواجه أقدارًا لا تُحتمل ، أناس لم يختاروا قدرهم أناس كانوا يحلمون بغد افضل يفكرون في بناء بلد لا وقود بلد الأم: الوجه الأول للحياة، واليد الأخيرة التي تحاول ستر الجثث بالدعاء. هي معراج الرواية نحو الرحمة، تمسك بخيوط الإيمان لتربط بها ما تبقّى من البيت والسماء. لأب: حضورٌ صامت، لكنه ممتدّ في كل تفاصيل الذاكرة، يختصر معنى الرجولة المهدورة حين يُذبح الرجل ولا يصرخ. حارث واخته: الامل الذي اصبح وقود الحرب لإمام شريف: النور الأخير في ظلامٍ كثيف، يصلي تحت القصف، ويذكّر بأن الإيمان ليس عُكازًا للنجاة بل طريقةٌ لمواجهة العدم.
أما أولئك الذين ارتكبوا الجرائم، فلا أسماء لهم. العتوم يرفض أن يمنح الوحوش هويةً بشرية، لأنهم لم يعودوا ينتمون إلى هذا النوع. وهنا تكمن عبقريه: إذ لا يُشيطن الفرد، بل ينزع الإنسانية عن الجريمة نفسها.
لعلّ أبرز ما يميّز الرواية هو قدرتها على الوصف الذي يجعل الألم مرئيًا دون أن يفقده كرامته. حين يصف الكاتب حرق المكتبة، لا يكتفي بالمشهد الخارجي، بل يجعلنا نرى الكتب وهي «تصيح بصمتٍ» كأنها أرواح شهداء. وعندما تمرّ الدبابات على الجثث، نسمع «طقطقة العظام تحت عجلاتها الثقيلة»، ومع ذلك تظل اللغة في مستوىٍ من السموّ يمنعها من الابتذال. العتوم لا يسعى إلى إثارة الغثيان، بل إلى تطهير النفس عبر الإدراك؛ فالوصف هنا ليس لتأثيث المشهد، بل لإعادة خلق الوعي.
الوجع على لسان ف فتى واحد:: يحمل الفتى حارث ذاكرة جيله، فيروي كيف انهارت مدنٌ بأكملها، وكيف كانت الطفولة تُدفن دون شاهد.لكن رغم قسوة المشاهد، لا يسقط العتوم في فخّ استدرار العطف، بل يحافظ على كرامة الحزن. يُظهر الوجع لا ليستدرّ دمعة، بل ليزرع سؤالًا في الضمير الإنساني. الكاتب يوجّه روايته إلى العالم بأسره، لا إلى شعبٍ واحد، لأن المذبحة التي يصفها هي مجزرة الإنسان ضد نفسه، تتكرّر في كل أرضٍ نُزعت منها الرحمة..
في هذه الرواية، يواصل أيمن العتوم مشروعه الأدبي القائم على استنطاق الألم الإنساني، كما فعل في رواياته السابقة عن الحرب مثل خاوية التي تحدثت عن الحرب السورية والرعب عن حرب غزة وذائقة الموت والمخطوطات الثلاث . حين تصمت الكلمات وتتكلم العيون ولا يمكنك أن تتابع يومك كأن شيئًا لم يكن. تشعر بأن اللغة خرجت من الكتاب لتسكنك، وأن الدم الذي سُفك صار في عينيك. لكنك تعيشه في إبادة جديدة في غزة
من ضرورات الوقت هو توثيق الاحداث المؤلمة وماجرى للمسلمين من اذى وتنكيل حتى ولو كان التوثيق من خلال رواية وسردها للناس! ماجرى من احداث في البوسنة يخفى على كثير من المسلمين.. الفضائع المروعة التي جرت كما صورها الكتاب مؤلمة وصعب على الانسان تخيلها فكيف بمن شاهدها وعاشها !!
الرواية جائت كصفعة او نذير لتوعية الناس بإن كل حدث يمر ونعيشه قد عاشه مسلمون قبلنا والعدو واحد وان اختلفت المسميات والرايات والحليم من اتعض بغيره واعدّ العدة لعدوه..
الوحوش الذين حولوا سراييفو الى خراب وذبحوا اهلها وشنوا اعتى واقسى هجماتهم، نجدهم اليوم يقودون آلة التدمير والخراب في غزة..
قراءة في رواية ( الوحوش) للاستاذ الاديب أيمن العتوم. كعادته يأخذنا أيمن العتوم في رحلة جديدة عبر التاريخ و الجغرافية. ( البوسنة) هي الوِجهة، و الفترة بين ( 1992 - 1996 ) هي زمنها. و الحدث : حرب التطهير العرقي في البوسنة. نمضي مع ( حارث) الطفل البوسني الذي يجد نفسه وجها لوجه أمام تداعيات تلك الحرب القاسية المدمرة. فجاة يجد حارث نفسَه مكشوفا دون سند او غطاء او معين، فالحرب وصلت إلى قريته ( فوتشا) و أسرته دُمِّرت و تمزقت بين قتيل و مفقود و أسير، و الفظاعات التي رآها في قريته ستترك أثرا سيئا صاعقا في نفسه لن تمحوه السنين . يقع حارث في أسر الميليشيات الصربية، و يتنقّل بين معسكرات الاعتقال الدامية، ويلاقي الكثير ممن يأخذ عنهم حكايات القهر و المرارة و المعاناة و الألم. كل القصص حزينة ، تتشابه في الفجيعة و تختلف في التفاصيل . و البوسنة.. تلك البلاد الوادعة المسالمة تغزوها ( الوحوش) الشيطانية لتصيب ( ثأرا) كما زعمت عمره مئات السنين. كل شيء في البوسنة سيعاني القتل و التدمير و العذاب ... حتى المكتبات و ذخائرها لن تنجو من محاولة الإعدام و طمس الهوية. في رواية ( الوحوش) سنجد وجبة ( لا نستغربها من أيمن العتوم) حافلة باللغة السامية البليغة الرصينة. لكنها للأسف ستكون وجبةً مرّة، مؤلمة، و لا ذنبَ ( لأيمن) في ذلك، فالوقائع التي تتحدث عنها الرواية تفتّح جروحاً تسيل بالدماء التي لم تكد تجف بعد، و كثير من ابطال تلك الرواية مازالوا مجهولي المصير، لم يُعرَف لهم قبرٌ او يُدرَكُ لهم مآل. حرب البوسنة ( كغيرها من حروب التطهير العرقي) تركت على جبين البشرية ندوبا و سحجات و بثورا لا يمحوها الزمن، و تركت في الوجدان الإنساني آلاف الأسئلة بلا أجوبة. و لعل معظمنا يستذكر - حين يعاين مثلَ هذه الحروب و آثارها - سؤالَ الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسدُ فيها و يسفكُ الدماء...؟ ) ، لنستحضرَ مذعنين مسلِّمين بالقضاء و القدر الإلهي - و إن جهلنا حكمته - الجوابَ الإلهي : ( .. إنّي أعلم ما لا تعلمون..) . شكرا للأستاذ أيمن على هذه التذكرة التي لا بد منها. لقد أرّختَ ( يا أيمن) للوجع قبل أن ينسى، لأننا يجب أن نعيَ دائما : ( إن المجازر التي تُنسى تُكرّر ) ، فاحذر أيها المُبتلى المصاب أن تنسى ظالميك.
5️⃣0️⃣1️⃣ الكتاب : #الوحوش المؤلف : #أيمن_العتوم عدد الصفحات : ٤٣٧ الطبعة الأولى ٢٠٢٥ الناشر: #الإبداع_الفكري . ” كانت البلاد كلها في حالة ذبحٍ وهربٍ من الذبح، وما بينهما كانت الفوضى سيدة هذه البلاد الجميلة“ اقتباس من صفحة ٣٧٩. رواية أقل ما يقال عنها أنها رائعة، وهذا متوقع كونها للكاتب الأردني المبدع الدكتور #أيمن_العتوم لغتها ساحرة وعالية، احداثها صادمة متعبة. هذه الرواية تتحدث عما حصل للمسلمين في حرب البوسنة والهرسك خلال الفترة من (١٩٩٢ وحتى ١٩٩٥). فما حصل لهم لا يصدقه عقل، لقد فُعلت بهم الأعاجيب، وتفنن وحوش (الصرب) بقتلهم وتعذيبهم واغتصابهم وتمزيقهم إلى أشلاء. كانوا يدخلون الى المدن ويقومون بإبادتها عن بكرة أبيها، فيقتلون من الرجال الكثير ويجمعونهم في شاحنات ويُرَّحلونهم إلى معسكرات التعذيب، بينما النساء يتم نقلهم إلى معسكرات الإغتصاب. فيتناوب عليهم الوحوش واحداً تلو الآخر، وقد تغتصب الفتاة التي لم تبلغ من العمر عشر سنوات مئات المرات، حتى يتمزق جسدها وتقتل روحها إلى الأبد. ولكن لماذا قامت تلك الحرب من الأساس؟ ألم يكن هناك ما يكفي ليعيش الجميع بسلام؟ بلى …ولكنها كانت حربٌ على كل ما هو مسلم. مجنونٌ هو من يصدق كذبة السلام، السلام بلا قوة هو استسلام، هو قبول بالذبح، هو انتظارٌ للموت على يد جلادٍ لا يرحم. لقد كانت لحظات قرائتي لهذه الرواية لحظات مؤلمة، سحرتني بقصتها وجمال أسلوبها، وكلما تقدمت الأحداث وددت لو أنها تستمرُ إلى الأبد، فلا تنتهي. هذا هو حالي دائماً عندما اقرأ للكاتب الكبير أيمن العتوم. انصح الجميع بهذه الرواية التي شعرت معها أنني لم أكن أعرف الكثير عما حدث في تلك البقعة من العالم، لم أكن أعلم أي وحشٌ هو الإنسان عندما يتجبر. لم أكن أعلم أن السلام الذي تتنطع به الأمم لا يساوي حبراً على ورق عندما يتعلق بالمسلمين. لم أكن أعلم أن تسليم السلاح مقابل الأمن ما هي إلا كذبة عالمية لتصفية الشعوب. لقد تعلمت من هذه الرواية الكثير. وتوقفت معها وقفاتٍ صادمة راجعت معها بعض المفاهيم التي يكيلها العالم بمكيال المصالح، وتصبح حياة الإنسان بلا قيمة. . #باسم_الوحوش #باسم_أيمن_العتوم #الكتاب_رقم٤٤_لسنة_٢٠٢٥
رواية «الوحوش» للكاتب الأردني أيمن العتوم هي شهادة سردية قاسية على انكسار الإنسان حين تُسلب منه إنسانيته تحت وطأة الحرب، إذ يأخذنا العتوم إلى فضاء الألم في حرب البوسنة، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل باعتبارها امتحانًا أخلاقيًا للضمير البشري. في هذه الرواية، تتهاوى البيوت كما تتهاوى القيم، وتتحول الحياة اليومية البسيطة إلى ساحة رعبٍ مفتوح، حيث يُجبر الإنسان على مواجهة وحوشٍ لا تسكن الغابات، بل تولد من الخوف والكراهية والصمت.
يرصد العتوم مصائر بشرٍ عاديين سحقهم العنف، فغدت الذاكرة لديهم مثقلة بالخراب، والطفولة جثةً مؤجلة، والأمومة صلاةً يائسة في قلب الجحيم. لا يكتفي النص بوصف الفظائع، بل ينفذ إلى ما هو أعمق: إلى اللحظة التي يفقد فيها الإنسان صورته الأولى، ويغدو قادرًا على القتل أو التواطؤ أو النجاة مقابل إنسانيته.
ولا يقدّم العتوم «الوحوش» بوصفهم أفرادًا محددين بأسماء ووجوه فقط، بل بوصفهم حالةً تتفشى حين يغيب القانون، ويُخنق الضمير، ويصبح القتل فعلًا يوميًا يمكن التعايش معه. الوحش الحقيقي في الرواية ليس ذاك الذي يحمل السلاح فحسب، بل ذلك الذي يبرّر، أو يصمت، أو يعتاد المشهد حتى يفقد قدرته على الرفض. من هنا تتحول الرواية إلى إدانة مزدوجة: إدانة للعنف المباشر، وإدانة للعالم الذي يراقب من بعيد، ويترك الضحايا وحيدين في مواجهة مصائرهم.
بأسلوب لغوي مشحون بالشعر والألم، تتحول الرواية إلى صرخة ضد الاعتياد على الدم، وضد عالمٍ يسمح للوحشية أن تُمارَس باسم الهوية أو القوة أو النجاة. «الوحوش» ليست حكاية عن قتلة وضحايا فحسب، بل عن هشاشة الإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدوده، وعن السؤال المرعب الذي تتركه مفتوحًا: متى يصبح الإنسان وحشًا، ومتى يكون الصمت أكثر وحشيةً من الفعل ذاته ؟
إنّها ليستْ مجرّدُ روايــةٍ، بل هي كنزٌ من الحِكَم. في البدايــةِ، دخلتُ بابَ الروايــةِ، فإذا أحرفُ كلماتِها تُحيطُ بعُنقي، تكاد تخنقني، فأخذتُ أستنشقُ بكلّ ما آتاني اللهُ من قوّةٍ، فما وجدتُ إلّا دخانًا وغبارًا ينبعثُ من فلسطينَ.
أدرتُ رأسي وتحولتُ بقلبي إلى البوسنــةِ، ولكنّها أَبَتْ إلّا أن تُذكّرني بجراحِ أمّتِنا في كلّ وقتٍ وحينٍ.
قال لنا إنّ اسمَ البطلِ "حارث"، ويا له من بطلٍ! حرثَ في قلوبِنا ما لا يُتوقَّع، وأدهشني أن يقولَ في نهايــةِ روايــتِه إنّه أصبحَ وحيدًا بلا ظلّ، وهو الذي أنارَ بشخصيّتِه فقراتِ الروايــةِ، فجعلَ لكلّ فقرةٍ ظلًّا.
جاءَ حارثٌ ليقولَ: "اهتمّوا بعقيدة أبنائكم، فإنّما هو قادمٌ مخيف." جاءَ ليقولَ: "إنّ العدوَّ لا ينسى." جاءَ ليقولَ: "يا حسرةً على من نسيَ ربَّه، فلا يعرفُه إلّا بالاسم، في وقتٍ هو بأمسِّ الحاجةِ إليه." جاءَ ليقولَ: "إنّ أكبرَ الخيانةِ أن لا ترويَ ما شاهدتَه." جاءَ ليقولَ: "إنّ بعدَ العُسرِ يُسرًا، فلا تيأسْ."
والكثيرُ الكثيرُ من العباراتِ
ذبحتني... عباراتُ الكاتبِ ولعلّ من أجملِ وأرقِّ وأعذبِ ما قرأتُ له، وهو يصفُ حبَّ حارثٍ لأختِه التي غابتْ عنه، لمّا قال: "أيُّها القلبُ الذي بينَ الضلوع، لو كانَ له صورةٌ لكانَك!"
الروايــةُ مليئــةٌ بالعِبَر، فهنيئًا لمن اعتبر.
وختامًا، إنّ شدّةَ ما في الروايــةِ من أحداثٍ لا تجعلُ القارئَ يتحمل أن تقرأَها بناتُ المسلمين، بما فيها من فظائعَ وملمّاتٍ تعصفُ بالأنفُسِ والأعراضِ، وتنطقُ بحقيقةِ ما حدث. فأيُّ قلبٍ يتحمّل؟ وأيُّ حياءٍ يحتمل؟ وأيُّ نساءٍ يتحمّلنَ ذلك؟
🔻 في رواية الوحوش ستجد نفسك شاهداً على تاريخ كُتب بالدّماء لا بالحبر، فهي تضع بين أيدينا صورة للوحوش البشرية، وتأخذنا إلى حِقبة قريبة شَهِد فيها مسلموّ البوسنة والهرسك أفظع جريمة إبادة على يد الصّرب والكروات (1992–1995). من خلال قصة الفتى (حارث)، نعيش مأساة الحرب منذُ يومها الأول حتى نهايتها، يُعاني حارث الكثير وقد ببدو كمعجزة في نجاته رغم كل ما مرّ به في أصناف التعذيب والتنقل بين المعسكرات، ويلتقي بالكثير من الشخصيات التي تروي قصة آلامها له. في سردٍ أدبيّ عميق يكشف الحقيقة ويعرّي الزّيف الذي يغلّف به الغرب وجهه أمام مآسينا.
🔻 الأسلوب الشعريّ للكاتب، وقوة لغته وبلاغته، جعلا النص آسرًا ومؤثرًا حتى آخر صفحة. والوصف العميق المليء بالتفاصيل الدقيقة لأنواع التعذيب والإبادة التي مرّ بها المسلمين قد جعلتْ القراءة قاسية بعض الشيء، لكنّها لا تُعفي من ضرورة المعرفة.
🔻 حتماً أنصح بقراءتها لمن يبحث عن الأدب الذي يكشف الحقيقة التاريخيّة لما مرّ به المسلمين في البوسنة.