مرحبًا بالقرّاء الأصدقاء، تُمثّل هذه التّجربة رؤيتي للنصّ الشّعري الحديث، إيمانًا بالموسيقى والقافية، وتحريرًا من القيود الشكليّة ليغدو النص كما لو أنّه نثرٌ منظوم.
انتقيتُ هذه النّصوص من تجربتي اعتمادًا على سينمائيّة اللحظة، فهنا القصائد تُصوّر أكثر ممّا تقول، وتحذف أكثر ممّا تُضيف، وتعتمد على البطء أكثر من السّرعة؛ تبجيلًا للحظات الوقوف، الوقوف على الأحلام الشاردة في وضح النّهار.
قراءة ممتعة لكم، وامتنانٌ لا متناهٍ لكل من يمرّ بهذه القصائد.
عِطرُ الشَّجرةِ الوحيدةِ، مجموعةٌ شِعريَّةٌ للكاتبِ أحمد الرُّويعي، في (١٥١) صفحةٍ تتشكَّل كأنَّها مرآةٌ مُعتمةٌ نُطلُّ منها على أرواحِنا الهشَّة. فحين قراءتي لها بدأتُ أشعرُ كأنَّني جُثَّةٌ هامدةٌ وسطَ فوضى الوجود، ثمَّ اعتراني تَّساؤل: أين هي رُوحي؟ هل تَطفو وسطَ هذا الحفلِ التَّنكُّري؟ أين أنا؟ بين هذا الحشدِ لا أشعرُ بذاتي إلَّا بكوني جُثَّةً بقيتْ في هذا الكون، والرُّوحُ تتأهَّبُ للرَّحيل من حيثُ لا أعلم…
أشعرُ بالانطفاءِ، و رُوحي تذبلُ شيئًا فشيئًا، يَهلِكني التَّفكيرُ كأنَّه أداةٌ تجرفُ عقلي إلى التيه، وتتشتَّتُ كلُّ مداركي، فتخلق تساؤلاتٌ عن عبَثِ الوجودِ والبحثِ عن الذَّات وسطَ فوضى العُثورِ على المعنى.
هكذا تَنقلُنا هَمساتُ عِطر الشَّجرة الوحيدة تارةً بين حديثٍ مع الذَّات، وتارةً بين التَّجوُّل وسطَ طُرُقِ العدم.
إنها جنة الشعر .. قطاف الحُلم و الصحو ، و مأوى الشاعر المرتحل في مدى القافية .. هذا الشعر نستعذب محاورته ، الذي يوطّن منفى سيرته حرفا إثر حرف و يؤكد أن تجربة الكتابة الشعرية تتعقل حين جنونها . تجربة مائزة ، إذا من اللافت في زحام النصوص المكرورة و التراكيب المتوقعة أن يبرز صوت شعري يذكر متلقيه ( بالذات و مواجهاتها من جهة و بالفرادة من جهة أخرى ) .
عناوين القصائد في هذا الديوان هي نوافذ، وربما يكثر في الديوان ذكر لأماكن مثل الغرفة، الصحراء، المحراب، النهر،الفردوس، الجزيرة، الجب ،القبو وأيضا أشياء مثل الشجرة، القبة، وغيرهم. في الأماكن نشعر بالحدود، ومن خلال الأشياء نستدل على الأماكن، الشاعر من خلال الأماكن والأشياء، يرسم مشاهد شعرية ذات عمق فلسفي، وأيضا ذاكرة. لا تخلو القصائد من حفر في معنى الهوية،صراع داخلي يترجمه القلق تارة، والتردد تارة أخرى أو بالأصح ارتداد بين فكرتين، مثل الكفر والإيمان، الحياة والموت. ❞ هُوَ واقِفٌ جِداً..
يُرَاقِبُ بَيْضَةَ المَعْنَى
وَيَأْكلُ نَفْسَهُ
ليَجُوعَا..
ويَحُوْلُ عَنْ ثَديِ الهُويَّةِ حيثُ تَرْفضُ منْهُ إِلا أَنْ يَكُونَ رضِيعَا..! ❝ . يبدو لي تأثر الشاعر بقصائد محمود درويش من خلال بعض المفردات أو التراكيب.
❞ كأنَّهُ عَنْ نَفْسِّهِ يتَفَكَّكُ!! ❝ بعض القصائد كانت مصداق لهذا الشطر.