كل من دخل هذه «الحلقة» ولم يَحيى بالعشق فاذهبْ وصلّ عليه (صلاة الميت) بفتوى منّي وإن لم يمت. «إذا كان الهدف هو الطيران فالقفص الخراب أحسن، وإذا كان غاية الطير هي الطيران فلن يخشى خراب عشّه.. وإذا لم يكن هناك سلّم من هذه الارض إلى السماء، فلن تنمو سوى الديدان السمينة». إذا كان لابدّ أن نعرج الى مثوانا الأبدي أَلا يجب علينا أن نفكّر في إعمار آخرتنا؟ أليست هذه الديار زائلة وتلك الباقية إلى الأبد ونحن سائرون إليها؟ إذن فلماذا نمضي عمرنا في غفلة؟! لماذا سيطرَ الشيطان على حياتنا؟ لماذا لا نستفيد من أوقاتنا؟ لماذا لا تؤثّر صلاتنا وعباداتنا على إيماننا؟ نحاول أن نقدّم إطلالة على أحد أخيار هذه الأمة، ممّن كان معنا وبيننا، يعيش كما نعيش.. ولكن عيشة بسيطة وطاهرة لم يلوّثها دنس. كان شخصاً هادفاً طوال حياته، غير مستسلم لرتابة الأيام.. يرى الحياة من زاوية أخرى.. استفاد من كل لحظاتها على أفضل وجه... لقد كان عبداً بكلّ ما للكلمة من معنى، لم تغرّه الدنيا ولم تفتنه بجمالها الظاهري.. لقد استطاع أن يحوّل كل إمكانيّاته الماديّة التي كانت تحت اختياره إلى جسر يعبر عليه نحو الكمال، ليصل إلى الهدف المنشود من الخِلقة.. إلى المعبود.
هذا كتابٌ ثقيل رغم عدد صفحاته القليل وفصوله القصيرة، يجيد القبض على أنفاس القارئ وتوجيهه إلى إعادة حساباته مع نفسه، فيتفكَّر قبل أن يصفحَ الصفحة ويكمل الكتاب، ليستوعبَ إن كان يعي ما يقرؤه أو لا..
كم هو واردٌ أن تقرأ اليوم عن من استشهد في سنِّ الفتوةِ أو في أوج الشباب، ولكن ما أصعب أن تقرأ كعشرينيّ، أن شابًّا في التاسعة عشر من عمره، ارتقى للقاء من كان يراه في كل حركاته وسكناته، وأنَّ شابًّا عاش السنَّ الذي عشت، ومرَّ بالمراحل العمريةِ التي مررتَ بها، يُكشف له الغطاء فيحيط علمًا بما لم يكن وما كان بعيدًا عن أنظاره، أنَّ شابًّا مستبصرًا، عارفًا، مخلصًا، قادته تقواه إلى التشرف بلقاء إمام زمانه، لا مرةً واحدة فحسب.. بل أكثر!
غبطت الشهيد مع كل صفحة ألف مرة، وتأسفت على نفسي أضعافها.. أين عملُنا من أعمال هؤلاء؟ وأين منزلتنا من منزلتهم؟ أين كنا في سن الرابعة عشر وأين كانوا؟ كيف خططوا لحيواتهم وكيف خططنا -إن كنا قد خططنا أصلًا-؟
كان أكثرَ ما يوصي به الشهيد إخلاصُ العمل ومحاسبةُ النفس، وآمن أنَّ هاتين الخصلتين ترقيان بالمؤمن إلى مراتبَ عليا، وكانت حياتُه إثباتًا لما آمن به.
لم يفارقني بيتُ الشيخ حسن الدمستاني (رحمه الله) طوال قراءتي للكتاب: "ما عذرُ مَن بلغَ العشرين إن هجعَت عيناهُ أو عاقَهُ عن طاعةٍ كسلُ" فما عذري إن أفنى الشبابُ أعمارهم في طاعة ربِّهم وتخلفت؟ "فمن يكونُ أسوأ حالٍ مني إن أنا نُقلتُ على مثل حالي إلى قبرٍ لم أمهده لرقدتي؟"
هذا كتابٌ يجعلك تغصّ بحياتِك، فهنيئًا للشهيد الذي كان نورًا وسراجًا للآخرين في وجودِه وغيابه، ووفقنا الله لِأن نكون من المهتدين بنورهم والملتحقين بهم..
كتابٌ ثَقيلٌ في أَثَرِهِ، عَميقٌ في تَأثيرِه. يَجعَلُنا نَقِف أَمامَ كُلِّ كَلِمَةٍ، لِنُفَكِّرَ في أَنفُسِنا، وَنُعيدَ حِساباتِنا قَبلَ أن نَطوي الصَّفحة التي تليها.
شابٌّ في رَيَعانِ شَبابِهِ، في التاسِعَةِ عَشَرَ من العُمُر، أَدْرَكَ ما لَم يُدركه الكَثيرونَ طوالَ حَياتِهِم، وما لَمْ ندركهُ نَحنُ الآن ونحنُ نَمشي في العِشرين!
شابٌّ عاشَ السن الذي عشناه جميعنا، سَنَةً تَلُو سَنَة، وعامًا يليه عام؛ ما الَّذي حَصَدَهُ هو وما الَّذي حَصَدْناهُ نَحنُ؟
أَدْرَكَ الكَثيرَ بِعُمُرٍ قَصيرٍ، ونَحنُ يَطُولُ بِنَا العُمرُ ويَطُول، ولا ندرك سِوَى القليلِ، الَّذي قد تزيحه أهواءُ نفسٍ ماجنة.
يتحدث عن أحد شهداء الحرب الأيرانية وكيف انه اعتنى بنفسه وهذبها وكان مثالا للأخلاق والأدب والعمل الاسلامي الصحيح ومحب وخادم لأهل البيت وممن يقومون بأداء الصلاة في أوقاتها في كل الظروف . يعمل بلا كلل ولا ملل ويدرس ويُدرس ايضا. حياة رغم قصرها لكنها مملوءة بالعمل والكد .
كُلَّما شرعت بالكتابة عن الروح المُحلقة بين صفحات هذا الكتاب انفضت عني الكلمات، إذ لا يمكن لها أن تصف ما عجزت عن توصيفه الأفهام.. هو شابٌ لم يبلغ العشرين، بل تجاوز سنيَّ العمر كلها صعودًا نحو المعشوق الأوحد، فتكشَّفَت له حُجُب الغَيْب مُنفَرِجَةً عمَّا عميت عنه أعين العباد جميعًا إلا من أخلص واتقى من أمثال هذا الشهيد، فكان المصداق الذي أفهمني بعض مناجاة السجاد (ع) "وأن الراحل إليكَ قريبُ المسافة، وأنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك"..
تُرافقك روح الشهيد في كل كلمة تقرؤها، تُلقي عليك بثقل الحقائق المُغَيَّبَة، بثقل الحياة الحقيقية، كالمرآةِ تعكسُ صورَةَ روحك الهشة، أيامك وأعمالك وماضيك وحاضرك ومستقبلك، فتقف متأمِّلًا متسائلًا بعد أن أُلقِيَت عليك الحجة: هل إنك حقًا تسير في مسار الكمال الذي أراده الله لك، أم أنك خاضعٌ لحياةٍ تُحركها أهواؤك في أنظمة خداعة تستهلكك؟
وبعد أن يهز كيانك ويدعوك لمراجعة نفسك، يبعث فيك هذا الكتاب أمَلًا بالوصول، يُرَبِّتُ الشهيد على كتفك، يمنحك مفتاح الأسرار ويقول: "حاول بكل جهدك أن لا ترتكب ذنبًا وراقب أعمالك ما استطعت، فسترى حينئذٍ كُلَّ الزمان والمكان في خدمتك وتحت أمرك"
تقولُ مولاتي الزهراء (عليها السلام) "من أصعدَ إلى الله خالص عبادته أهبط الله عزَّ وجل إليه أفضل مصلحته" هذا ما سار عليه الشهيد العارف أحمد علي نيّري 💫🕊️🍃