الطغاة والغزاة وجهان لعملة واحدة، كلٌّ منهما يستدعي الآخر ويكون سببًا في وجوده. ومن أراد أن يحمي نفسه وبلاده من العدو الغازي، فلن يجد حصنًا أمتن بعد الله من شعبه وأهله، فهم نقطة البداية والنهاية. فالحروب تزول، والممالك تزول، ولكن سلطان القلوب هو الباقي، لا يقدر أحد على صنعه ولا على زواله. إنه مقام لا تبلغه الجيوش، ولا تنتهكه الأسلحة. فليشهد الناس ما شاؤوا، فأين تذهب القلوب الخاوية الموحشة، أمام القلب العامر بالحب والوفاء؟
هل هذا هو أمانكم؟ هل هذا هو أمان المرابطين الصادقين، الأطهار، الذين ورثوا دعوة الأنبياء ومنهج السلف الصالح؟ أم أن سنن الأمم السابقة تتكرر فيكم كما تكررت في غيركم؟ بدايتها دعوة، ونهايتها مُلك وسلطان وغنائم. هكذا هي طباع البشر؛ ينسون البدايات والأسباب، ويتذكرون فقط النتائج والنهايات. كم من عزيزٍ ذُلّ، وما ذلّ إلا حين أساء، وكان ذلُّه ثمرة عمله وعمل من تبعه، فأوردوا الأمة موارد الذل والهوان.
تلك عادة الناس ينسون الأسباب والمقدمات ويذكرون العواقب والخواتيم. عزيز قوم ذل! وما ذل حتى أذل! وذله ذل رجل واحد لقي عقابه، وكان عمله وعمل أصحابه قد ذل أمه ...
أكاديمي وشاعر وكاتب درامي، تفوق بأعماله الدرامية التاريخية التي انفرد بجعلها نوعاً أدبياً مصوراً. من أهمها: صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، عمر بن الخطاب، التغريبية الفلسطينية. حصل على جائزة أفضل كاتب دراما في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، لأربع سنوات متتالية، عن أعماله: صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة، التغريبة الفلسطينية.
خريف أشبيلية (الطوائف)، هذا العمل الذي عرض من خلال مسلسل تلفزيوني في العام ٢٠٠٥ تحت عنوان (ملوك الطوائف)، يصدر اليوم كعمل روائي بين دفتي كتاب، ليثري المكتبة الروائية العربية، شأنه في ذلك شأن بقية أعمال د. وليد سيف. وإني لأجد انه من غير المنصف، أو أنه من المجحف أن يخوض قارئ مثلي بالحديث عن لغة د. وليد سيف وحرفته في كتابة الرواية، أو في كتابة العمل التلفزيوني. وهو من هو، يشهد له القاصي والداني بالنقلة النوعية في كتابته للعمل الأدبي التاريخي. سواء في اختيار الموضوعات، أو في اسلوبه الأدبي، أو في اللغة البديعة التي يكتب بها. ولكني ربما استفيض قليلا في الحديث عن موضوع الرواية، سواء كان عنوانها (خريف إشبيلية) أو (ملوك الطوائف)، فهي تتناول مرحلة مهمة في تاريخ الوجود الإسلامي في الأندلس. مرحلة مهدت لزوال الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية. فحين انفرط عقد الدولة الأموية الواحدة في الأندلس، وصارت كل حاضرة فيها دولة قائمة بذاتها، تحكمها أسرة توارثت الحكم بين ابنائها، حتى آلت إلى ما آلت إليه من ضعف، وتواطئ مع العدو القشتالي. فكان أن ضجت العامة واستعانت عليهم بالمرابطين القادمين من المغرب، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذه رواية لا تعيدك إلى الماضي فقط، هذه رواية تنظر من خلالها إلى ما بحدث في أمتنا اليوم، هذا عصر اشبه بذاك العصر، أمة تقسمت حتى استقوى بعضها على بعضها، وتحالف بعضها مع العدو على بعضها، وتُرك بعضها لقمة سائغة للعدو دون أن يحرك بقيتها ساكنا. وقد قيل أن التاريخ يعيد نفسه، وانه لا يعيد نفسه إلا بقدر ما تتشابه نوازع البشر، وضعف نفوسهم، واغترارهم بقوتهم احيانا، واستكانتهم احيانا أخرى.
لا اختلاف على بلاغة قلم الدكتور وليد والحكمة المتخفية في سرده.. إلا أني لم أتفاعل معها كما حدث مع سابقتها باستثناء ربعها الأخير مع وقوع المحنة بالمعتمد.. الذي أشفقت عليه وتعاطفت معه (ارحموا عزيز قوم ذل)
قلم الدكتور وليد سيف الرائع خط رواية تأخذك إلى ذلك الزمن البعيد في مماليك الأندلس حين كانت طوائف و ممالك تتنازع فيما بينها لا يردعهم دين و لا ذمة … سلطان المال و الجاه و حب الدنيا أخذ بيد كل سلطان من سلاطين الممالك ، تصارع ملوك الطوائف ونسوا العدوّ الحقيقي المتربص بهم في شمال الأندلس و كأن خريف البلاد قد حل و بدأت الممالك بالسقوط واحده تلو الأخرى و تتغير الاحوال ويذل العزيز و يرفع الوضيع . عرفنا الدكتور وليد بين سطور الروايه قصة حب خلدها التاريخ بين الوزير ابن زيدون وزير قرطبه ثم بعدها إشبيلية وبين ولادة الأموية وقصة حب توجت بالبعد و أشعار عظيمة ظلت خالده إلى اليوم في نصب تذكاري موجود في قرطبة . دخلنا قصر المعتضد بن عباد و شهدنا على ظلمه للكثير و نهايته المؤسفة . وعشنا مع المعتمد بن عباد منذ صغره مرورا بحبه ل اعتماد الرميكة و زواجه بها و حكمه و سلطانه و وزيره ابن عمار اللذي صاحبه بالسراء و الضراء و انقلابه عليه و نهايه ابن عمار على يد المعتمد ….: حرب الزلاقة و نصر المسلمين بالأندلس بمساعدة خليفه المرابطين يوسف بن تاشفين على الملك القشتالي و الحفاظ على مماليك الأندلس لفتره اطول … ولكن تنقضي الحروب و تذهب الممالك ويبقى سلطان القلوب … تنتهي الروايه بنفي المعتمد بن عباد إلى المغرب مع زوجته وابنتيه حيث ظل في المنفى إلى ان مات . رواية رائعه بلغتها و حبكتها و شعرها تمنيت لو كانت أطول لأعيش معها أكثر .
أحب التاريخ حين يُكتب بقلم عبقري مثل قلم الكاتب وليد سيف .. رواية رائعة جداً ، ولو أني لا أتقن كتابة المراجعات و أخشى أن أبخس هذه الرواية حقها ، لما بخلت .. شكراً على هذا الجمال