طالبني بعض الأهل والأصدقاء والمقربين بتوثيق قصة حياتي، وكلما مرَّ الوقت ازداد الإلحاح، ومعه ازدادت حيرتي! وأمام هذه الحيرة تدفقت على الخاطر جملة من الأسئلة، أولها هو: هل سأكتب بنفسي؟ وبالفعل اتخذت قراري بعد تفكيرٍ عميق: نعم، سأكتب بنفسي. تلاه سؤال ثانٍ أصعب: هل أستطيع أن أسرد كل شيءٍ؟
لا يهم.. المهم أنني سأكتب.. هذا كان القرار.
لذلك لن تجد في هذه المذكرات شخصًا مثاليًّا. فقد كانت لي أخطاء وحماقات، كما كانت لي أفعال أفخر بها. غامرت حتى الثمالة، ودفعت ثمن مغامراتي كاملًا. مررت بنجاحات وإخفاقات. تحمَّلت اختبارات قاسية. حصلتُ على الكثير من المنح، كما تعرضت للكثير من المِحَن.
في رحلتي تعرَّفت على بشر من كل نوع. بعضهم فرحت بدخوله إلى حياتي، وآخرون فرحت بخروجهم من دائرتي، ومنهم مَن ظل في المساحة الرمادية، فأجده بجواري حينًا، وأبحث عنه ولا أجده أحيانًا أخرى.
قد تكون هذه المرة الأولى التي أتحدث فيها عن نفسي، فأنا لست محترفًا في فن الكلام، لكنني.. وللمرة الأولى - وربما الأخيرة - أجدني بحاجة إلى البوح بما يعرفه بعض المقربين منِّي، وبما لم يعرفه أحد من قبل.
بلا شك، يُعتبر صلاح دياب من أنجح رجال الأعمال في المجال الزراعي و التطوير العقاري و غيرها من المجالات ، ولا شك أن أي شخص يعمل في المجال الزراعي يعرف شركة "بيكو الزراعية" ودور صلاح دياب الكبير في تطوير نظم الزراعة وإدخال الأصناف المطورة إلى الزراعة التقليدية. كان له دور بارز في تحديث هذا القطاع وفتح آفاق جديدة له.
ما أعجبني في ذكريات (اعتبرها ذكريات متناثرة و ليست مذكرات) صلاح دياب هو أنه لم يعتمد على إرث عائلته الأرستقراطي، بل سعى ببذل جهد شخصي لبناء إرثه الخاص. وهذه روح استثنائية تميز النماذج الناجحة في هذا الجيل. كما أنني أُعجب بشدة بعلاقاته الأسرية والإنسانية، واهتمامه الكبير بأهل قريته والعاملين معه و سلوكه في تربيته لابناءه . هذه الجوانب الإنسانية تجعل من شخصيته نموذجاً يحترم في هذا الجانب
لكن، للأسف، الكتاب لم يقدم التفاصيل التي كنت أتوقعها. هناك العديد من اللحظات المفصلية في حياة صلاح دياب، مثل الخلافات مع الوزراء أو الشخصيات البارزة في نظام مبارك و بعده لكن الكتاب يكتفي فقط بإشارات عامة أو لمحات عابرة عن هذه الأحداث. على سبيل المثال، لم يتناول الكتاب سبب الخلافات أو كيف تم تجاوزها، وكذلك لم يتعمق في الحديث عن تجربته في السجن، بل اكتفى بشكر الرئيس وحكمة سيادة الرئيس و قلبه الحاني و بصيرته !
كما أن الكتاب يفتقر إلى الانطباعات العميقة عن تجاربه الشخصية والمهنية، وهو ما كنت أترقب أن أراه. كمثال هو أخذ في أكثر من موضع يدفع عن نفسه تهمة التطبيع و التعاون مع اسرائيل في المجال الزراعي لكن لم يذكر لمرة واحده رأيه في هذا الأمر و كيف يراه و كانت هناك إشارات موجزة عن مشاريعه المتنوعة، لكن لم يكن هناك تحليل أو شرح وافي لما مر به أو كيفية إدارته لهذه المشاريع.
الاستثناء الوحيد كان الحديث عن "المصري اليوم" و"لابوار"، حيث تم تخصيص فصل كامل لهما. بالنسبة لي، كانت توقعاتي أكبر من ذلك بالنسبة لهذا الكتاب، إذ كنت آمل في قراءة تفاصيل دقيقة وتحليل أعمق لتجربة صلاح دياب وتوجهاته الشخصية والمهنية
"غادر وبحوزته كم هائل من الأسرار والحكايات الخطيرة، وكم تمنيت أن يكتب مذكراته!"
بتلك الجملة أختتم صلاح دياب، في أحد فصول مذكراته، حديثه المقتضب عن أسامة الباز، المستشار السياسي لمبارك.
والحقيقة أن الاعتقاد ده كان هو السبب الرئيسي لحماسي ورغبتي في قراءة مذكرات أ، صلاح نفسه، بس للأسف خاب ظني.
الكتاب، من وجهة نظري، عبارة عن مقتطفات من ذكريات مقتطعة، أكثر من كونه مذكرات. المذكرات، في رأيي، من أهم أنواع الكتب لأنها من المفترض أنها تُخلد قصة حياة شخص، وتكون هي البوابة الرئيسية لأي قارئ أنه يكتشف حياة الشخص ده بكل تفاصيلها.
لكن مذكرات صلاح دياب افتقدت بشكل كبير جدا لفكرة "التفاصيل" واعتمدت على أسلوب كتابة بيقول في مضمونه "أنا عارف تفاصيل أكثر عن الجزئية ديه بس مش هقولكم!"
أوضح مثال للنقطة ديه ظهر في جزء حكاية تعرضه للسجن والقضايا التي انهالت عليه، واللي المفترض أنها تكون من أهم، إن مكنتش أهم، فصل في المذكرات؛
أ، صلاح بيقول إنه أكثر شيء كان شاغل تفكيره وعايز يعرف إجابته، بعد قضية سجنه الأولى، هو مين الشخص اللي قرر أنه يحرك القضية ديه في الوقت ده. ويقنع الكل بيها
بيحكي أنه بعد ما خرج من السجن، كان ده أكثر سؤاله بيدور على إجابته وأنه قعد مع أكثر من مسؤول كبير في الدولة، بتدخل معتاد من فريد الديب، علشان يوصل للإجابة. وبعدين بيقول إنه أخيرا نجح في الحصول على الإجابة.
بيقول إنه قعد مع مسؤول كبير جدا (لم يذكر اسم كحال الكثير من الأشخاص في جزئيات عديدة في الكتاب) وأن المسؤول ده أخيرا قاله نصا (مين وراء كل ما حدث لك)… بس كده.
ايوه بالظبط كده، أ، صلاح مذكرش الإجابة في الكتاب! واكتفى بأنه يوصف قد ايه شعر براحة لما عرف.. طب وأنا؟ والقارىء ملوش نصيب طيب يعرف!؟ (حتى ولو في إجابات كثير معروفه بالفعل للمتابع يعني) بس ما هي ديه فكرة كتابة المذكرات، أنه دليل للي مش متابع، للي مش في المجال.
وكثير من الأسلوب ده على مدار الكتاب ككل.. يمكن الجزء الوحيد، نوعا ما، اللي حسيته بيحقق فكرة المذكرات، كان الحديث عن لابوار من بداية الفكرة وسببها، وبعده بشوية الحديث عن المصري اليوم، رغم إني كنت طمعان في شوية تفاصيل أكثر.
الكتاب اكتفى بذكر إشارات عامة ولمحات عابرة حتى في أجزاء زي خلافات شخصية مع وزراء وشخصيات مهمة من الأنظمة المختلفة، كانت كلها بتتقال في سياق واسع وعام دون ذكر تفاصيل التفاصيل فيها.. أصل أكيد الخلاف مع حبيب العدلي "علشان كان فاكر إني هدخل في مشروع قناة أون مع نجيب وإني هعمل حزب ليبرالي" منتهاش بمجرد ما أنك قولتله لا والله الكلام مش صح!
للأسف.. فرصة جديدة مهدرة.
This entire review has been hidden because of spoilers.