عن منشورات "الراصد الوطني للنشر والقراءة"، صدرت للكاتب المغربي عبد الجليل ولد حموية، مجموعة قصصية بعنوان: "صرخة القيامة"، تقع المجموعة في 92 صفحة من الحجم المتوسط، وتضم 11 قصة قصيرة، هي على التوالي: "سقوط مدو لعنكبوت"، "العبث المقدس"، "ظل ثعبان"، "ضربة نحس"، "العبوة"، "انتقام كريولة"، "خيوط العنكبوت" "المغربي الأخير"، "حشيش الموت"، "فان كوخ"، "مطاردة". تتصدر غلاف المجموعة لوحة تشكيلية للفنانة المغربية دعاء آل الشيخ العلوي. وهي المجموعة الفائزة بالرتبة الأولى لجائزة "رونق" في القصة لسنة 2020. وقصص "صرخة القيامة" تعد -حسب الباحث عز الدين المعتصم- دفقات من المشاعر الجيّاشة، يبث عبرها القاص ولد حموية ما يُعْتَمل في وجدانه من ألم وقلق وجودي، لتصير الكلمات عبارة عن رسائلَ مشفرة يبعثها إلى المتلقي، فيغدو منبع الإبداع هو الذات المتألمة التي تحوّل ألمها الصامت إلى نطق قصصي متألم؛ إذ يعد الألم، المنطوق به في القصص، طريقا إلى وجدان المتلقي الذي يصير طرفا مشاركا في إنتاج الدلالة. ومن ثمة، فإن الذّات المبدعة هي ذات تعبر عن ذوات أخرى تنظر إلى الإبداع من باب الألم، فتنفعل به لتعيش التجربة عن طريق الإنصات والتصديق. والكاتب عبد الجليل ولد حموية قاص وروائي وباحث من مواليد الخميسات، يسجل حضوره في المشهد الثقافي بنصوصه القصصية ومقالاته المنشورة في العديد من المنابر الإعلامية، ومن خلال مشاركته في مجموعة من الأنشطة الثقافية واللقاءات الأدبية محليا ووطنيا، صدر له في الرواية: "صهيل جسد" سنة 2017، وفي القصة: "صرخة القيامة" سنة 2021.
في مجموعته القصصية "صرخة القيامة"، الحائزة على جائزة رونق المغرب للقصة دورة 2020، يقدم لنا القاص عبد الجليل ولد حموية عالمًا سرديًا غنيًا بالرمزيات العميقة التي تتناول موضوعات الوجود الإنساني، العبث، التمرد، والنقد الاجتماعي اللاذع. عبر اثنتي عشرة قصة قصيرة، يستخدم فيها ولد حموية الحيوانات، الجمادات، وحتى المفاهيم المجردة كأقنعة فنية لاستكشاف تعقيدات النفس البشرية وصراعاتها في مجتمع تسحقه التناقضات. الحيوان كمرآة للإنسان تتخذ القصص من عالم الحيوان مسرحًا رمزيًا لعرض المفارقات الإنسانية. ففي قصة "سقوط مدو لعنكبوت"، نجد مقارنة لاذعة بين وفاء الحيوانات وتفانيها في أداء أدوارها الطبيعية، وبين تقاعس الإنسان ونفاقه. الكلب الذي يقتات على الفضلات لكنه يظل وفيًا، والدجاجة التي تبيض رغم ظروفها، والحمار الذي يتحمل المشقة بصبر، كلها رموز تُعرّي زيف الإنسان الذي يتخذ من الأعذار الواهية ستارًا لتقصيره. هذا الاستخدام للحيوان لا يهدف إلى تمجيده بقدر ما هو جلد للذات الإنسانية التي فقدت براءتها وفطرتها السليمة. ويتكرر هذا الرمز في قصة "خيوط العنكبوت"، حيث يتحول البطل المهمش والمشرد إلى عنكبوت بعد استنشاقه لمادة مخدرة. هذا التحول الكافكاوي يرمز إلى حالة المسخ التي يعيشها الإنسان عندما يُسحق تحت وطأة الإقصاء والجوع، ليجد نفسه مرفوضًا حتى في الهويات الجديدة التي يتقمصها هربًا من واقعه البائس. العبث والتمرد على القوالب تُعد "صرخة القيامة" صرخة ضد العبث والمنطق الزائف الذي يحكم الحياة. ففي قصة "العبث المقدس"، يخرج البطل ليلًا مسلحًا بأدوات رمزية — فأس عاجي ومنجل صدئ ومطرقة — في محاولة لتكسير رتابة الوجود الصامت. إنه تمرد على الأدوار المرسومة مسبقًا، ورفضٌ للهويات الجاهزة التي لم يخترها. يسعى البطل إلى ممارسة "عبث مقدس"، وهو عبارة عن فوضى خلاقة تعيد تعريف الذات بعيدًا عن القيود العائلية والمجتمعية. أما قصة "ضربة نحس"، فتجسد العبث في أقصى صوره من خلال شخصية "سي التهامي"، الجندي المتقاعد الذي خانته كل الانتماءات. محاولاته المتكررة للانتحار والتي تبوء بالفشل بطرق ساخرة، ثم فوزه بالجائزة الكبرى في القمار وموته في الليلة ذاتها، هي رموز قوية لحياة عبثية لا تخضع لأي منطق سوى منطق السخرية القدرية. يتحول مجلس العزاء نفسه إلى مسرح للضحك الهستيري، مما يكسر قدسية الموت ويؤكد على أن حياة التهامي ومماته كانا مجرد "ضربة نحس".
تحتل الكتابة وقلم الكاتب مكانة مركزية في العديد من القصص، حيث تصبح أداة للخلق والتمرد والبحث عن المعنى. في "سقوط مدو لعنكبوت"، "يتسلل القلم ليلاً" ليغوص في مخيلة السارد ويفضح التناقضات. القلم هنا هو المحرك الذي يدفع نحو التفكير خارج القوالب الجاهزة، حتى لو كان مصير هذا التفكير هو "السقوط المدوّي" والعودة إلى اللاجدوى. وتصل هذه الرمزية إلى ذروتها في قصة "مطاردة"، حيث يعاني الكاتب من "عطل" في آلته لتفريخ العوالم، ويجد نفسه في مواجهة ورقة بيضاء ممتنعة. المطاردة التي يخوضها للحاق بفكرة هاربة هي استعارة لعملية الخلق الأدبي نفسها؛ صراع مرير مع الفراغ من أجل انتزاع المعنى. الورقة البيضاء ليست مجرد جماد، بل هي "أنثى" يغويها الكاتب ويغتصبها بحبره، في علاقة مركبة تعكس شهوة الخلق وألم العقم الإبداعي. أما قصة "العبوة"، فتقدم رؤية ديستوبية لمستقبل ألغي فيه الجنس وأصبحت عملية الإنجاب مجرد شراء "عبوات" من الحيوانات المنوية. هذه العبوة ترمز إلى تسليع أعمق العلاقات الإنسانية وتحويلها إلى عملية ميكانيكية خالية من المشاعر، وهو نقد لاذع للمجتمع الاستهلاكي الذي قد يصل به الجمود العاطفي إلى هذه الدرجة من التجريد. في المجمل، تقدم مجموعة "صرخة القيامة" للقارئ رحلة رمزية في عوالم مركبة، حيث تتشابك السخرية مع الألم، والعبث مع البحث المضني عن المعنى. إنها دعوة، كما يوحي العنوان، إلى إطلاق صرخة في وجه الصمت واللامبالاة، حتى لو كانت هذه الصرخة مجرد حبر على ورق.