أول مرة أذكر أنني متّ فيها كنت في العاشرة. رأيت فتاة تركَتْ طفولتهما للتو، منتوقة العنق فارعة القوام مكتملة المعالم، تمشي في الحارة، يلحقها إخوتها الصغار، وتصرخ فيهم: "أصّْ، بسّكم لعب"، وتختفي وراء شجرة السدر عند الزاوية. في الغد، لم أكن ألعب كما اعتدت، ويسألني أخواي: "وش فيك منفّس؟"، فأرد باحتقار: "لمتى تلعبون؟ بسّكم لعب"، وأراقب الزاوية، وأنا أتحيَّن، وأحاول أن أبدو مثلها وكأنني تركتُ طفولتي للتو، مرزوز الذقن متطاول القوام.
بنت اللذين، قتلتني!
عموماً، معظم الأشياء لا تعيش أكثر من عمر الذبابة. اللحظة تموت بانصرامها، واللذة بانطفائها، والنزوة بتقلص إلحاحها، والأحلام بانكسار مجاديفها، والنفس بتقلب مزاجها.
ينام الإنسان شخصاً، ويستيقظ شخصاً آخر. كل الأمجاد التي بُنيتْ، والخيبات التي استحكمتْ قد تمسحها غمضةُ عين وانعدامُ وجود، لتصحو مجرَّدًا من المجد الذي بَنيت، محررًا من الخيبة التي حَصدْت. يجلس "النعمان السائحُ" ملكاً على شرفة المطلّ على معالم عظمته الحاثَّة إلى الفناء، ليستيقظ هائماً على وجهه وقد خلَّف مُلكه واختفى أثراً بعد عين. ويتزمّل "محمد بن عبدالله" وكيلاً لتجارة زوجته بأغطية فراشه مرعوباً من هول ما رآه مغلولاً بثقل غربته التي أسهرته هائماً على وجهه في الفيافي، ليستيقظ رسولاً.
ينام الإنسان شخصاً، والنوم ميتة صغرى، ويستيقظ شخصاً آخر.
أقلّ من أيام وكتب، وأفضل من طرق ومدن، وربما جزء من انبهاري بأيام وكتب عائدٌ للجِدّة وأنني لم أقرأ لأحمد قبله، ولا شك أيضًا أن العاطفة في أيام وكتب أكثر وأرقّ.
الكتاب منقسم إلى فصل سيرة ذاتية ثم فصل قصة قصيرة وهكذا دواليك، وغالبًا فصل السيرة الذاتية يشرح ظروف كتابة القصة التي تعقبه، أو يدلّ على القصة وما وراء كتابتها أو على الأقل له أي علاقة بالقصة، وطريقة الفصلين هذه كما في أيام وكتب لكن الفرق أن السيرة ها هنا ذاتية وحقيقة.. وللأسف أن القصص القصيرة التي هنا هي نفسها الموجودة في مدونته، فساءني هذا حقيقة؛ لأن الكاتب لم ينبّه إلى هذا، وأرجو ألا يكون مقصودًا ألّا ينبه..
والحقيقة أنني أجد أحمد لا يكاد يقوى على الخروج عن ذات التشبيهات والمجازات والأفكار والثيمات؛ ما بين الطرق ليلًا والمدن وكلمة (ابن الكلب) و(لعنة) ونحوها، والمحافظات شمال الرياض خاصة، وكذلك المرأة التي حجابها مرتخٍ وخصلة من شعرها منسدلة، لدرجة تمنيت أن تمرّ ولو واحدة منقبة أو خصلتها داخل حجابها لتكسر هذا التكرار في الأوصاف :) ولا أدري هل هذا ممدوح للكاتب أن تتخذ كتاباته أشكالًا معينة، وهل يستطيع أصلًا أن يخرج عنها؟ لا أدري.. لكنني أصف :)
عمومًا لا أزال أوصي بشدة بـ (أيام وكتب)، وأنصح من سيقرأ أحمد أن يبدأ به، أما الحافة فدونه، ولا أنصح به ولا أنصح بعدم قراءته وإنما أقف محايدًا وأضعه في خانة (ما لا أوصي به ولم أندم عليه)، وأما طرق ومدن فلا أراه كتابًا يستحق القراءة.
ثم إني -آسِفًا لهذا- كأني بحماستي لأحمد تقلّ كثيرًا، وربما أني ظالم بهذا له لأني كأنني أسجنه في أيام وكتب وأطلب منه تكراره ولو كرره لنقمت عليه، معرفش حقيقة، لكن الحماسة خفتت وقلّت وبردت كثيييرًا :)
لا بأس أن يبدو كل شيء مُبتذلًا في هذه الحياة. كلمة السر ”أنت“. أنت المُتغيّر الوحيد في المعادلة. وأنت فقط سبب استمرار كل شيء بالنسبة لك!
مُراجعتي الكاملة بشكل مُنسّق مع الصوّر على موقع عالم موازٍ على هذا الرابط
عندما بدأت قراءة هذا الكتاب لم أكن أعرف تحديدًا عمّا يحويه بشكل قاطع. كنت أظن أنه رواية أو مجموعة قصصية، بنيت هذا الظن على ما كُتب في الغُلاف الخلفي للكتاب. شدّتني النُبذة وأثارتني صورة الغُلاف الأمامي. ربما كان الغموض هو ما دفعني لقراءته، خاصة وأنا لم أقرأ للكاتب أحمد الحُقيل من قبل. وكما هو الحال مع كل كتاب أو كاتب جديد بالنسبة لي. أبدأ القراءة بين احتمالات الرضى والدهشة وخيبة الأمل.
العشرة بالمئة الأولى من أي كتاب هي مؤشر مهم لي، نادرًا ما يخيب. هي بوصلتي لمعرفة اتجاه دفّة رضاي في بحر الحروف الذي أخوض فيه مع كل رحلة قراءة. ليست سببًا كفايًا لأتوقف عن القراءة بكل تأكيد. لكن هي كافية لي كي أوازن توقعاتي كي لا تصطدم في النهاية بما أقرأ.
لم أتعدّ نسبة الواحد في المئة من الكتاب (ثلاث صفحات على أقصى تقدير) لتنحرف البوصلة إلى علامة الخطر ”انتبه. احتمال اكتشاف نصّ مختلف ومُميّز“. ولأنني لم أعد غرًّا كي أقع في شَرَك البدايات. فقد تركت نفسي لتيار قلم أحمد الحُقيل مُمنيًا النفس أن يأخذني معه إلى أبعد مما أتوقعه. وبعد أن انتهت قصته الأولى كان المؤشر قد ثَبَت بشكل نهائي على علامة التميّز. ومنذ تلك اللحظة تركت عالمي خلفي. وتحررت من مخاوفي. ومضيت مع أحمد الحقيل إلى حافته وأنا أعرف أنني قد تركت نفسي إلى يدٍ أمينة!
الكتاب هو مزيج بين السيرة الذاتية والقصص القصيرة، أو كما وصفها الكتاب ”قصص قصيرة هجينة“. وأنا -للأمانة- لم أفهم المقصود بهذا المزج إلا عند بداية القصة الثانية. يُقسّم أحمد الحقيل الكتاب إلى قسمين متوازيين. قسم يسرد فيه فصولًا عن سيرته الذاتية، وقسم موازٍ بنفس عدد الفصول، لقصص قصيرة متنوعة. كل فصل من السيرة الذاتية يليه قصة قصيرة تُعبّر عنه. لكن المشكلة التي أوقعني فيها هذا الأسلوب هي أنني صرت مثل الثعلب (أو القرد الحكيم حسب الحكاية) في حكاية قطعة الجبن الرمزية القديمة وتقسيمها على كفّتين. كلما أنهيت فصلًا من فصول السيرة الذاتية أجدني مدفوعًا لبدء القصة التي تناقش ما فيه. وقُبيل انتهاء القصة تنازعني نفسي إلى الانتهاء سريعًا منها كي أقرأ الفصل التالي من السيرة الذاتية. وهكذا في تعاقب طمّاع بين هذا وذاك انتهى الكتاب مني على حين غفلة!
ولسبب لا أفهم كنهه سوى أنني أتماهى مع أسلوب الكاتب أو أنني أذعن لصوت مجهول داخلي. قررت أن أكتب مراجعتي بشكل مختلف. بين صوتي أنا وبين صوت الكاتب والكتاب! إنها فكرته على كل حال. فكرته عن التداخل بين الواقع والكتاب، وأثر كُل منهما على الآخر!
-----
أنا أقرأ إذن أحدهم موجود! 1
القراءة بالنسبة لي أمر أكبر من أن أستطيع شرحه. ربما دخلت إلى عالم القراءة حين طفولتي كأداة للتسلية أو لتزجية الوقت أو للتنفيس عن الخيال الشاطح في عقلي؛ الاقتناع بأن الشخصيات التي أصنعها في عقلي وأخترع أفكارهم وماضيهم وقصصهم، هو أمر لا يشي حتمًا بجنوني! ربما كان ذلك محاولة مِنّي للدفاع عن جنوني بوجود آخرين مثلي. مجانين على الورق. يُعاملون بكل احترام وترقب من قِبَل مجانين آخرين (قُرّاء)!
-----
الحافة
يقولون أن الحياة الحقيقية هي أن تعيش على الحافة. والمقصود بالحياة الحقيقية هي اللحظات التي تبتعد فيها عن الرتابة والروتين المتكرر. الحُب والغضب والحماس والخلوة والتأمّل، هي في حقيقتها حواف! لحظات انفصال عن المألوف. لحظات لا يُمكنها أن تستمر. ولا يمكنها أن تموت. تبقى مُعلّقة في سماء الروح كنجوم نهتدي بها عند شعورنا بالخطر. وحافة التأمل تحديدًا هي في حقيقتها عملية تقدير وتقويم. إعادة تفكيك وتركيب للواقع. حالة من البحث عن احتمالات مختلفة مُختبئة تحت ركام المتواتر والعادي والمُعتاد. يدخل الواحد فينا هذه الحالة (هذه الحافة) باختياره في بعض الأوقات، لكن في أغلب الأحيان تُفاجئه. مثلما يحدث أن تقرأ كتابًا مثل هذا الكتاب ” الحافة المُطلة على العالم“!
-----
أنا أقرأ إذن أحدهم موجود! 2
في نهاية الصف الأول الثانوي كنت قد أدركت يقينًا أن القراءة هي رافد مهم للارتقاء بالثقافة والحصول على المعلومة التي تُميّز الإنسان عمّن حوله. كان ذلك قبل انتشار أجهزة الكومبيوتر الشخصي (قبل خمس سنوات من بداية الإنترنت -للأفراد- في المنطقة العربية). كان سؤال التفوق (اختياري) في اختبار ما لا أذكره الآن، لعلّه اختبار مادة الفيزياء ( مادة الطبيعة هو اسمها العربي الذي أميل إليه) - ”ماذا يحدث لو توقفت الأرض عن الدوران؟“ - علمت لاحقًا أن المُدرّس انبهر بإجابتي النموذجية التي كانت أعمق مما يعرفه هو شخصيًا. كان حظي السعيد قد ساقني إلى قراءة قصة عن هذا الأمر تحديدًا مع إشارة وشرح لما جاء في مرجع علمي عن هذا الأمر باستفاضة. قرأتها قبل الامتحان بيومين. وكانت النتيجة انتقالي إلى زُمرة المتفوقين في المدرسة.
------
المُطِلَّة
انزلقت إلى أول صفحات الكتاب بسرعة بالغة. ربما ابتلعني الحزن المُنساب في الحروف. أو ربما أعاد لي بعض الذكريات. والعودة إلى الذكريات مهما كانت حزينة أو سعيدة، فلا بُد أن تُدخلك في حالة من الشجن. من الاستسلام. من الإذعان, من التأمل والتفكّر. تُشعرك بعجزك عن التغيير. تدفعك للتساؤل عن أسباب اتخاذك قراراتك ومحاولة تخيّل احتمالات مختلفة بتغيير القرار الذي اتخذته حينذاك. لكن الأصعب هو أنك تجد نفسك حائرًا… لا تشعر بشيء مُحدد! لا تفهم جوهر ما يعتمل في روحك. تجد مشاعرك حيادية. لا حزن… لا فرح… تحسّ بعبرات قريبة… تلمس انجذاب مؤنِس. تدور حولك وفيك كل المشاعر والأحاسيس مُجتمعة. لكنك لا تقع في براثن أحدها. أنت على الحافّة تمامًا. تطلّ على نفسك. أنت في برزخ زرعك فيه أحمد الحقيل. هذا هو الأصعب الذي صنعه الكاتب. يستخدم أسلوبه السحري في إحالتك إلى عالمك الذي يشبه عالمه في كثير من الأشياء. يخاتلك بأسراره لتكتشف أنها أسرارك أنت مع تغيير بسيط لأسماء الأشخاص/المدن/الأداوت.
تكفي الصورة في الصفحة 12 أن ترميك بلا رجعة قريبة؛ إلى ماضيك دون حتى أن يكتب الكاتب كلمة واحدة!
------
أنا أقرأ إذن أحدهم موجود! 3
كلما تقدّمت في العُمر أدركت أن القراءة قد تخطّت كل أهدافها المعروفة لتصبح جزءًا من تركيبي الشخصي! خلوة تفتح مسام العقل للتفكّر والتأمل. تجربة مجانية لتختبر مئات السيناريوهات التي لم تعشها ولن تجرؤ على عيش بعضها. تنفيس عن غضب أو تعاسة أو انفعال زائد. التماس لحقيقة أو لوصف مشاعر مختلفة لا يُصرّح بها الناس في حياتهم، مشاعر تجاه أهلهم أو تجاه أبنائهم أو تجاه خالقهم. أثناء القراءة أنت تقرأ الحقيقة وليس الخيال كما يُروِّج البعض. تقرأ التوق الحقيقي إلى احتمال الحدوث وليس الحدث الواقع تحت وطأة ضغط المجتمع.
----
عَلَى
تبقى نزعة الكتابة لُغزًا عصيًا على الإنسان. هناك مئات التفسيرات والتي هي أغلبها صحيحة مثل: حاجة إلى التنفيس. علاج للروح، نزعة إلى التباهي، إحساس بالتفوق، أمل في الخلود. لكن كل تلك التفسيرات خاضعة لعامل واحد مهم: الإرادة. أن يكون الفعل ذاته من اختيار الإنسان. أن تكون هناك النيّة ثم الإصرار على الكتابة.
لكن الكتابة الحقيقية في الواقع هي الناتجة عن الرغبة المُلِّحّة العنيفة التي تعتمل في داخل المرء، فيشعر حينها أنه ممسوس بالكتابة. عندما يحاول تجاهل الحاجة إلى الكتابة، لكنه يبقى مُعذَّبًا بآلاف الكلمات التوّاقة لانفجار مهيب، ولا سبيل لخلاصه سوى بإطلاق سراح كل الحروف المسجونة داخله.
هكذا تقرأ أحمد الحقيل، أو بالأحرى هكذا تقرأ الصوت الداخلي لأحمد الحقيل. هذا الصوت الذي يُعذّبنا أو يُحفزنا أو يثنينا كل يوم من وعن كل شيء تقريبًا.
يندفع أحمد بالكتابة عن آلاف الأشياء. عن أفكاره. وآماله. وتردده، وعجزه، وجنونه. عن ذكرياته وقراراته وأسبابه وقوته وضعفه وحماسه واستسلامه. عن الذي كانه، وعن الذي كان من الممكن أن يكونه! عن الماضي وعن النُسخ الأخرى من أحمد الحُقيل التي لم يُسمح لها أن تعيش في عالمنا، فعاشت بين القصص، كاحتمالات حيّة في عوالم موازية يراها القارئ -وربما الكاتب- بشكل لم يحلم به إروين شرودنجر مع قطته الشهيرة!
----
أنا أقرأ إذن أحدهم موجود! 4
عندما صرت كاتبًا، اصطدمت بالواقع! التصريح عن أفكارك أمر غاية في الصعوبة. فما بالك لو كانت الأفكار مختلفة أو غريبة عن المجتمع الذي تعيش فيه. لهذا بدأت في تقدير الكُتّاب الذين يجدوا الجُرأة الكافية لمشاركة القُراء بما يعتمل في نفوسهم. وشعرت بالامتنان لأولئك الكُتّاب الذين يُضَحّون بكثير من خصوصيتهم في سبيل أن يمنحوا الفرصة لآخرين بأن يشعروا بأنهم أُناس طبيعيون وأن هناك من هم مثلهم يعيشون في هذا العالم. بأن يهدوا أُكسيرًا من الشجاعة لمن ينتظر شرارة صغيرة من أجل أن يندفع إلى الكتابة بلا خوف.
----
العالم
لا شكّ أن فصول السيرة الذاتية للكاتب قد أضفت على القصص القصيرة في الكتاب طابعًا شخصيًا. بالإضافة إلى أن هذه الطريقة قد جعلت القارئ يحاول ربط المعاني الظاهرة والخفية في الفصول مع أحداث القصص المختلفة.
لكن جميع القصص بلا استثناء يجمع بينها عاملًا مشتركًا ألا وهو الشجن. تستطيع أن تلمس الحُزن المُنساب من الحروف. المشاعر الجارفة والأحاسيس المتضاربة. الاعتقادات المخفيّة بعناية عن الناس، والأفكار التي تُجاري ”تُسَلِّك“ بها الشخصيات أمورها مع من حولهم.
لطيفة ومها - إبراهيم ونورة والدُب - علي وعذبة - سعود ووالدته - سعد وصالح وعايض - عبد العزيز وابنه وحفيده وحصّة. كل فرد وكل شخص وكل حكّي به طبقات عديدة متداخلة ومُعقدة، بعضها متضارب متنافر وبعضها وثيق الصلة. تمامًا -برمزية بارعة للكاتب- كدُرج جدّته المليء بأشياء مختلفة متنوعة متنافرة لكنها تبني حكايات حقيقية.
ومع كل قصة نقرأها نجد جُزءًا من أنفسنا. ربما جُزءًا نعرفه وربما نسيناه وربما أخفيناه، بل وربما فات علينا أننا أخفيناه! نقرأ عن النوستالجيا والذكريات المُعتّقة في ذاكرتنا. عن السيارات والأغاني والزواج والأبناء والأهل والقُرى القديمة، والمدينة التي تتغيّر لمُدن جديدة تحاول القضاء على ماضيها في ذاكرتنا. نقرأ عن الرياض والدمام والشرقية والخفجي. نقرأ عن السعودية وتفاصيل متناثرة على ستار الزمن، لا يراها سوى من يتدبّر أو يتذكّر.
وتأتي قصة ”حياة“ لتكون مِسْك ختام الكتاب. قصة مُعبّرة رغم أنها معروفة ومُكررة. وكيف لا وأنت لا بُد أنك كُنت فيها بشكل أو بآخر!
-----
اقتباسات
البيوت المهجورة، خصوصًا تلك التي تعرفها جيدًا إما بالعيش وإما بالمعاشرة، من أكثر المناظر إرباكاً للنفس. وكأنك تسير بين جثث هامدة، حيث كل شيء موجود كما كان، ولكن لا شيء موجود. استعارة مبتذلة للجسد والروح.
في الدور الثاني غرفةُ جدته، وفي زاويتها أدراجٌ ما زالت على حالها، لم تُلمس. أدراجها استعارة أخرى مبتذلةٌ ولكن مثاليةٌ للحياة: تحوي كل شيء تقريبًا، ولكنها متداخلة ومتشابكة ومنزوعة السردية والمنطقية والسببية وتكتسب شرعيةً وجودها من فكرة بسيطة ترافقها هزَّةُ كتفٍ خفيفة: ممكن نحتاجه
عندما تجلس مع شخص، فأنت لا تجلس مع هذا الشخص الماثل في تلك اللحظة، ولكنك تجلس معه وهو يحمل كل اللحظات التي عاشها. هذا أهم ما يمكن أن تتعلمه عن الحياة وعن التعامل مع البشر: الإنسان سياق. ولا أحد، كائنًا من كان، يستطيع أن يخبِّئ هذا السياق.
يخبئ الإنسان في كلامه أكثر مما يُظهر
الإنسان سياق. لا يهمُّ إن كنت فلاحًا أو أميرًا أو وزيرًا أو موظفًا على المرتبة السادسة، أنت ستأتي بكلِّك ولا تستطيع أن تأتي ببعضك
------
التقييم النهائي
كل فكرة قيلت من قبل. كل ما سيُكتب كُتب سابقًا. وربما كل ما نعيد تدويره من أفكار وكلمات ومشاعر هي أمور مبتذلة. لكن الروح التي تسكن الكلمات والحروف هي التي تمنح الحياة والألق والسبب للاستمرار والتجدّد. حينها فقط نفهم لماذا أنه لا بأس أن يبدو كل شيء مُبتذلًا في هذه الحياة. كلمة السر ”أنت“. أنت المُتغيّر الوحيد في المعادلة. وأنت فقط سبب استمرار كل شيء بالنسبة لك!
لا يوجد شيء خارج النفس؛ كل شيء تراه هو امتداد لتردداتك (أصواتك) المتعددة في الصورة، والعالم حتمًا ليس كما يبدو!
رحلة يستكشف من خلالها الحقيل نفسه من جديد؛ اختفاء الذات عن نفسها. ويعيد خلالها قراءة صوره المختلفة عبر مراحل زمنية ونفسية مرّت في تاريخه الذاتي والكتابي، طمعًا في تقديم رؤية مغايرة عن شكل الذات والهوية المترسخة عبر الزمن والكتابة، ولصوته الداخلي الممتد لعدة شخوص وأزمان. بلسان ولغة تعيدان ترتيب الذاكرة من وحي النوستالجيا، لكنها عبر السرد بدأت تتمدد وتتغير، حتى استحالت شيئًا آخر؛ صورة وصوتًا يعلوان من أعماق ما يضطرب في الذهن والوجدان من سقوط يليه إعادة ترتيب للبيت الداخلي.
ليس هناك تعريف واحد للأشياء يرضي المخيلة؛ هناك فقط المعنى، متحررًا من هواجس الأطر المعرفية والمفاهيمية التي نشأت عليها الذاكرة واللغة، عبر تكوينه ونموه الثقافي الملامس لذاكرة البلد والمكان الذي ظلّ ينمو في فضائه. وذلك في محاولة لإعادة صياغة المعنى المتدفق من الزمن الماضي لآخر يعي اللحظة ويعيشها بكل جنونها وفلتاتها الضاربة في صدع الواقع، وصدام الهوية والذات المنبثقة منه، بوصفها امتدادًا عضويًا، لا نقيضًا لها.
الحقيل بارع في رسم الزمكان، وذاكرته المكانية مهما حاول الإفلات منها، تجده في أعماقها؛ عبر فلتات اللسان واللغة السردية، وما ينمّ عن ذاكرته الجسدية في وصفها في أكثر من موضع (تفاصيل الحياة اليومية أو الروتين). في الأخير… الإنسان هو حاصل ضرب الجميع!
مجموعة قصصية تتخللها فصول من حياة الكاتب كمذكرات شخصية من طفولته، شبابه وحاضره، كتبت بشكل جميل جداً.
اقدر اقول ان احمد الحقيل من اكتشافات هذه السنة! طوال قراءتي لكتابه كنت افكر "ويني من زمان ماقريته؟” اول مرة اقرأ كتاب بهذه الواقعية، شعرت ان شخصياته اشخاص اعرفهم في واقعي، احد من الاهل او الاصدقاء. اندمجت جداً مع القصص ونسيت الوقت وانا اقرأها.
ارشح هذا الكتاب بشدة، او اي كتاب لاحمد الحقيل بشكل عام، لانني بالتأكيد ناوية اقرأ اعماله الاخرى. 4/5 ⭐️
الأعمال السلسة ذات الحس المفعم بتلقائية السرد لا تشعرك بثقل الوقت وأنت تقرأها ... وهذا العمل من ضمنهم ....أتت الرواية بحس يخلط السيرة بالخلاقية استطاع الكاتب في بعض الفصول من اختزال أزمنة في طيات قصيرة لكنها توصل للمعنى المراد أتت سطور الرواية بروح مشحونة بالشجن والناستلوجيا العذبة لروح المنطقى الوسطى في المملكة مما أضفى على الرواية هوية واضحة ودمغة ثقافية توثق حقبة معينة ...جميلة الرواية بجمال كاتبها
"النوستالجيا خاصية عجيبة. نلجأ إليها كثيرا لأنها آمنة. هي ذكرى لشيء صار وانتهى. لا تحدِّيَ فيه، لا تهديد، لا مجهول. لذا فإن التوق إليها والتمسك بها والتفكير فيها منطقيٌّ لأنها كاملة، ماضيها وحاضرها ومستقبلها منتهٍ، صارت وحُسمت ولن يفاجئنا شيءٌ فيها أو منها. أما الواقع، فيصير خير، أنت وحظك وزمانك ودنياك.لذا كثيرون منا كائنات موبوءة بألفةِ التوق إلى المفقود. ولا تدري إذا جاءك هذا المفقود هل ستريده أم ستنفر منه".
فعل القراءة في سرد "للحقيل" هو فعل محبب ولطيف على النفس، ويأخذني إلى عوالم مألوفة وحميمية، إلى مناطق سبق لي أن وجدت نفسي بين تعرجاتها، إلى مراحل عمرية وزمنية وحالات نفسية مررت بها وتركت أثراً عميقاً في داخلي، أنه يؤرشف لتاريخ المناطق المحلية وأبنائها من مدن صغيرة وعواصم ضخمة، ويحملك معه إلى مساحة واسعة من الذكريات المعاصرة وتلك القديمة قِدم الأزل، وأنت تقرأ داخل فصول حكاياته وسراديبها مستمتعاً بشكل القصة وشخوصها، منغمساً بكل ما فيها من تفاصيل عابرة تجعلك تتخيل ذات المشهد في ذهنك وترسم كل ملامحه ونواحيه، لذلك بمجرد أن أعلن "الحقيل" عن صدور كتاب جديد بقلمه وجدتني متشوقاً ومندفعاً للحصول عليه بأقرب فرصة ممكنة والغوص في عوالمه وإكتشاف طابع موضوعاته وشكل الحياة المكتوبة في داخله.
كعادته يكتب "الحقيل" بلغة رشيقة ومنمقة وفيها حس شاعري عالي وفي مناطق أخرى تغلب عليها السخرية والظرافة المطعمة بنكهة محلية، شخوصه كعادتهم تجد فيهم أشخاص شبيهين بأولئك المحيطين بك في عالمك الخاص، وظروف حكاياتهم قريبة من واقعك وماضيك، حيث التقاطعات التي تدور داخل تفاعلات السرد تبدو وكأنها شيء مأخوذ من سيرتك الشخصية أو من سيرة أبناء مجتمعك، لذلك حينما أقرأ له في كل مرة أنطلق داخل السرد وأنا مدفوع بشعور إعادة إكتشاف نفسي ومجتمعي وتاريخه الخاص والعام من خلال قلمه، كذلك المكان يأخذ حيزاً كبيراً من النص كما هي العادة في نصوص "الحقيل" فالمكان بكونه المدينة والقرى والصحاري والطرق المعبدة السريعة والترابية والأحياء السكنية والمنازل المهجورة وتلك الحديثة والشوارع الممتدة لأبعد مدى تلعب دائماً دور البطل الأول في الحكاية وترسم المشهد الخلفي لها، فلا أحد قادر على تعزيز شعورك بالمكان وإرتباطك فيه مثلما يفعل "الحقيل" من خلال توظيفه في نصوصه.
تحضر شخوص عديدة في قصصه وتغادر منها ثم تعود في مناطق أخرى من السرد، حيث الكتاب يأتي على شاكلة مجموعة قصصية هجينة مدمجة بسيرة ذاتية تسرد بلسان الراوي، فنقرأ في ظروف أبناء جيل "الحقيل" وهو واحدٌ منهم حيث تندرج سيرته الشخصية في فصول من هذا السرد يفتتحها بمقارنة بين عامي ٢٠٠٧ و٢٠٢٠م ومن ثم أعوام أخرى متفرقة سابقة ولاحقة، ويتطرق للتغيرات التي جرت على شكل الجيل ووجه المدينة القديمة والعواصم الحديثة، بينما يشرع باب حكاياته ��حكاية عن سيرة متعددة لنساء عائلة واحدة بين "مها" و"لطيفة" و"هيا" و"حصة"، حيث تلد كل امرأة خليفتها في هذة الدنيا وتخلق سيرتها الخاصة في هذا العالم الكبير وأنت تقرأ في ذكرياتهن، ماضيهن، وحاضرهن، والموت الذي تخطفهن، وكأنك جزء أساسي من الذاكرة والمشهد.
تتقاطع الحكايات هنا على تعددها وإختلافها مع مشاهد مجتزأة من سيرة "الحقيل" الشخصية، وبالتحديد مع ذكرياته في منزل الأسرة القديم في فترة أزمة كورونا عام ٢٠٢٠م وما قبل ذلك، حيث يجد نفسه محصوراً بين جدران غرفته القديمة، مسترجعاً ذكرياته مع مساحات المنزل وقاطنيه، مع الباب الداخلي لفناء المنزل الذي يتسرب من خلاله الضوء والظلام، والأسطح العاليه لقوام المنزل، والغرف التي إحتوت يوماً حركةً وضجيج أسرة بأكملها، واليوم غدت فارغة من كل شيء إلا من ملامحها التي لم تتغير كأنما هي ذاتها منذ أعوام طويلة، ويتأمل في شكل الحياة الجديدة في أزقة مدينته الأم، التي غادرها إلى العاصمة ليبدأ حياته الجديدة هناك، ولكن الذكريات ظلت عالقة معه، ترافقه دائماً في حله وترحاله، فما الإنسان في عمق كيانه إلا سياق لا يمكن له أن يخبئه، وذاكرة جامعة لكل مسارات حياته ومراحلها.
يحضر هاجس الأب الغائب بين سراديب حكايا "الحقيل" وفي سيرته الشخصية في مواضع كثيرة منها، حيث ترتبط بكيانه ذكريات عديدة، ويغدق بحكمه وأقواله وأفعاله على شخوص الحكايات وأطرافها سواء بشكل مباشر أو من خلال إعادة إستحضارها على ألسنتهم، كما هو تأثيره ممتد إلى حضوره ككيان قوي وقيادي ومستقل في مشاهد مختلفة من سيرة "الحقيل" الشخصية التي تتقاطع مع حكاياته في هذة المجموعة القصصية، بينما يأخذ الموت برهبته وجبروته شقاً آخر من سيرة شخوص حكاياته ويحضر دائماً ليكون مؤثراً في عمق الأحداث ومسار الحكاية وفي المشاهد المقطوعة من سيرته الشخصية كذلك، ومن جانب آخر نجد دائماً شخوصه متعلقين بذكرياتهم البعيدة والتي يعيدون سردها على كل من ينصت لهم حتى وإن كان دب قطني كبير كما هو الحال في القصة التي يدعى بطلها بـ "إبراهيم"، وتحضر العلاقات الزوجية والعاطفية والأسرية وتفاعلاتها في كثير من قصصه لتخلق إطاراً يدور وسطه الكثير من حيثيات القصة وتغيراتها، بينما ثيمة التغييرات التي تطرأ على وجه المدن والمنازل والأفراد وكل كيان جامد وحي والمقارنات بين ما كانت وما صارت إليه هي الثيمة الأصيلة في رسم الخطوط العريضة وتلك الدقيقة منها لمسار سرده وحكاياته مهما كان شكلها وعنوانها، كما هو الحال في التغيرات التي طرأت على حياته وجرى ذكرها في الفصول التي تناول فيها سيرته الذاتية.
يعزز "الحقيل" فصولاً من سيرته الشخصية التي تتقاطع مع الحكايا الموجودة في هذا السرد بصور عشوائية يُرفقها بين سطور ذكرياته وتأملاته في حياته الخاصة، حاضره وماضيه، ويعلق على تلك الصور ومدى إرتباطها بالأحداث والوقائع التي جرت في حياته، بينما تحمل كل تلك الفصول بأحداثها وذكرياتها ومجرياتها وإرتباطها بذاكرة "الحقيل" الشخصية شيئاً من طابع الحنين إلى الماضي، ويغلب عليها شعور "النوستالجيا" الذي يفترسك ويطغى على كيانك حينما تتأمل في شريط ذكرياتك الخاصة، في المراحل السابقة من عمرك، وفي الوجوه التي كانت تحيط بك في حينها وإذ بها قد إختفت من حاضرك إلى مصيرها المجهول أو غزتها خطوط الزمن وتعرجاته وأعادت تشكيل ملامحها، ويبقى هاجس الفقد لكل ما كان وما تغير حقيقة واقعة في كل تلك الفصول والمشاهد المجتزأة من سيرته الذاتية.
في الفصل الرابع من الفصول المتعلقة بسيرة "الحقيل" والمعنونة بـ "أنا أكتب إذاً أنا موجود"، يتطرق "الحقيل" إلى تجربته مع فعل الكتابة وإنقطاعه عنه ومن ثم عودته إليه، وينغمس في نقل فلسفته الخاصة حيال ذلك، وحيال الكتابة عن الشخصيات العصيّة في الحياة تلك التي ظاهرها إعتيادي وداخلها معقد كما هي أحوال منازلهم، ويتطرق إلى إعادة إكتشاف نفسه ككاتب من خلال تلك الشخصيات والمنازل التي يقطنونها، وقد شدني ذلك الفصل وتلك الجزئية من خلال تنظيرات وتحليلات "الحقيل" لمثل تلك الشخصيات، وهي النوعية المتفردة من الشخوص التي جذبتني إلى كتاباته في بداية تعرفي على قلمه ومؤلفاته وأصبحت علامة فارقة في نصوصه، وجعلتني مدمناً ومتولعاً بطريقة سرده ومعالجته لتلك الشخصيات الإعتيادية في صورتها الخارجية، كذلك أحببت قراءته في مفهوم الأغاني العربية والعاطفية على وجه الخصوص وإرتباطها بمفهوم "الهايبر ريالتي" وطريقة إرتباطها بأفعال إعتيادية يمارسها الفرد في حياته اليومية مستمعاً لها وكيف هو قادر على عكسها على واقعه بطريقة تتماشى مع ذلك.
أثناء فترة قرائتي في هذا السرد كنت في يوم ما أقوم بالتقليب بين مقاطع "التيك توك" كما يفعل الفرد هذة الأيام لدفع الضجر وأوقات الإنتظار، ووقعت عينيّ على حساب في "التيك توك" لشخص لا تربطني به أي علاقة أو معرفة مسبقة، يقوم بنشر مقاطع تسجيلية لذكريات عشوائية قديمة من واقع بيئته وحياته وذاكرته الشخصية من أعوام سابقة وبعيدة، بمجرد أن شاهدت المقطع الأول بالصدفة وهو هذا المقطع بالتحديد : (https://vt.tiktok.com/ZSUPWogtA/) ذكرني بشكل المشاهد وسياق السرد وطابع الحكايات والشخصيات والذكريات التي يختزلها "الحقيل" في كتاباته وأعماله، سواء في هذا الطرح أم فيما سبقه من مؤلفاته، لقد نقلتني تلك الفيديوهات من واقعي إلى الماضي المرتبط بتلك المشاهد والذكريات وهي ذات النقلة التي أستشعرها حينما أقرأ في سرد "للحقيل" وذاكرة شخوصه وتفاصيل حكاياتهم، كما أنني أجد شخوصه في الفيديوهات الوثائقية والتسجيلية التي تنتجها قناة "كلماشي/ثمانية" على اليوتيوب عن أشخاص عشوائيين بسطاء من الشارع المحلي وعن حكاياتهم والمشاهد المرتبطة بمحيطهم وأعمالهم وذكرياتهم.
علي أن أشير إلى أن الحكاية التي جاء بطلها "علي الغديّم" هي من الحكايات التي ستبقى عالقة في ذاكرتي للأبد من بين جملة القصص التي قرأتها في هذة المجموعة، التفرد في طباع وشخصية "علي الغديّم" جذاب وملفت للنظر في تركيبة كيانه، في فلسفته المرتبطة بالأغنيات وهواية جمعه لأشرطة الكاسيت، في عدم مبالاته حيال الواقع ومدى جديته، في تنقلاته الوظيفية وحالة التخبط الدائمة التي يعيشها حيال مستقبله، في عزلته عن المدينة وعيشه قُبالة البحر، في قناعته الشخصية والمهنية، في شكل العلاقة التي تربطه بزميلة عمله السابقة "عذبة" والتي رغب يوماً ما بأن تكون زوجة له والتي هي الطرف المقابل له في معترك هذة الحكاية، في طريقه السرد وتركيبة النص الذي رسم "الحقيل" من خلاله مسار الحكاية وهيكلها، في التسجيل الغنائي والمتفرد والعشوائي لـ "عمر كدرس" وهو يتغنى بأغنية بعنوان "تخيلي" والتي تعرفت عليها لأول مرة من خلال حكاية "علي الغديّم" وستبقى مرتبطة بذاكرتي بهذة الشخصية في كل مرة أُعيد الإستمتاع إليها، في الإشارة إلى الفيلم البولندي "Cold War” والتي جاءت غير متوقعة في سياق الحوارات داخل القصة وأحببت إستشهاد "عذبة" به كونه أحد أفلامي المفضلة، والذي لم أتوقع أن يأتي ذكره في سياق قصة ذات صبغة محلية، في الصورة النمطية التي رسمها "الحقيل" بشكل ساخر لعائلة تقطن في الشرقية ويعمل رب أسرتها في "أرامكو" وتخلط الإنجليزية بالعربية في جمل حواراتهم اليومية بشكل إعتيادي وتلك النكتة التقليدية والأزلية المرتبطة بالعاملين في تلك الشركة والهوس بالتعريف عن أنفسهم من خلال إثبات عملهم في تلك الشركة ومدى إستحواذ عملهم على طبيعة شخصياتهم بالكامل ولغة أحاديثهم.
دمج المواقف والصور العشوائية والمجتزأة من سيرة "الحقيل" الشخصية، مع مجموعة القصص والحكايا التي أتى بها في هذا السرد، هي نقطة التميز التي جعلت هذا الكتاب بأكمله يقع تحت خانة أجود ما قرأت من مؤلفاته، البعد الشخصي أضفى هالة مميزة على السرد، وجعلني أرى مقاربات كثيرة بين ما قرأته في سيرته وبين مجريات ونقاط فاصلة ومرحلية من سيرتي الشخصية وقناعات خاصة إستلهمتها من تلك الوقائع والتغيرات التي جرت في حياتي ولكنني لم أستطع يوماً أن أدركها بشكل دقيق لأتمكن من تدوينها وإذ بي أقرأها مكتوبة بقلم "الحقيل" وبصياغة تتفوق على كل ما قد أخطه يوماً ما لإحتوائها وتدوينها على الورق، لقد أصبحت طامعاً بصدق بأن يخصص "الحقيل" يوماً ما سرداً كاملاً بكل فصوله وجزئياته مستنداً على سيرته الذاتية ومواقف مختلفة من حياته ونشأته، ماضيه وحاضره، وتنظيره لكل تلك المشاهد والمواقف بفسلفته الخاصة، رغم أنه يقول في مستهل هذا الكتاب بأنه لم يبدو له مجدياً في يوم من الأيام أن يكتب عن نفسه، فالناس بحسب رأيه يقرؤونه لأنه يكتب عن الآخرين، والحقيقة لا أعرف كيف توصل لتلك القناعة، فأنا متيقن بأن هناك بطريقة ما في العمق، بعيداً في العمق، ما يستحق أن يدون ويكتب ويخصص له كتاب مستقل، بحسب تعبير "الحقيل" في فاتحة هذا السرد حيال الكتابة عن نفسه وحياته وسيرته، وأكبر دليل على ذلك هو هذا الكتاب.
أحب علامات التميز التي أستطيع بها الإستدلال على النصوص المكتوبة بقلم "الحقيل" والمفاهيم التي لا أضجر من إعادة قراءتها في كتاباته، فلسفته حيال إمتلاك مركبة، وأنها الوسيلة التي تحملك إلى خيارات مفتوحة وتأخذك في طرق ومسافات بعيدة، حيث بإمتلاكها أنت حر طليق، وكل الطرق أمامك مشروعة، تأملاته في أوجه المدن وجغرافيا المكان وإمتداد الشوارع صغيرها وكبيرها، الأبيات التي ينثرها في سياق النص وعلى ألسنة شخصياته من الشعر النبطي والفصيح، حديثه عن عشوائية الحياة بكل ما فيها، عن البيئة التي ينشأ فيها الفرد وإرتباطه بها، عن المدن التي شكلت هويتنا ونشأنا فيها قبل أن تلفظنا إلى العواصم الكبرى وتأخذنا عجلة العولمة بسياقها، عن شكل الذكريات وطابع "النوستالجيا"، عن الموت وواقعيته، عن مدينته الأم "المجمعة"، عن شكل العاصمة "الرياض"، عن طابع العلاقات داخل الأسرة الواحدة، عن المهن التي يمتهنها الفرد ويشعر معها بأنه مقيد طوال الوقت وليس قادراً على الفكاك منها، عن الخيارات التي نتخذها في بداية أعمارنا ونتفاجئ بعواقبها في منتصف العمر، عن كل الفلسفات والتنظيرات التي تتكرر في نصوصه، فأنا أحب أن أعيد القراءة بها من جديد وفي كل مرة أشعر وكأنني أقرأها للمرة الأولى.
يجيء ختام هذة المجموعة القصصية مع قصة معنونة بـ "حياة" كتبها "الحقيل" منذ ما يقارب الخمسة عشر عاماً لكنه رأى أن يختم بها هذة المجموعة كونها إحدى القصص التي يجد فيها نفسه وصوته ككاتب ويشعر وكأنه كتبها بالأمس، علماً أنه سبق وأن قرأتها قبل ما يقارب الشهرين في مجموعة قصصية سابقة "للحقيل" المعنونة بـ "على حافة الوعي" والطريف بالأمر أنه إختتم تلك المجموعة بذات القصة ولا أعرف أن كان ذلك متعمداً أم بمحض الصدفة، كذلك لاحظت بأن كلا المجموعتين يشمل عنوانهن على مفهوم "الحافة" ولا أعلم أن كان ذلك بمحض الصدفة أم أنها مقاربة متعمدة كذلك، لكن ما أنا أكيد منه هو أن مفهوم "��لعيش على الحافة/living on edge" هي سمة ثابتة من سمات الشخصيات التي تعيش داخل سراديب حكاياته دائماً كما هي حاضرة في سيرته الذاتية وطابع شخصيته، ورغم أنه أعاد كتابة ذات الحكاية في هذة المجموعة وغير من ملامحها وأضاف عليها المزيد من التفاصيل التي لم تكن موجودة في النص الأصلي إلا أن القصة ما زالت قائمة بمجملها على شكل "الحياة" الموجودة داخلها، وهي ذات شكل الحياة التي تجدها في معظم حكايات "الحقيل"، تلك الحياة الراكدة في التفاصيل، والمنغمسة في عشوائية الأحداث اليومية والمتكررة، وطابع العيش وسط ذات الروتين وفي نفس المجتمع الضيق، لذلك تشعر بأنك عندما تعيد القراءة في نصوصه بأنك تقرأ نصاً متجدداً رغم مألوفيته وتكتشف مناطق جديدة في النص لم تلاحظها فيما سبق، وهي ذات الحالة التي يستشعرها المرء عندما يعيد النظر إلى شريط حياته وذكرياته في ذهنه ليجد أنه يعيد إكتشاف كل التفاصيل التي غفل عنها وسط معمعة عيشه داخل اللحظة ووسط تفاعلات الحياة دون أن يدرك كل الحركات والمواقف التي كانت تدور في محيطه لحظتها.
أنجزت قراءة هذا الكتاب بالكامل في حدود الساعة الثالثة بعد منتصف الليل في ليلة عمل، حيث لم أتمكن من أن أنزعه من تفكيري طوال فترة القراءة فيه وبالتحديد وأنا بالقرب من نقطة النهاية، رغم أنني كنت أحاول قدر الإمكان أن لا أندفع داخل فصول السرد وأنجزه بسرعة قصوى، فقد كنت أرغب بأن أقضي أطول وقت ممكن وأنا أتجول داخل فصوله، إلا أن الوقت داهمني وأنا مستمتع بالقراءة فيه دون أن أشعر بمروره، فقد كانت المتعة طاغية على الدوام، وكنت أقرأ فيه متأملاً ومندهشاً من كل عناصره ومشاهده ومقارباته للواقع وطبيعة الذكريات التي تستوطن ذاكرة المرء ويكبر حضورها في نفسه مع مرور العمر، فقد كنت أود لهذا السرد أن يطول بإمتداد العمر وأن لا ينتهي أبداً، متخوفاً من فكرة أن يكون هذا هو الكتاب الأخير الذي يخطه "الحقيل" حسب ما صرح به على حسابه الخاص بمنصة إنستغرام، رغم أملي الكبير بأن لحظة الإدراك التي داهمته وهو واقف أمام باب المستشفى في ليلة شتوية والتي تطرق إليها في الفصل الأخير من فصول سيرته الشخصية في هذا السرد برغبته الملحه ساعتها بإخراج كتاب جديد وهو ما تحول إلى هذة المجموعة القصصية ستتكرر مرة أخرى ذات يوم على أمل أن يكون ذلك بالقريب العاجل وأن لا يستغرقه ذلك سنوات طويلة، ومع أنني إكتشفت "الحقيل" وإستطعمت حلاوة سرده وجمالية كتاباته وشاعرية لغته منذ فترة قريبة جداً وتمكنت من حصرها جميعها وقراءة معظمها خلال تلك الفترة إلا أن تأثيره علي قد تجاوز تأثير أولئك الكتاب المحليين الذين إكتشفتهم في سنواتي الأولى في القراءة منذ زمن طويل، فلقد كانت تجربة القراءة في هذا السرد بالمجمل تجربة مسلية ومثيرة للذاكرة وذات طابع حميمي خاص وتحمل شيئاً من الحنين لكل تلك الملفات المكدسة والمهملة في إرشيف الذكريات ومراحل العمر السابقة وهو الشعور الثابت الذي أستشعره في كل مرة أقرأ "للحقيل" في مؤلفاته أو كتاباته أياً كان شكلها أو الوسيلة المنشورة من خلالها.
هذه القصص أشبه بذاكرة اجتماعية كل من عاش في الرياض او في احد مدن المملكة سيجد بأن ذاكرته تتقاطع بشكل ما مع قصة القصص. يفصل بينها حديث صحفي /كاتب محتوى/ سيناريست .. لا اعلم من يكون المهم انه يكتب. القصص تنتقل بنا مابين ضجيج المدن السريعة و هدوء المحافظات .. الذكريات القديمة والجديدة .. وذكريات كنت تسمع عنها من الكبار والاجداد لكن لم تعشها يوماً . مثال من خلال هذه القصص تعرفت على بشير شنان واستطيع القول انه كاد ان يكون له مستقبل كحريف عزف عود . اعجبتني مواضع كثيرة مثل فكرة وصف الإنسان بالسياق ، من اصدق الأرض أم البحر، واضحكني وصف أغانينا "بالهايبر ريالتي" .. وضحكت على مواقف كثيره قد لا يضحك عليها أحد. ملاحظة: القصص مصاحبة لها صور للحظات وأشياء لم نستشعر اهميتها يوماً وبأنها بشكل ما مخزنة في ذاكرتنا .. عمل ممتع جداً
أنا عمومًا أحب كتابات الحقيل، أرى بين سطوره أمور كثيرة تشبه الواقع أمامي. وأنا أقرأ له أحس إني أقدر أتخيل ١٠٠٪ بواقعية بحتة🤣 أحببت مرة مرة أجزاءه التي تعد كسيرة قصيرة له أكثر من القصص القصيرة، القصص القصيرة يغمرها الغموض والسرعة، ومرات هه شوي مرات حسيت إن الحقيل وده ينهي القصة وبس. بس بالمجمل؟ الكتاب لطيف خفيف ظل وودي أعيده، لأني متأكدة إن فيه رمزيات عديدة ما فهمتها.
بالنسبة للقصص القصيرة، ما أقصد إنها ما أعجبتني لا أعجبتني ونص بس ليس كسيرته، خصوصًا قصة اللي يجمع كاسيتات كانت رهيبة التشبيهات رهيبة رهيبة، أو رهيبة الأجواء؟ قدرت أشم ملوحة البحر من وصف الأجواء وقدرت أتخيل صدغ البطل🤣 ويبدو هه يبدو بنهاية هالكتاب بسمع لبشير شنان واقرأ لبندر بن سرور، شكرًا أحمد ولا تقطعنا ولا تسمع لمن يسألك ليه تكتب؟ اكتب
تعجبني كتابة أحمد الحقيل لما فيها من محلية ولأن تفاصيلها تتقاطع كثيرًا مع ما عشته أنا أيضًا ربما لقربنا في العمر وتشابه رؤانا حول تلك الأشياء والطموحات التي كانت تملأ تلك السنوات.
"لا أحد - و أنا أحدهم - يتكلم عن الفشل في معرض التفهم و التعاطف. الكل يحب الكلام عن الفشل في معرض الانتقاد واستكشاف الحلول، وكأنك ترى نفسك في مرآة ما تظنه صحيحاً يجب تنفيذه ولكن لا أحد ينقذه"
(واقعية، ممتعة، صادقة) كتاب يجمع بين السيرة الذاتية ومجموعة من القصص القصيرة، وكان رائعًا وممتعًا للغاية. وعلى الرغم من النبرة الواقعية المؤلمة التي تسود هذه القصص، ينجح الكاتب في دمج جرعة مثالية من السخرية، وهي سمة أحبّها كثيرًا في الكتابة ولا يتقنها الجميع. كان الكتاب مزيجًا من المرارة والحنين والطرافة والإنسانية العميقة، وأتطلع بالتأكيد إلى قراءة بقية أعمال الكاتب.
مجموعة قصصية متداخلة مع فصول من السيرة الذاتية للكاتب الذي يشير إلى أنه وجد صوته الخاص في كتبه الأخيرة. قرأت مجموعة "بيت" و"أيام وكتب" ولازلت "طرق ومدن" بغلافها البلاستيكي في مكتبتي منذ معرض العام الماضي ولكنني سأبدأ بها قريباً بإذن الله. كنت بدأت قراءة هذا الكتاب ورقياً عندما لاحظت وجوده بصوت الكاتب، فصاحبني في جلستي ومشاويري في الأيام الأخيرة، واستمتعت جداً بالسرد والتنقلات والمعالجة للأحداث والشخصيات الفريدة والمميزة والمنتقاة بعناية من مجتمعنا وشوارعنا. هذا اول كتاب اقيمه بخمسة نجوم منذ بداية العام
مجموعة قصصية و كأنها لوحة انطباعية في أحد الأروقة الفنية، تقف عندها متأملاً لا لأن فيها شيء خارق فوق العادة بل لأنها تشبهك. ترى نفسك و من حولك فيها بكل ما تحمله من واقعية و مشاعر تصفك بكل تفاصيلك و بكل ما لم تقله علناً و مضيت تحمله في قلبك هي فعلاً الحافة المطلة على العالم و كأن العالم هو ذواتنا المتعددة
يقول أحمد الحقيل: "أنّ هذا الكتاب هو خاتمة أربعين عاماً من الكتابة!" للوهلة الأولى ترى الكتاب مجموعة قصصية، ولو أرجعت بصرك كرّتين لوجدت أنها سيرة ذاتية أيضاً! لذا نجد أن تصنيف الكتاب "مجموعة قصصية هجينة".
بأسلوبه المنغمس في اليومية المحلية، يواصل الكاتب اشتغاله على النصوص بوصفها مساحة وعي لا حكاية مكتملة. النص يقوم على التأمل أكثر من الحدث، ويضع القارئ في منطقة قَلِقة بين العزلة والرغبة في المعنى. اللغة مقتصدة، مشحونة بالإيحاء، وتترك فراغات مقصودة تراهن على وعي القارئ لا على الشرح. قد يؤخذ على النصوص بطء إيقاعها وتكرارها الشعوري في بعض المقاطع، لكن هذا الخيار نفسه هو ما يمنحها صدقها الداخلي. هي مجموعة قصص متصلة منفصلة لا تقدّم خلاصًا ولا إجابات، بل تُبقيك واقفًا عند الحافة، وهو رهانها الجمالي والفكري الأساسي.
"ما زلت أحس بنزعة وحشية تقول لي إن الحياة هناك في الحواف، حيث يكون كل شي ضبابيًا وشديد البياض مثل مفازات المناطق القطبية."
أحمد الحقيل مستحيل يخذلك! استمتعت بالكتاب جدًا رغم إن فيه أكثر من قصة قاريتها قبل في مدونة أحمد، بس قريتها مرة ثانية وأنا مستمتعة. أسلوب أحمد مميز ما تلقى مثله عند أي كاتب ثاني، وهالشي يجعل التوصية بكتبه صعبة أيضًا لأن مب كل أحد يعجبه هالأسلوب :)
كما كتب الكاتب "هذا الكتاب هو خاتمة الأربعين من الكتابة " بين القصص القصيرة والسيرة الذاتية، عن حكايا الناس العادية يكتبها بواقعية ومدهشة في طريقة السرد