إنْ تكن اللغة موضوعًا يُبليه الطَّرْقُ فنصوص هذا الكتاب تسعى إلى تمحيص المجال العريض الذي تعمل فيه اللغة، بدءا من كونها ظاهرة طبيعية تُحسّ على جدران الكهوف وعلى أطراف الألسن، وانتهاء بكونها نشاطًا ثقافيًا يُمارَس بين الإنسان وأخيه، وبين البَنان والآلة. تستثمر النصوص في تأملاتها حول الموضوع طاقاتٍ شعريةً وسرديةً مبتكرة يتناسب طموحُها مع الحاجة إليها، متخذة من اللغة لا موضوعًا لها فحسب، بل منوالًا تستمدّ منه أدواتها ورؤيتها الفنية وموقفها. تتخذ نصوص الكتاب هيئة موادّ معجمية منثورة أو نباتات متنوعة في مشتل لغوي ومفاهيمي ينظّم المناخ اللازم لنموّ نباتاته وازدهارها. إنها تمريناتٌ هازلة وألعابٌ جادّة في آن واحد. تُمسرح المفرداتِ والتعبيراتِ وحتى الأصواتَ أحيانًا، ثم تقترح كُوًى يمكن من خلالها النظر إلى تلك المكونات اللغوية نظرات حادّة وطازجة. فمرّة تعيد قدح شرارة الدلالة، ومرة تلفّق أساطير لغوية مصغّرة وخاصة، ومرة تخلع على الكلمات سماتٍ اختصّ بها الإنسان نفسَه، ومرة تزعزع التواطؤ الجمعي على النسيان الذي هو شرط المعنى، ومرة تقوّض استعاراتٍ مستهلَكةً وتؤسس مكانها أخرى. وهكذا تقدّم في مجملها تصوّرًا واضح الملامح عن اللغة يتجاوز مجموع الفُرَجِ المنفتحة عليها. مثلما يعترض موشورٌ ضوءَ الشمس الأبيض فيستخرج منه ألوانًا كامنة عن النظر، تتدخل هذه النصوص بينك وبين اللغة فتتغيّر إلى الأبد طريقةُ رؤيتك لها، وترتبك علاقتُك بها، ومن ثَمّ علاقتُك بنفسك باعتبارك ذاتا يستحيل تصوّرها خارج تلك اللغة.
"الكلمات ليست أوعية للمعنى، بل كائنات تنمو بداخلنا.” لا أعلم لمن يعود هذا الاقتباس، وربما هو مما خطر لي وأنا أتصفّح تمارين معجمية؛ إذ بدا لي أن اللغة تتشكّل بقدر ما نتشكّل نحن، وأن المفردات تنمو وتتبدّل داخلنا كما لو كانت كائنات حيّة تعيد تعريف نفسها معنا، ومع كل تجربة تمرّ بنا.
لكلٍّ منّا معجمه الخاص من المفردات والكلمات والمفاهيم التي تشربناها منذ الصغر، فنمت شيئًا فشيئًا في قاموسنا الذاتي عن الأشياء ومعانيها. فأصبح لها وجوهٌ وألسنٌ وأسماءٌ متعددة، ولم تعد الذاكرة تتّسع للأطر نفسها، فخلقت لها ذاكرة جديدة تتجدّد مع كلِّ نَفَس ننمو من خلاله؛ فتنمو معه الأشياء والمعاني بشكلٍ جديد، غير الذي ألفناه بالأمس أو قبل شهر أو سنة.
فالمفردات بمعانيها متغيّرة ومتلوّنة بخطواتنا وأصواتنا الكامنة في الوجدان. فما غفلنا عنه بالأمس قد نراه اليوم بوجهه الحقيقي، أو كما نُعرِّفه في قاموسنا الذاتي. فالمفردات كالإنسان: تزدهر وتتجدّد. قد تكون ذات معنى ثابت ظاهريًّا أو صوريًّا، لكنها في الحقيقة متغيرة من الداخل؛ إذ يخلق كلٌّ منّا تفسيره الخاص. قد يكون هناك شكل واحد لمفردةٍ ما، لكنها تحمل العديد من المعاني والصور في قلب وفكر كل فرد منّا.
واحد زائد واحد يساوي اثنين، لكن عند تعريف الأشياء قد يصبح واحد زائد واحد ثلاثة، أربعة، أو عددًا لا متناهيًا. أن تكون داخل ذاتك وخارج العالم في آن.
لا أعرف بالضبط من ألوم هنا. أو مش لوم بالضبط لكن العتب؟ خليط كلمات جميعها لا تصف إحباطي. يبدو من الزخم الإعلاني قلل صدور الكتاب الذي يرافقه ايم علي لم يقودني بالإتجاه الصحيح لفحوى الكتب فآمالي وتوقعاتي عن محتوى الكتاب كانت مختلفة وهذه أول خيبة. هل يصح استخدام كلمة خيبة؟ ما علينا، ثانيًا الكتاب جاء في مقاطع قصيرة نص صفحة واطولها صفحتين عن الكلمات، وكان علي يضع الكلمات في مرايا بورخيس ويتكلم عنها،دون ذكرها! إذا كنتوا فهمتوا. والجدير بالذكر إني ما أحب بورخيس :) بعض المقاطع تجنن، تحفة على قولة يوسف، والبعض الآخر وقفت أقول لنفسي هاه؟ أنا غبية ولا جد مش مفهوم النص. عمومًا بعد كل هذا أنا ما زلت أحب علي ونتاجه وأفكاره.
هذا كتابٌ جميلٌ في وقعه، مرعبٌ في جنيالوجيّته؛ يُخيَّل إليّ أنّه بلا نسب. كأنّ عليّ المجنوني كتب "تمارين معجمية" ليختبر قدرةَ اللغة على الولادة من جديد، وليعيد إليها ذاكرتها التي بهتت مع الزمن وكثافة الألفة. فيقف أمام الكلمات كما يقف النحات أمام صخرة، ينقّب فيها عن هاجس قديم، ثم يبتعد قليلًا ليراقب اللغة وهي تستعيد أنفاسها، وتتعثر في بداياتها الأولى، وتتعلم المشي على لسانها من جديد.
تتحرّك اللغة في هذا الكتاب كما يتحرك كائنٌ حيّ خرج من سباته الطويل. فنراها ترفع رأسها، وتنظر حولها، وتتهجّى أصواتها، ثم تمضي. يرافقها الكاتب في رحلتها، يكتب معها لا عنها، يسير إلى جوارها لا أمامها، يلمس ما تبقّى من حرارتها بعد أن بردت من كثرة الاستعمال، ويعيدها إلى لحظة دهشتها الأولى. يصوغ من الكلمة فضاءً يَقيس به المسافة بين الإنسان وصوته، وبين الحلم والعبارة التي تسعى إلى احتوائه.
تبدو اللغة في هذه الصفحات مثل هواء يحيط بالوعي الإنسانيّ ويشكّل ملامحه. تمتدّ من أثر اليد على جدار الكهف إلى وهج الشاشة الحديثة. ومع ذلك تظلّ غامضة الملامح، وتتبدّل كما يتبدّل الضوء، وتكشف عن وجهٍ جديد كلما ظنّ القارئ أنّه أدركها. يرى عليّ المجنوني في اللغة كيانًا ذا ذاكرة ومزاجٍ وعمرٍ خاصّ، فيعاملها معاملة الكائن الذي يشترك معه في الوعي، وليس الأداة التي يستخدمها. لذلك تأتي نصوصه أقرب إلى حوارٍ داخليّ مع اللغة، وتأمّلٍ في جوهرها الذي يسكن الإنسان أكثر مما يسكن المعجم.
يتقدّم الكتاب في صورة معجمٍ متمرّد على التصنيف، يترك الكلمات تنمو بلا ترتيب، كالنباتات البرّية التي تعثر على طريقها بين الحجارة. تتبدّل ألوانها، وتفقد ظلالًا وتكتسب غيرها، وتهاجر من مناخٍ لغويّ إلى آخر. يراقب عليّ المجنوني هذا التحوّل ويمنحه مجاله الطبيعي، فلا يقيّده بتعريفٍ ولا يحاصره بتأويل. إنّما يصوّر اللغة في لحظة حركتها، حين تتبدّل وتبحث عن توازنها الجديد.
تتقدّم الجمل في هذا العمل بإيقاعٍ محسوب، متأنٍ، يحمل أثرَ اليد التي تصقل الحجر حتى يلمع. تُوازن الجملة بين البساطة والعمق، وتبني موسيقاها من داخلها، بالأحرى من ارتجاف المعنى بين القول والصمت. تتحرك اللغة في فضاء النص مثل طفلةٍ تتردّد قبل أن تخطو، وتكتشف أن المعنى يخرج من بطء الخطوة لا من سرعتها إذ أن لموقع خطوتها شأن الحركة والسرعة والطول.
يسعى عليّ المجنوني من خلال هذا العمل إلى إعادة ترتيب العلاقة بين اللغة وسلطتها. فنجده يبدّل وظيفة المعجم محولًا إياه من سجلٍّ للمعاني إلى حديقةٍ للكلمات التائهة، ويمنح النسيان دور الخالق الذي يسمح للغة أن تبدأ من جديد. يرى أنّ الكلمة تحيا بالذاكرة، ولكنها تنضج حين تُسقِط شيئًا من تلك الذاكرة، حين تفسح للفراغ مكانًا لتتنفّس فيه. لذلك يزرع نصوصه في هذا الفراغ، ويجعل من الصمت تربةً لها.
هكذا، نرى الكاتب مثل من يصغي إلى نبضٍ بعيد في جسد اللغة، فيصوغ جمله ببطءٍ تأمّليّ، ويوازن بين الفكر والعاطفة، ويمنح المعنى فرصةً ليكتمل قبل أن يعلن نفسه. تتجاور في نصوصه الفكرة المجردة والدهشة الحسيّة، فينشأ صوتٌ ثالث يجمع بين العقل والموسيقى. غايته أن يردّ للغة حيويّتها الأولى، وأن يذكّر القارئ بأنّ الكلمة كائنٌ يولد من الجسد ليعبّر عنه، لا ظلٌّ تابع له.
وحين يفرغ القارئ من القراءة، يشعر بأنّ ملامح الكلمات قد تغيّرت، وأنّ صوته الداخليّ صار أكثر وعيًا بإيقاع اللغة التي تسكنه. لكأنّ الكاتب وضع بينه وبين اللغة ما يكشف عن كلمة بألف صورة وخيال وفكرة، وبذلك تتحوّل القراءة إلى تمرينٍ على الإصغاء، والكتابة إلى عودةٍ نحو الأصل الذي تتولّد منه اللغة في كل لحظة. في تلك العودة تكمن جمالية الكتاب وسرّه، فهو يوقظ اللغة لتتأمّل نفسها، ويجعلها مرآةً للإنسان، يراها وتراه في آنٍ واحد
يكشف هذا الكتاب أول ما يكشف عن حب عميق للغة..وحده المفتون بالكلمات سيجرؤ على أن يخصص لها كتاباً كاملاً يمنحها فيه البطولة المطلقة. ليست كتابة لغوية بحتة ولا فلسفية ولا بنيوية أو دلالية محضة..إنها تأملات متذوق ضليع في اللغة تفتنه الكلمة وتغريه تنويعاتها فيقف عليها في حالاتٍ عدة تكون فيها جذراً أو اشتقاقاً أو مرادفاً أو متوارية أو حتى مفقودة.تخضع المفردة عند علي المجنوني لما يشبه المختبر اللغوي يجردها يفحصها يضعها في تفاعل مع غيرها ليرقب النتيجة التي تستحيل دوماً إلى دهشة خالصة يفاجئ بها القارئ.
ينقسم الكتاب إلى قسمين الأول بعنوان مشتل الكلمات وفيه نتعرف على الكلمة عن قرب من الداخل كما هي نبض أولي في باطن اللغة كيف شقت طريقها نحو دلالة ما ..أو كيف سقطت عنها تلك الدلالة، كيف تعاقبت عليها المعاني ، أو كيف تم استهلاك معانيها حتى بهتت تماماً..الكلمة ترتبك..تسقط..تتوارى..تشعر بالوحشة، إن أنسنة الكلمات بهذه الطريقة نتاج لألفة حميمة جداً مع المفردات التي تشغل ذهن كاتبها ويعتبرها مواد تشكيل في معمار اللغة..وهي كذلك..ولكن قلما يُنظرُ لها بتلك الرهافة.
في الجزء الثاني من تمارين معجمية والمعنون بتنويعات على المعجم ندخل في مرحلة أخرى أكثر عمقاً إن صح القول من نظرة الكاتب للكلمة إنها هنا في حال تفاعلها مع محيط أكبر وليس في علاقتها بالدلالة والمعنى فحسب كما الجزء الفائت ، يرصدها في ارتباطها بسياقات متعددة بل إننا نقف على السياق وكيف يستدعي إليه الكلمات بدقة متناهية ، ففي فصل مثل " إنثربولوجيا صفقة اليد الأولى " نتتبع معنى ونشوء مدلول " التربصّ" في فصل "المصعد لا المهبط" نرى لماذا تنحاز الدلالة لمفردة دون أخرى ؟ أو يمسك بكلمة في موقف و لحظة فارقة لا نتوقف عندها عادة ً فيستفيض في وصف هذا الاستعمال ليحوله إلى استثنائي فينكشف لنا بذاك جانب آخر مدهش وجديد .
الكلمة التي هي مسكن الوجود كما سماها هايدغر هي في هذا الكتاب صاحبة الحضور المطلق..
كتاب مختلف أجد فيه جانباً تجريبياً جديداً تحتاجه الكتابة العربية ودخولاً لمناطق غير مأهولة كتابياً..ويوقظ لدى قارئه حساسية تجاه اللفظ و المعنى الذي نمر به عابرين ولكن الكاتب يجبرنا هذه المرة لنقف معه متأملين تلك التشكلات العجيبة بين اللفظ وبين المعنى بين الكلمة وبين الدلالة
عظيم وممتع وخفيف، إن شئت، وحق له أن يدرس ويدرس مزاج علي العالي في تأملاته وقصصه اللي ما هي بقصص وشعره اللي ما هو بشعر. كيف يجيب أفكاره لغز بتقعد تلوكه علكا على طول الكتاب-ما هو بطويل، فما أدري إذا هذا تعبير مناسب- وخفّة دمه بتحسده عليها، وبيدير تفكيرك بالأفكار اللذيذة اللي يسيل منها لعابك وانت فاغر وتنهيها وأنت شبعان.
من الواضع أن علاقة مميزة تجمع ما بين الكاتب والكلمات، هناك بعض الأجزاء الظريفة والذكية الباعثة على الابتسام، لكن في المقابل، كان هناك أيضاً مواضع عديدة بالغة في التجريد وشيء من التحذلق اللغوي. توقعت أن أحب الكتاب أكثر.
ممتع وذكي وحرّيف، قدرته على الاستنباط واستئناس اللغة والتلاعب بها وتقديمها بصورة بصرية مدهشة. أزعجني نص وحيد وتمنيت ألا يكون في الكتاب، ولكن الحلو ما يكمل.