في “حكايات الغمَّاز” نكتشف قصصًا تحدث في محطَّة قطار، ربما تحدث كُلَّ يومٍ دون أن نلتفت إليها؛ لنرى أمامنا عالَمًا لم نكن نعرفه حقيقة.
تبدو القصص في مجملها مثل سلسلة تنقلُنا كلُّ حلقةٍ فيها إلى حلقةٍ تالية، كقطَع بَازِل متناثرة في القصص؛ لنصل في النهاية إلى عالَمٍ سرديٍّ فريدٍ وغريب رغم أنه يبدو مألوفًا.
تتميزُ هذه المجموعةُ بأنها تلتقطُ أشخاصًا وأحداثًا قد لا ننتبه لهم، غيرَ أنَّ “الغمَّاز” من مكانٍ فوقي يراها ويرويها لنا على لسان أبطالها.
وهم هنا ليسوا أبطالًا بالمعنى المفهوم، وإنما أبطالٌ ضدّ، بشر عاديُّون، هامشيُّون، يكتسبون بطولتهم من بساطة حياتهم، وقدرتهم على مواجهتها.
سيِّداتٌ فلَّاحات، عاملاٌت، بناتٌ صغيرات، رجالٌ تتراوح بطولتهم بين النصر والهزيمة، القوَّة والضعف.
هم شخوصُ قصصٍ تدور في يوم واحد، يوم مُكرَّر، ربما يحدث في محطاتٍ متشابهةٍ لعابرين آخرين.
مجموعة قصصية متماسكة ومختلفة، بغلاف جذاب وثيمة واحدة عن المهمشين والعابرين في محطة قطار. نجحت هبة في تسليط الضوء على معاناة شخصياتها وابراز سبب وجودهم على رصيف المحطة المزدحمة. "الغماز" هو الشاهد الذي لا يمكنه تغيير الأحداث ولا انقاذ الضحايا أو مسح دموع الغرباء. للكاتبة قدرة على الوصف ورسم ملامح شخصياتها بدقة وبموهبة سينمائية. القصص المفضلة لدي في المجموعة "توهة" و"ابن المحطة" و"مرفوض". النصوص جاءت قصيرة دون استرسال أو وصف زائد
قدمت لنا الكاتبة المبدعة "هبة الله أحمد" المتتالية القصصية الممتعة "حكايات الغماز"، فاجأتنا في البداية بأن من يحدثنا هو عمود إنارة من أقدم أعمدة محطة مصر للقطارات بالإسكندرية، يحمل فانوسه المعدني بضوئه الغماز، ذلك العمود الصامت والراوي، والمانح للضوء والدفء والتفهم لكل من يقترب منه، ويبوح له.
قصص رقيقة شجية، تطوف بنا في أعماق حكايات الناس، لقطات قصيرة مبدعة تنقلنا إلى عوالم متنوعة، نتقاطع مع كل منها، نتأملها، ثم نمضي تاركين الحكاية لحكاية أخرى، بعد أن تكون قد أودعت فينا معنى جديد.
اقتربنا من شخصيات الحكايات، وعشنا معهم الأحداث، وشعرنا معهم بكل الأحاسيس، هم غرباء عابرون، وكذلك نحن، لكل منهم حكاية، وكذلك نحن، الغماز يرى ويروي لنا، عن سلامة الشاويش وفتحي ومحمد عطوان الناظر وأبو النور مدني صاحب الكشك، وسعيدة وشوق، وحياة وفرج وتركية، وكردوسة وسفروت ورضا وهايسندا، وهانم ولوزة، وغيرهم من العابرين والمقيمين.
🔷️الغماز بدأت الحكايات من عتبتها الأولى، عندما تعرفنا على الغماز، ثم مضينا معه نستمع إلى عشرين حكاية.
🔹️صباح الخير يا رب سمعنا مناجاة سعيدة ورأينا ثورة شوق، تشكوان من قسوة الحياة، وتنتظران أن تأتي لهما الأيام بالأمل.
🔹️سيمافور شهدنا سلامة شاويش في عالمه الضائع، ما زال يمرر أيامه، ويطارد فتحي حتى الصفحات الأخيرة.
🔹️توهة بكينا مع حنان وأمها فاطمة، وحين عادت حنان، شعرنا بالعجز تمامًا مثل الغماز.
🔹️رب القلوب غالب عرفنا حكاية أبو النور مدني، وسمعنا صدحه، بين مديح السيدة زينب وصورة السيدة مريم.
🔹️انتقائية تعجبنا من ذي النظارة السوداء، بعماه الانتقائي، وتركناه يبحث عن حسناء تأخذ بيده.
🔹️طيبة تابعنا طيبة، نسمة الخريف، وسمعنا صراخها مع نفير القطارات، ولقاء وهيب الأخير، وصورة السيلفي.
🔹️لقطة أخيرة تحلقنا حول المرحوم، نحاول أن نعرف شخصيته، وسط بكاء الجميع، والتفافهم حوله وحول أنفسهم.
في القصة الأخيرة تلاقت شخصيات القصص في "لقطة أخيرة"، كان لقاءً مهيبًا، عندما كان كل واحد يسترجع وجعه، ويبكي حاله، حينها أشعلت كل شخصية شمعتها من جديد، مودعةً القاري.
بين انتظارات ووصولات، لقاءات وفراقات، ذهابات وإيابات، بدايات ونهايات، أدركنا أن الغماز لا يقف فقط داخل محطة قطارات، لكنه يطل على الحياة كلها، يمر تحته الناس وحيواتهم، يستمع إليهم ويتفاعل معهم، ثم يمنحنا هذه الحكايات.
في "حكايات الغماز"، وجدت هذا الأدب الإنساني المتأمل، هذه اللغة السردية البديعة، هذا الراوي المبتكَر، هذه الومضات الخاطفة والشذرات المتناثرة، هذه الدفقات الفكرية والوجدانية المنسابة، هذا الجمال السخي، ووجدت كاتبة مبدعة وبارعة، تمتلك كل أدواتها، وننتظر منها الكثير.
تؤسس "حكايات الغمّاز"، للكاتبة المصرية هبة الله أحمد، منذ لحظتها الأولى، للخدعة الفنية: تدّعي أنها متتالية قصصية فيما تشيّد عالمًا روائيًا تدور أحداثه داخل محطة قطار بالإسكندرية، وداخل إطار زمني هو يوم واحد، وبصوت راوٍ واحد، هو الغمّاز، أو عمود الإنارة، على طول القصص جميعها. وفيما يتصدّر العنوان كلمة "حكايات"، بما تحمله من دلالة شعبية تتصل بالفولكلور الشفاهي أكثر منه بالأدب المكتوب، تروح المتتالية إلى قصص العابرين بالمحطة نفسها، أو من اضطرتهم الظروف للإقامة فيها. هذا التأسيس الجمالي يمثّل في صورته الأعمق فلسفة العمل السردي، إنها قصص لا تحكي ما تروم حكايته، وإنما ما تروم إخفاءه، وهي بذلك تتبع نصيحة بورخيس في كتابة القصة، إذ "كل قصة ينبغي أن تحكي قصةً أخرى"، وإن كانت الكاتبة تروح في بعض القصص إلى أبعد من ذلك، حيث القصة تحكي قصصًا متعددة. https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/b...