رغم أنَّها لم تغادر قريتها يومًا، إلَّا أنَّ نبيلة بَـنَـت عالمًا كاملًا في الخفاء، بأدواتٍ بسيطةٍ لا تتعدَّى موادّ صناعة الخبز. في ظلِّ واقعها الصارم والجافّ، تستثمر نبيلة المساحات العاطفيَّة المحدودة المتاحة لها، وتتقن فنَّ التأثير الهادئ، متحايلةً على قيود مجتمعٍ محافظ.
روايةٌ عن الصبر الذي ينضج على نارٍ خافتة، وعن التفاصيل الصغيرة التي تشكِّل لوحة الحياة الكبرى، وعن الحرِّيَّة التي تتحقَّق من دون ثورةٍ أو حرق جسور.
حنين الصايغ شاعرة وروائية لبنانية من مواليد جبل لبنان. حاصلة على إجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها، وشهادة ماجستير في تدريس مناهج اللغة الإنجليزية من الجامعة الأميركية في بيروت. تعمل في التدريس والترجمة الأدبية. صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية: "فليكن" (2016)، "روح قديمة" (2018)، و"منارات لتضليل الوقت" (2021). روايتها الأولى "ميثاق النساء" (2023) صدرت عن دار الآداب ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2025. صدر لها أيضا رواية "ثمرة النار" 2025 عن دار الآداب.
بوصفِي قارئًا نَهِمًا منغمسًا في الأدب العربي المعاصر الذي لا يتردد في اقتحام العوالم المعقّدة لحياة النساء داخل المجتمعات المحافظة، وجدتُ في رواية حنين الصايغ عملاً أدبيًا بالغ النضج، شديد الكثافة، ومتقدمًا على مستوى الرؤية والاشتغال النفسي والفلسفي، إذ لا تكتفي الصايغ هنا بتوسيع عالمها الروائي أو استكمال مصائر شخصيات سابقة، بل تعيد صياغة سؤال الاضطهاد النسوي نفسه من الداخل، من منطقة الصمت الطويل، والاحتمال المتراكم، والوعي الذي يتشكّل ببطء عبر الألم لا عبر الصدام. تمتد الرواية زمنيًا من ستينيات القرن الماضي حتى عام 2024، وتتحرك مكانيًا بين قرى جبلية درزية مغلقة في لبنان، وبيروت بوصفها فضاءً للتماس مع العالم، ودبي كرمز للانفصال الجغرافي الذي لا يضمن تحررًا داخليًا، لتقدّم سردية أربعة أجيال تتوارث الجرح لا بوصفه لعنة فقط، بل بوصفه معرفة قاسية تُعاد صياغتها بأشكال مختلفة.
في قلب هذا العمل تقف نبيلة، الأم والزوجة والخبّازة، التي تنتقل من موقع الشخصية الثانوية في ميثاق النساء إلى المركز الأخلاقي والوجداني للرواية، في تحوّل بالغ الدلالة؛ فبينما كانت الرواية الأولى مشدودة إلى صوت أمل، الابنة المتمرّدة، ذات الخطاب الواضح والاحتجاجي، تأتي ثمرة النار لتمنح الكلمة لمن بقي طويلًا في الظل، لمن لم يصرخ ولم يغادر، لمن عاش داخل القفص وحوّله، بصمت، إلى مساحة تنفّس ضيقة لكنها حقيقية. نبيلة ليست بطلة بالمعنى التقليدي، ولا امرأة ثائرة تكسر القواعد علنًا، بل كائن إنساني تشكّل عبر الامتثال القسري، والزواج المفروض، والفقر، والعمل المضني، وتحمل عبء الإعالة العاطفية والمادية للأسرة، حتى غدت شخصيتها مشطورة بين خارج مطيع وداخل متصدّع، وهو هذا التشظي بالذات ما يمنحها عمقها الإنساني، إذ ترفض الصايغ أن تمنحها خلاصًا سهلاً أو بطولة زائفة.
ومن خلال تفاصيل حياتها اليومية، العجين، الخبز، حرارة الفرن، الصمت الطويل في البيت، تبني الرواية استعاراتها الكبرى، فيغدو الخبز فعل وجود، ومحاولة لترميم الذات، وطريقة لإنتاج معنى من القليل، فيما تتحوّل النار من عنصر عقابي إلى شرط للنضج، وهو ما يفسّر العنوان بوصفه مفتاحًا فلسفيًا للرواية: ثمرة النار كمفارقة تجمع الخصب بالاحتراق، وتفترض أن الوعي لا يُولد إلا بعد المرور بأقصى درجات الألم، وأنَّ الإنسان لا ينضج إلا حين يُختبر حدّه الأقصى. هذا المعنى يتجسّد في العالم السري الذي تنسجه نبيلة عبر الإنترنت، العالم الممنوع دينيًا واجتماعيًا، حيث تتخفّى خلف أسماء مستعارة مثل عاشقة الظل وندى، وتدخل في مراسلات مع زوجها علي، المعروف بلقب نسر الأعالي، من دون أن يعرف أيٌّ منهما حقيقة الآخر، في مفارقة درامية بالغة القسوة تكشف فراغ العلاقة الزوجية، ونفاق مجتمع يجرّم التواصل الحقيقي ويكتفي بمحاكاة الاستقرار. علي هنا ليس جلادًا نمطيًا، بل رجلًا متجمّدًا، رمزًا لسلطة أبوية تملك حق المنع ولا تملك القدرة على الحضور أو الحب، جسدًا بلا روح، ووصاية بلا عاطفة، وهو ما يعكس التحوّل اللافت في خطاب حنين من الإدانة الصريحة في ميثاق النساء إلى مقاربة أكثر رحمة وتعقيدًا ترى الرجال أيضًا ضحايا تنشئة قمعية لا تقل قسوة، وإن اختلف موقعهم داخل الهرم الاجتماعي.
تدور حول نبيلة شبكة واسعة من الشخصيات النسائية التي لا تُقدَّم بوصفها نماذج مستقلة بقدر ما تُقدَّم كتنويعات على الجرح نفسه. حيث تمثل الأختان سمر وأسماء مسارين متناقضين، الأولى تعود إلى القرية محمّلة بخيبة حب لتنتهي بالموت، والثانية تنغلق في التدين بوصفه درعًا من العالم، فيما تظهر شخصيات مثل راغدة التي تختار الغياب خلاصًا، وذوقان الذي يحمل عبء الانتماء حتى الاختناق، ومهند، الحب الأول العالق في الذاكرة، لتؤكد جميعها أنَّ الفقد ليس حدثًا استثنائيًا، بل حالة بنيوية في هذا العالم. حتى شخصيات السلطة الأبوية مثل أبو طاهر ورعدان لا تُختزل في صورة الشر المطلق، بل يُعاد تفكيكها عبر الاسترجاعات الزمنية بوصفها نتاج منظومة طويلة من الخوف والاختيارات المؤجلة، ما يخلق مساحة تعاطف مشروطة، لا تبريرًا، بل فهمًا للسياق.
تمارس الرواية نقدًا عميقًا للمجتمع الدرزي المغلق عبر كشف آليات القمع اليومية كالصمت، الرقابة، تفضيل الذكور، الفقر العاطفي، وتحويل التأويل الديني إلى أداة ضبط، وصولاً إلى تحريم الإنترنت بوصفه خطرًا أخلاقيًا، فيما هو في الحقيقة نافذة الوعي الوحيدة المتبقية. اللافت أنَّ النساء في هذا العالم لا يظهرن كضحايا سلبيات فقط، بل كحارسات غير واعيات للنظام نفسه، يمارسن جلد الذات ويعيدن إنتاج الخوف، وهو ما يجعل القمع بنية جماعية لا فردية. إدخال شخصيات "الآخر" مثل مكرم، الداعم لقضايا الميم، جاء ليوسّع مدى الرواية ليشمل كل أشكال الاختلاف المقموعة، حتى وإن بدا هذا المسار أقل اندماجًا عضويًا من المسارات النسائية.
ومقارنةً بميثاق النساء التي ركّزت على الاحتجاج، والتعليم، وكسر القيود الخارجية، تنزاح ثمرة النار نحو الداخل، نحو سؤال التكوين النفسي، والحرية التي لا تكون دائمًا صاخبة، بل قد تعيش في الهامش، في الذاكرة، في الرغبة المكبوتة، في محاولة حماية الأبناء من وراثة الخوف كاملًا. ذروة هذا المسار تتجسّد في قرار نبيلة، في الستين من عمرها، رفض العلاج الكيميائي كفعل وعي متأخر، ومصالحة موجعة مع جسد أنهكه الامتثال، واعتراف صريح بندمها على ما أورثته لبناتها من صمت. وعودة أمل في الجزء الأخير من الرواية، وقد تحوّل تمرّدها إلى مسار أكاديمي وإعلامي، وتفاعلها مع ابنتها رحمة التي تشارك في مشاريع بيئية ترمز إلى التجدد، تأتي كإشارة إلى تحوّل بطيء في شكل المقاومة، من المواجهة إلى الفهم، ومن الثورة إلى إعادة بناء المعنى.
تقترح الرواية أن الحرية ليست حدثًا واحدًا، بل عملية مؤلمة، وأن الوعي لا يُنقذ صاحبه بالضرورة، بل يثقله، وأن الصبر ليس فضيلة سلبية بل استراتيجية بقاء، وأنَّ الغفران، كما في رجاء نبيلة أن تسامح أمل أباها، ليس تبرئة، بل محاولة لقطع سلسلة الجرح. وتعتمد حنين لغة مشبعة بالرماد، كثيفة، شعرية، بطيئة الإيقاع، تُراكم المعنى عبر التكرار والرمز والصورة، لا عبر الحدث، ما يمنح النص عمقًا نفسيًا وفلسفيًا لافتًا، لكنه قد يرهق قارئًا يبحث عن حبكة متصاعدة أو نهاية مغلقة، إذ ترفض الرواية تقديم خلاص أو تطهير، وتصرّ على ترك الأسئلة مفتوحة. ومع ذلك، فإن هذا الرفض للتبسيط هو ما يجعل ثمرة النار عملًا يضحّي بالآنية لصالح الأثر الطويل، ويقدّم النساء لا بوصفهن رموز مقاومة فقط، بل بوصفهن عوالم أخلاقية معقّدة تعيش بين الحب والخوف، الامتثال والقوة، الصمت والوعي.
لا تقف هذه الرواية عند حدود السرد النسوي أو النقد الاجتماعي، بل تتحوّل إلى تأمل إنساني عميق في معنى أن نحيا داخل القيود، وأن ننضج عبر الاحتراق، وأن نستمر رغم كل شيء، تاركةً أثرًا لا يتمثل في رسالة مباشرة أو حبكة، بل في حالة وعي طويلة الأمد. إدراك كم من الأرواح تعيش في صمت، وكم من الشجاعة يتطلب مجرد الاستمرار، وكيف يمكن لشيء إنساني، هشّ ومضيء في آن، أن يثمر داخل النار بدل أن يلتهمه الاحتراق.
عمل له لغة جيدة، لكن سرده بطيء وممل ومحشو بكلام لم أجده خدم العمل كثيراً. في هذا العمل، تسرد حنين الصايغ سيرة نبيلة، والدة أمل وتطرح موضوع ظلم المرأة في المجتمع الدرزي. ما الجديد الذي جاءت به حنين في هذا العمل؟ لا جديد بالمطلق، تكرار لذات الأفكار والثيمات التي جاءت في ميثاق النساء ولكن زادت عليها ثيمة الدرزي المثلي.
الأعمال التي تبنى على أعمال سابقة للمؤلف لا بد وأن تطرح شيئاً جديداً. هذا العمل لم يطرح أي فكرة جديدة وإنما استرسل في ذات أفكار ومواضيع رواية ميثاق النساء بحشو وكلام أصابني في ضجر قاتل. فقط ركبت الأفكار لشخصيات أخرى. كنت سأعطيه نجمة واحدة، لكن النجمة الأخرى لمشهد موت نبيلة.
رواية «ثمرة النار» للكاتبة اللبنانية حنين الصايغ عمل أدبي يفيض بالتماعٍ إنسانيٍّ عميق، يتناول معنى النضج والصبر والحرية في وجه القيود الصامتة التي تحيط بالمرأة والمجتمع. ليست الرواية عن ثورةٍ صاخبة ولا عن تمرّدٍ ظاهر، بل عن احتراقٍ داخليٍّ بطيء يولّد الوعي، وعن نارٍ تُنضج أكثر ممّا تُفني، حتى يغدو الألم نفسه طريقًا إلى المعرفة والاكتمال.
تتمحور الحكاية حول امرأة تُدعى نبيلة تعيش في قرية عينصورة، لم تغادرها يومًا، لكنها بنت في عزلتها عالماً موازياً، تصنع فيه خبزها وكينونتها معًا. إنّها امرأة عادية في الظاهر، لكنها تحمل في داخلها إرث أجيالٍ من النساء اللواتي عبرن القهر بالصبر، والحرمان بالاستمرار. من الجدّة إلى الأم إلى الحفيدة، تمتدّ سلسلة من الحيوات الأنثوية التي تُعيد الصايغ من خلالها رسم صورة المرأة العربية وهي تنضج على نارٍ خافتة، لا تشتعل لتحرق، بل لتضيء وتطهّر.
لكنّ نبيلة، على الرغم من صبرها الطويل، تعيش غربةً خفيّة داخل بيتها، وغرابةً مؤلمة تجاه زوجٍ شاركته العمر أكثر من خمسةٍ وأربعين عامًا من الصمت والاعتياد، دون أن ينجحا في عبور المسافة الخفيّة بين الجسد والروح. إنّها غربةٌ لا تصدر عن الفراق، بل عن الألفة الباهتة التي تذيب المعنى شيئًا فشيئًا، حتى يصير الحب ذكرى، والمشاركة طقسًا آليًّا من البقاء المشترك.
في عالم الرواية، تتحوّل التفاصيل اليومية – عجن الخبز، انتظار الفجر، أحاديث الجارات، وتغيّر الفصول – إلى رموزٍ للزمن الإنسانيّ نفسه، زمنٍ لا يُقاس بالساعات بل بمدى احتمالكِ لما لا يُقال. فنبيلة ليست فقط امرأةً محاصرة بالتقاليد، بل هي أيضاً مرآةٌ لداخلنا نحن، حين نقف بين الرغبة في الهروب والوفاء لجذورنا، بين الخوف من النار والحاجة إليها لتُخرجنا من العتمة.
تكتب حنين الصايغ بلغةٍ شفّافةٍ وحارّةٍ في آنٍ واحد، تجمع بين رهافة الشعر ودقّة السرد، لتصوغ نصًّا يقطر صدقًا وتأمّلًا. فهي لا تروي مأساةً واحدة، بل تستدعي ذاكرة جماعية للنساء في مجتمعاتٍ تتوارث الألم كما تتوارث الحكايات. غير أن الصبر هنا ليس استسلامًا، بل قوّة خفيّة، ووعيٌ متدرّج بأن النار، مهما أحرقت، قادرة على أن تُعيد التشكيل.
في نهاية المطاف، «ثمرة النار» ليست عن امرأة بعينها، بل عن الأنثى ككيانٍ يُولد من الرماد كل مرة؛ عن الحرية التي لا تأتي دفعةً واحدة، بل تترسّب في الجسد واللغة والحلم شيئًا فشيئًا، حتى تصير الحياة نفسها ثمرةً ناضجة، أخرجتها النار من قسوتها لتصير أكثر صفاءً وامتلاء.
إن الجميع مثقلون بالخيبة والارتباك وإن الحياة أسرع من أن يراجع المرء نفسه أسرع من أن يتعلم من خطئه بينما ينشغل بإصلاح أخطاء قديمة يقع منوماً في أخطاء لم يكن يعرف عنها شيئاً الانتظار ملح القرويين ووعد من لا حيلة له أن نرى المستقبل بعين البن هو أمر ساحر وغامض يشبه ترتيبنا للنجوم في السماء لتطابق رسمة في أذهاننا أن بعض الأسئلة يجب أن تبقى بلا إجابات الألم الحقيقي لا يأتي من الآخرين بقدر ما يأتي من اهتزاز صورة المرء أمام نفسه حين يتخاذل في الدفاع عنها أن الإنسان اليائس مستعد لتصديق أي شيء النساء اللواتي أمضين أعمارهن صامتات يصبحن أكثر تذمراً لانهن يتجنبن الحديث عن الآأشياء الحقيقية التي تؤلمهن عندما يقترب الموت حتى لو عن طريق فكرة تتضاءل أمامه المخاوف والهموم الأخرى يصبح التعب مؤقتاً والخوف مؤقتاً أن مقاومة المشاعر هي الطريقة المثلى لتعزيزها يأتي الماضي على شكل صور خاطفة أحياناً أن الكلام حين يتراكم و يختمر ويتحلل داخل الإنسان يصبح كتلة عواء لا تنتظر الا ان يسمع صداها الإنسان لا يستطيع أن يهرب من مصيره الفقر مثل حائط مائل كلما حاول الإنسان سند بيديه أصبح أكثر ثقلاً ما الحياة سوى الاستنتاجات التي يعتصرها الإنسان منها وما اماني البشر سوى أن يصبحوا مثل ذلك الآخر الذي ينعم بحياة أفضل النفس البشرية مليئة بالأسرار وعلمها عند خالقها المشكلة الحقيقية تكمن في الأشخاص الذين يقبلون القوانين من غير تساؤلات أو حتى تفكير بجدواها الغضب يزيد من احترام المرء لنفسه الاستعانة بالأشياء التافهة هي حيلة البشر للهروب من أنفسهم للخوف مئات الأوجه والصور ولكل منا خوف على مقاسه خوف مركب من التجارب والأحداث والأصوات والروائح جحيم الإنسان لا يمكن أن يكون خارج رأسه في حالات الخوف يعود الإنسان طفلاً ونضخم الخسائر حتى نصغر أمامها أكثر الناس غضباً هم أكثرهم خوفاً من لم يحصل على القبول من والديه سيبحث عنه في الآخرين مدى الدهر الموت يفضح تفاهة الأمور التي تشعل فتيل الغضب في دواخلنا الموت هو الهوية الحقيقية لكل من هو حي لذلك يفضح حضوره زيف كل الهويات الأخرى تأتي المآسي لتجدد العهود بين الأفراد في مجتمع تغيب عنه كافة الإنجازات العلمية والمهنية يصبح رضا الآخرين مقياس النجاح الوحيد الذي يعرف به الفرد عن نفسه
"النساء اللواتي أمضين أعمارهن صامتات يصبحن أكثر تذمراً لأنهن يتجنبن الحديث عن الأشياء الحقيقية التي تؤلمهن." 📖 ثمرة النار – حنين الصايغ
رغم أنّ "ثمرة النار" يعتبر نصّاً مكمّلاً (prequel/sequel)؛ إلا أنني شعرت أن الكاتبة ترقع فيه بعض النقاط التي لم تكن راضية عنها في روايتها الأولى، فقد غيّرت الكاتبة نقاطاً مركزية في شخصياتها بلا مبرر سردي. التناقض الصارخ كان مع شخصية أمل بطلة "ميثاق النساء"، التي أعيدت كتابة دوافع هجرتها جذرياً: فبدلاً من الهجرة بسبب رفض المجتمع الدرزي للزواج المختلط، أصبحت الهجرة هنا بسبب "الأزمة الاقتصادية" و"خسارة الحضانة!"ومع أنّ في ميثاق النساء كانت هي من تركت ابنتها لتربيها أمها لأنها ليست جاهزة للأمومة وتركت لها رسالة على أمل أن تفهمها يوماً ما! هذا ليس اختلاف منظور، بل ترقيع سردي هشّ. كما تحوّلت نبيلة من امرأة بسيطة وظلّ لزوجها، إلى شخصية معارضة لمجتمعها منذ البداية.
حتى لو تعاملنا معها كرواية مستقلة، ما زالت الكاتبة تدور في دوائر التنظير الممل (الحب المقموع، المجتمع المتخلف، الزواج من خارج الطائفة الدرزية، مقاومة أهل القرية للحجة والمنطق، أمل البطلة الخارقة التي تقف بوجه المجتمع). ولكن الجديد كان الدفاع المباشر عن حقوق الـ🌈 تحت بند "السماح للمختلفين بأن يكونوا مختلفين".. وإضافة شخصية مهند السوري لم تكن سوى تكرار لفكرة الحب الأول الذي لا يُكتب له الاستمرار بسبب اختلاف الطائفة ولكن إضافة جنسيته كان محاولة لاقحام وضع اللاجئين السوريين في لبنان داخل الرواية. وصراحة، لم أفهم المغزى من جعله كـ"ماوكلي" يعوي مع الواوي ليلاً🫣 كما ورد بالحرف في الرواية.
المشكلة الأعمق هي غياب البناء النفسي للشخصيات، فالرواية مليئة بالحوارات المكررة من الرواية السابقة حول عقائد الطائفة الدرزية وقيود مشايخها المشددة، والمجتمع الذكوري ونظرته إلى المرأة ما جعل الرواية مملة جداً صراحة.
النقطة الأهم: عنجد شو قصتك مع الدجاج يا مدام 🥲؟ فقد شبّهت النساء به في الجزء الأول، وتكرر الوصف هنا على لسان البطلة: "ليس للدجاجة مشاعر. ونحن كلنا دجاجات في هذا المنزل وسط قفص سحري لا يكف عن التكاثر..."،يعني يمكن إيصال فكرة تقييد حرية المرأة بطرق أجمل وأكثر عمقاً بكثير.
باختصار: الإيجابية الوحيدة هي تطوّر أسلوب الكاتبة الملحوظ. عدا ذلك، لم تقدّم الرواية جديداً، بل أعادت تدوير ثيمات العمل السابق مع محاولة ترقيع تناقضاته، من دون معالجة فعلية لجوهر المشكلات السردية. وربما آن الأوان للكاتبة أن تغادر جلد المجتمع الدرزي وتكتب شيئاً مختلفاً.
لم اكن أتوقع ان القصة ستشمل العائلة ذاتها في ميثاق النساء، ولكنني مع ذلك احببت الأمر. الرواية واقعية بشكل مؤلم، وان كنت سأتذكرها فسأتذكرها بهذا الالم. نبيلة وعلي أشخاص من الواقع وأعتقد ان كل ما حاوطهما كان كذلك. القصة جميلة وتعجبني التفاصيل الموجودة فيها ومع كل ذلك جعلتني اريد الذهاب للبنان هي وميثاق النساء. الكاتبة لها طريقتها في الكتابة وقد اختلفت هنا قليلاً عن ما كانت عليه في ميثاق النساء برأي، حيث وجدت الكتابة متماسكة هناك اكثر من هنا لكن مع ذلك كتبت الرواية بشكل جميل. ولأرتباط الروايتين ببعضهما ، سأقارن واربط بينهما، حيث انني وجدت الجزء المفقود من ميثاق النساء هنا، الجزء المرتبط بعلاقة أمل مع دينها ، حيث لم تبين لنا الكاتبة منظورها عنه بعد ان استقرت في النهاية لكن ارى انها أكملت ذلك هنا وقد أعجبني انها تنبهت لذلك، او كانت هذه فكرتها منذ البدء، والحقيقة انني كنت لأُفضل استمرار القصة من وجهة نظر نبيلة لكن أمل أعطتنا منظوراً وتكملة اخرى. ومع كل ما شعرته واحببته في ثمرة النار ، وجدت القليل من عدم الانسيابية احياناً والتقطع ربما بسبب كثرة وجهات نظر الشخصيات هنا. ولم افهم ما الجدوى من ذكر المثليين في جزيئة مكرم وحتى ان كان ذلك جزءاً من بناءه الشخصي لكن لم ارى لذلك غاية او أهمية وتمنيت او ان الكاتبة لم تتطرح الأمر. ولماذا لم تذكر الكاتبة اسم زوج أمل؟ مع انه لم يكن ليغير شيء لمن قرأ ميثاق النساء اولاً لكن قد يفعل لمن بدأ بثمرة النار. والحقيقة لمن يتساءل عن بدء القراءة من اي رواية للكاتبة فأنا ارى انه من الممكن البدء بأيهما لكن قراءة ميثاق النساء اولاً سيساعد على فهم أمل أكثر ومنطلق قصتها في ثمرة النار. وعدا ذلك كانت الرواية شيقة بحزنها. وانا متحمسة من الان لكتاب حنين القادم.
اسم الكتاب: ثمرة النار اسم الكاتبة: حنين الصايغ الناشر: دار الآداب عدد الصفحات :374 هل واجهت يوماً أنك لا تستطيع أن تمسك بقلمك لتكتب مراجعة عن رواية قرأتها لفرط إحساسك بها ولاحساسك أن أي مراجعة ستكون منقوصة بحقها فهي لوحة متكاملة الأركان لا تحتاج أن تُراجع أو ان تُقولب في إطار القرّاء؟ رواية مجتمعية بامتياز تطرقت فيها الكاتبة إلى حياة قرية جبلية لبنانية تعيشها طائفة الدروز الدينية في محاولة لتسليط الضوء على المعتقدات الدينية لدى هذه الطائفة بالاضافة إلى الدور النسوي المحوري في القرية وفي الطائفة. تجسد الدور الرئيسي في الرواية حول حياة نبيلة الابنة والأخت والحبيبة والزوجة والأم والجدة من خلال رجوع نبيلة بالزمن لسرد أحداث حياتها منذ طفولتها وحتى مماتها واستبسالها بالمقاومة والعيش بالرغم من عدم إكمالها لتعلميها وعدم خروجها من القرية. فشخصية نبيلة تمثل حضوراً داخياً في مجتمعها زوجة شيخ في الطائفة الدرزية إلا أنه أيضاً ذات حضور خارجي بدعمها لبناتها وعدم نبذها للأفراد المختلفين عن الطائفة ودعمهم وهذا التناقض في شخصها منحها بعداً انسانياً معقداً حاضراً في أذهان كل من كان قريباً منها. وقد تقاطعت حياة نبيلة مع حياة ابنتها أمل في هذه الرواية فهل ستحل أمل مكان نبيلة في حياة علي وحياة أخواتها ؟ في ثمرة النار استطاعت نبيلة أن تمزج بين النار والخبز صنعتها الرئيسية فثمرة النار من وجهة نظر مهيبة (أمها لنبيلة) لأنها ولدت أمام نار موقد الخبز إلا أن النار هنا ومن وجهة نظري أراها رمزاً للتحول والنضوج الداخلي الذي صقل شخصية نبيلة وجعلها تحارب للحفاظ على زوجها والتعامل معه واحتوائه بالرغم من خلافاتها الفكرية والشعورية معه ودعمه وتطويع آرائه بما يريحه ويخفف من سطوته على بناتها إضافة إلى محاربتها لدعم بناتها في خطوط حياتهن التي اخترنها وانطلقن بها بالرغم من قساوة الحياة والفقر والتعب فكما تقول الكاتبة في إحدى سطور الرواية “كلما احترقتُ، صرتُ ألينَ أكثر، وأقربَ إلى أن أكون خبزًا صالحًا للعيش.”. أما الخبز صنعتها التي أتقنتها وأطعمت الكثيرين منها فهي ترتيب لحياتها على طريقتها بعجنها العجين كما تقول" حين تعجن العجين فإنها تعجن ذاكرتها وتعيد ترتيب العالم على طريقها"فالخبز في الرواية ليس طعامًا بل ذاكرة جماعية، فكل رغيف يحكي وجعًا لأخ في المنفى وصديقة رحلت لتعيش حياتها وابنة هاجرت وتركت ابنتها في كنف نبيلة لتربتها، وكل فتاتٍ منه يحمل حكاي�� امرأة صامتة عبر الأجيال. لغة الرواية وكلماتها بسيطة لكنها مليئة بالوجع والجمال. تجذب القارىء من اول حرف بها لآخر حرف حتى أنه وكأنها تهمس في أذنه وشوشات خفيفة حول هذه الحياة وتأخذه إلى حيث تدور أحداث الرواية بأماكنها وأزمانها
مثل نبيلة، أنا بنتُ الجبل. عشتُ في بيتٍ يشبه أهله عائلةَ نبيلة كثيرًا، ويختلفون عنها كثيرًا أيضًا. لكن عليّ أن أعترف بأنني، وبرغم أنّني أقرأ كلّ ما تقع عليه يداي، لم أطالع أعمالًا تُعرّي حياتَنا، حياةَ أهل هذا الجبل، كما تفعل كتاباتُ الأستاذة حنين الصايغ.
لا أبالغ إن قلتُ إنني ألتهم صفحاتِ ��واياتها التهامًا، بل أعبّها عبًّا كدفقاتٍ من الهواء، أحتاجها لأفهم مجتمعًا وُلدتُ فيه، وعشتُ بعيدةً عنه بما يكفي ليُحيّرني، وقريبةً بما يكفي ليكون جزءًا لا ينفصل عنّي، وإن لم أستطع الحديث عنه، أو شرح تفاصيله لأحدٍ بدقّة.
وجدتُ كثيرًا من نساء ورجال عائلتي، كبارًا وصغارًا، في نبيلة وعلي ومهيبة. ووجدتُ نفسي أترك الرواية بأسئلة أكثر من إجابات، وما هذا إلا دليل على قراءة عملٍ أدبيٍّ من العيار الثقيل… روايةٌ تملك من القسوة ما يكفي لتفتح العينين والعقل، ومن اللين والحنين ما يكفي ليغلف القلبَ بطبقةٍ رقيقةٍ من الحب، ومشاعرَ أخرى كثيرةٍ لا أجد لها اسمًا في قاموسي.
لم يكن إنهاء هذه الرواية في مقرّ عملي فكرةً جيّدة، إذ غلبتني الدموع علنًا. لكنني، في الوقت نفسه، لم أستطع انتظار العودة إلى البيت لأكملها. مثل أمل، عشتُ، وأعيش، في دوّامةٍ لا تنتهي، بين الغضب من تقاليدَ وعاداتٍ لا أجد لها تفسيرًا، وبين الشفقة والحزن على كثيرٍ من أبناء هذا المجتمع، الذين يتمسّكون بها من منطلقِ الخوف لا غير، وهم، في بواطنهم، طيّبون وبسطاء أكثر مما يمكن لأحدٍ أن يتخيّل.
أفترض أنّ هذه لعنةُ الجبل التي نُولَد بها: نقبع فيه، ونُحبّه، ونُحبّ أهله، لكنه يقسو علينا بقسوتهم، وقسوتهم كحجارته، عصيّةٌ على الكسر، غير أنّ باطنها ليّن، لا يظهر إلا بعد فوات الأوان.
لا أتمنى أن تتوقّف الأستاذة حنين عن الكتابة أبدًا، فهي تُعير صوتها لمئاتِ الآلاف من النساء والرجال في هذا المجتمع. وأعظمُ هديةٍ يمكن أن يمنّ بها أحدٌ على آخر هي أن يراه… شكرًا لأنك ترَيننا، أستاذةَ حنين… وشكرًا لأنكِ وجدتِ الكلمات لروايةِ حكاياتِنا.
تعود الكاتبة في هذا الجزء الثاني بعد (ميثاق النساء)، لاستكمال سيرة النساء في قرية الدروز في جبل لبنان. هكذا تصر على استكمال سيرة الأم (نبيلة)، كأنها جذر الحكاية منذ البدء. تراها امرأة لمّاحة ببصيرة نافذة وقوة خفية، وقدرة على إدارة حياة مهيضة ينقصها العنفوان، وتقيدها الأعراف، ويحكمها المتنفذون من رجال الدين. وهكذا من خلال العلاقة المعقدة بين الإبنة والأم، تبني الكاتبة معمارية الرواية، متأرجحة بين الشفقة والغضب، بين الاعتداد بحكمة الأم وحنكتها وبين نفورها من استسلامها الغامض للضعة وقبولها بأقل القليل، بين محبتها الطاغية لها والشعور الخفي بالذنب إزاءها. وحول الأم التي هي محور الحكاية تترتب حكايات وشخصيات ذات صلة، لتكمل المشهد العام لمجتمع يرزح تحت أعراف وتقاليد وديانة، كانت المرأة فيها الحلقة الأضعف. وبمثل معاناة المرأة عانت فئات أخرى من المختلفين، والمتمردين، وكل من اختار أن يحرر نفسه من التبعية والخضوع، ويدفع الثمن باهظاً.
ثمرة النار للكاتبة حنين الصايغ رواية مكتوبة بحساسية عالية، تجمع بين بساطة السرد وقسوته في الوقت نفسه. تتناول رحلة امرأة تبحث عن ذاتها بين العائلة، علاقاتها الأولى، الخوف، والحرية. أهم ما يميّز الرواية هو صدق المشاعر وجرأة الكاتبة في مقاربة موضوعات مرتبطة بالجسد، والذاكرة، والأنوثة، دون مبالغة أو افتعال. النص مكثّف، لغته محكمة، والشخصيات قريبة جدًا من الواقع. الرواية تُقرأ بسرعة… لكن أثرها يبقى طويل. أنصح بها لكل قارئة تبحث عن صوت أنثوي واضح، ولغة تلامس الداخل دون حواجز
نحن النساء نحب أمهاتنا بطرقٍ لن يعرفن عنها شيئًا. نشعر بالذنب ما حيينا حيال الحيوات التي لم يعشنها الى كل الأمهات الاتي لم يكنّ إلى كل الأمهات اللاتي لن نكونهن أبدًا..
كانت هذه هي الجملة الافتتاحية التي ابتدأت بها حنين روايتها وبالرغم من أنها قراءتي الأولى لها، كنت متأكدة أن هذا العمل الأدبي سيلامسني بشكلٍ ما.
نبيلة كانت تعجن الخبز مع فجر كل يوم عمرًا كاملًا، فمضى العمر وهي تعجن، لتستوي شيئًا فشيئًا… دون أن تحترق.
ثمرة النار ليس عملًا أدبيًا صاخبًا يتحدث عن حق النساء الضائع في مجتمعاتنا العربية، وليس عملًا ثوريًا يحكي كيف يمكن للأمهات أن يفنين عمرهن سدى، بل عمل حقيقي يحكي عن الصبر، وعن الأحلام المهدورة، وعن العمر الذي يمضي دون مسرات كبيرة أو حزن مفجع.
يحكي عن رغبتنا في التمسك بجذورنا ما حيينا، بالرغم من رغبتنا في اقتلاعها، عن حبنا لأمهاتنا، وعن رغبتنا المستميتة في ألّا نكون نسخًا لهن، ولا لحياتهن، وأننا بكل الطرق نرفض أن نرى أمهاتنا كمرآةٍ لنا. لكننا نقف بعد كل محطة لنرى أن تأثيرهن علينا أكبر بكثير من قدرتنا على إزالته.
عن ترقبنا إلى خاتمة لوجعنا عن الحرية التي ندعو لها كل يوم دون القدرة على الوصول إليها، عن رغبتنا في الهرب من كل شيء: من سلطة الدين، ومن سلطة المجتمع، ومن سلطة العائلة، غير مدركين أنه لا يمكن لنا أن نهرب أبدًا من ذواتنا وأننا نحملها معنا حيثما ظننا أننا نجونا
عمل رائع كتبت فيه حنين الصايغ بشكلٍ عربي، وبمشاعر عربية.
Well if #ميثاق_النساء was excellent, then #ثمرة_النار is brilliant! While it builds on the first book, it delves deeper into the past of its characters and their present too, resulting in a rich and intense family saga, with many an interesting character that deserves their own story. Highly recommended read ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️
يعجبني أسلوب حنين الروائي وتمكنها اللغوي المناسب للبيئة التي تدور فيها الأحداث، كما تعجبني العوالم التي تشكلها لشخصياتها، وأكثر ما أعجبني في هذه الرواية -وهي الثانية التي أقرؤها لحنين- هو إدخال شخصيات من رواية ميثاق النساء. حضور شخصيات من روايات أخرى يوسّع خيال القارئ ويفتح المجال لروايات أخرى تحكي حكايات أخرى عن عالم الدروز. لا أدري، سأنتظر خيال الكاتبة.
يعني بداية لي غير موفقه بفي بداية هذا العام رواية ممله كلها انتقاد للمجتمع الدرزي واضطهاد المراه لا يوجد جديد تطرحه الكاتبه ، اضافة فقرات التعاطف مع الشاذين غير مفهومه فقرة جورج مايكل ليش!!! افكار مكرره والخاتمه موت نبيله شكله الجزء الثالث رح نشوف اولاد نبيله وخواتها مسلسل تركي صفت
رغم تشابه الأفكار بينه وبين "ميثاق النساء " وذلك من ناحية تصوير المجتمع الدرزي، وطريقة حيواتهم إلا ان قلم الكاتبة وقدرتها البلاغية ، وتنقلها الرشيق بين الأزمنة، هي ما جعلت العمل ماتعًا ورائعا.