لقد آن الأوان ليفكّر الباحثون والجامعيون في استراتيجية خطاب جديدة حول الإسلام السياسي تتخلّى عن التعقيدات الأكاديمية، ولكن دون الإخلال بالمعرفة والسقوط في الإسفاف والتبسيط المخلّ، في الآن نفسه، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وتكشف لهم، بخطاب سهل ومباشر وعلمي أيضاً، مخاتلات الإسلام السياسي عبر تفكيك مفاهيمه وقواعده النظرية والمعرفية. وإنّ هذا التصور، في تقديرنا، هو من أصعب ما يمكن للباحث الإقدام عليه، فليس من السهل مطلقاً تبسيط المعرفة، وتفكيك المعقد، وتحريك ما يعدّ ثابتاً في أذهان عامّة الناس وفي عقول غير المتخصصين، ولكن كذلك مواجهة من هم محسوبون على المجموعة العلمية، ولكنهم يخدمون مقولات الإسلام السياسي عبر تغليف ما يكتبون وينشرون ويذيعون بغلاف علمي أكاديمي خدمة لدوائر سياسية غدت معروفة اليوم.
إنّ مثل هذا المشروع لن يخترع إشكاليات جديدة للبحث فيها، بل تكمن طرافته الأساسيّة في طريقة مقاربة الإشكاليات والمفاهيم، والوقوف على الخلفيّات والدوافع الكامنة وراء خطابات تيّارات الإسلام السياسي بمختلف تنويعاتها في مجالات السياسة والدين والمجتمع والثقافة والاقتصاد.
حين أستعمل مصطلح الخداع ، فليس القصد إصدار حكم قيمة أخلاقي على تيار بعينه ؛ إذ يتعلق الأمر بآلیات خداع تشبه أقنعة تمويه الرقابة أثناء الحلم وفق التحليل النفسي .
مثلا ، يرغب الابن في المشاجرة مع والده ، غير أن الوالد لا يأتي في الحلم إلا في صورة ثور على سبيل المثال ، حتى لا تصطدم الرغبة الأصلية بالرقابة الذاتية على الرغبات المكبوتة . مثال آخر ، يرغب المراهق في ممارسة جنس المحارم مع امرأة لا تأتيه في الحلم إلا في صورة باهتة وغير واضحة ، وذلك لكي تأذن لها الرقابة الذاتية على الأحلام بالمرور ، وفي النهاية ، لأجل تفادي صدمة الضمير .
إن ما يحدث في مستوى رغبات الفرد «المحظورة» هو نفسه الذي يحدث في مستوى الرغبات الجماعية للمجتمع أو الحضارة ، حيث بوسع آليات اللاشعور الجمعي التحايل على الرقابة الدينية للذات ، وهي الرقابة التي يسميها الفقهاء الوازع الديني ، فتلجأ آليات اللاشعور الجمعي إلى استعمال أقنعة تخفي الرغبات «المحظورة» وتموه الرقابة الدينية ؛ أي أنها تحتال على الوازع الديني في الأخير .
إن الحاجة اللاشعورية إلى التمويه لهي المعطى الذي تستثمره بعض آليات التسويق التجاري على طريقة «السندويتش الحلال» ، و «المايوه الشرعي» ، و «الطب النبوي» ، و «التدليك وفق الضوابط الشرعية» ... إلخ . وفي كل الأحوال ، تكفي ضمانة «حلال» حتى تغيب كل الأسئلة حول الضمانات الصحية أو البيئية للمنتوج أو الشروط الإنتاج .
إن القابلية للتمويه لهي أيضا المعطى الذي تستعمله آليات الدعاية السياسية على طريقة «الحزب الإسلامي» ، و «الدولة الإسلامية» ، و «الجماعة الإسلامية» ، و «الثورة الإسلامية» ... إلخ ، حيث تغيب أهم الأسئلة حول البرامج والسياسات . . سعيد ناشيد #الذرائع_في_خطاب_الإسلام_السياسي