عضني الحزن كذئب وشعرت وكأنه قضم قطعة من قلبي الصغير. تنمَّل لساني وثقل. ولا أدري لماذا علقت في ذهني ضحكته هو والطبيب الأشكنازي الآخر الذي جاء به لينظر إلى ظهري. لم أقل شيئًا. سكتنا أنا وأمي طوال بقية الطريق لم تنظر أي منا إلى الأخرى. اكتفينا بالنظر إلى الدنيا المتسخة من خلف زجاج الباص. وشعرت بثقل ظهري، ظهر القردة، التي كنتها دون أدري. وبقيت أنظر إلى الدنيا المتسخة من خلف زجاج الباص. *** ابتسام عازم كاتبة وصحفية فلسطينية. من أعمالها "سارق النوم: غريب حيفاوي" (2011)، و"سفر الاختفاء" وهي الرواية التي تُرجمت إلى عدة لغات، ووصلت ترجمتها الإنكليزية إلى القائمة الطويلة لجائزة الـبوكر الدولية للعام 2025. تعيش وتعمل حاليا في نيويورك.
Ibtisam Azem is a Palestinian novelist and journalist. She has published two novels in Arabic. The Book of Disappearance has been published in English, German, and Italian. Her first short story collection will be published in 2024. She lives in New York.
يبدو لي هذا العام حافلًا بالأدب القصصي، فهذه واحدة تنضم لاصدارات عديدة ظهرت على امتداد الأشهر الماضية.
سطع اسم عازم إثر وصول ترجمة د. سنان انطون لروايتها"سفر الإختفاء" لجائزة البوكر العالمية عن الكتب المترجمة، الصادرة أصلًا عام 2014 وهي رواية رائعة ومن افضل ما قرأت هذا العالم مع ترجمتها الانجليزية.
هنا قصص بديعة وممتعة، واقعية جدًا، مطعمٌ بعضها بشئ من الفانتازيا، كما فعلت في روايتها عندما اخفت الشعب الفلسطيني، التقاطات ذكية رسمتها الكاتبة ممارسة دور الحكاءة، طارحة بشكل أكبر طبعا الوجع الفلسطيني العربي .
مشكلتي مع المجموعة أمران، يبقيا رأيي الشخصي كقارئة : ▪️هُيأ لي في أماكن عديدة أن الكاتبة تفكر بالانجليزية وتكتب بالعربية، ما جعل النصوص بحاجة لمراجعة متفحصة، أتوقعها من القلم ذاته ▪️نفس ملاحظتي على نصوص هدى حمد الصادرة هذا العام كذلك ، وكأن مرايا تكوين اتكأت في المرتين على حرفية الكتابة لدى الإسمين ، ففاتها إلقاء نظرة أخيرة قبل الطباعة
أورد مثالًا بسيطًا مبتعدة عن الكان والأن التي امكن تدقيقها بيسر ، محو كثيرها واستبدال بعضها :
"سيتمكنون بعد اكثر من ساعة من الانتظار من اللحاق بالشمس التي سبقتهم إلى الحقل " ثلاثة (من ) في جملة قصيرة لهو أمر والله يفقد متعة هكذا نصوص باذخة !
مجرد اعادة ترتيب للجملة دون المساس لا بفكرة الكاتبة ولا بروحها : "سيتمكنون اللحاق بالشمس التي سبقتهم إلى الحقل بعد إنتظارهم أكثر من ساعة"
وبس والله ..
▪️يخترع الزمن في هذه البلاد وقتًا خاصًا به ▪️من حسن حظنا أننا بقينا في بلادنا. ومن سوء حظنا أننا بقينا في بلادنا.
مدن الغريب للكاتبة الفلسطينية ابتسام عازم هذه أول رواية أقرأها لها، ولا أدري إن كنتُ قد استمتعت بقراءتها فعلًا؛ لكنها، بطريقةٍ ما، تعني لي. فإن عشتَ في فلسطين، فقد حلّت عليك لعنةٌ من لعنات هذه الرواية.
يراودني سؤال: إن لم تعش في هذه البلاد، هل حقًا ستعيش هذه الرواية أثناء قراءتها؟ أم أنك ستقرأها فقط؛ دون أن تشعر بثقلها؟ كيف يمكن للخيال أن يُنصف واقعًا كهذا؟ وهي تروي عن أحداثٍ تصيب الشعب الفلسطيني كل يوم! "أسئلة بسيطة لروتين يومي من إنسان فلسطيني" هل مررتَ يومًا عبر حاجز؟ هل انتظرتَ طويلًا أمامه؟ هل اختبرت صعوبة التنقّل بين مدن بلدك؟ هل مُنعت أو حُرمت من الحركة داخل وطنك؟
قد يبدو هذا مثالًا بسيطًا… لكنه يومي؛ اعتدناه حتى صار روتينًا، بل ونستغرب إن مرّ يومٌ دون أن نستصعب التنقّل 😅
مقتطفات: " من حسن حظنا أننا بقينا في بلادنا. ومن سوء حظنا أننا بقينا في بلادنا. "
" لكن لا شيء طبيعي في هذا البلد. لم يأبه الناس كثيرًا بالقوانين والإجراءات التي تفرضها الدولة. لم تكن المسألة بالنسبة إلينا ما إذا كنا سنمتثل للمنع، بل كيف سنكسره. هكذا يمكن اختصار فلسفة حياتنا وعلاقتنا ب( الدولة)). هي تسن القوانين ونحن نبتدع طرقًا لكسر ها وكسر قيودنا معها "
" عاد زوجي، بعد أن غاب نهارًا كاملًا قضّاه يبحث عن زجاجة ماء ورغيفي خبز. وعندما عاد كان ابني خليل قد نام نومة أبدية. من حظنا أننا حملناه جسدًا كاملًا وأننا وجدنا قبرًا يلمه. "
"لقد صنعوا قطاراً من جماجمنا و رفضوا أن يركبوا له فرامل، واستمروا بالانطلاق نحو الهاوية لمئة عام. كانت هياكلنا العظمية سكة قطارهم السريع."
(ظلم، قسوة، غربة) حين تظن أنك لم تعد قادرًا على احتمال مزيدٍ من الألم و القهر، تصادف عملًا آخر من الأدب الفلسطيني يكسِر قلبك من جديد. قصص قصيرة تجسّد وجوه الاحتلال والعنصرية والاستبداد في الحياة اليومية للفلسطينيين. ورغم قِصرها، إلا أن كل قصة منها تترك أثرًا عميقًا ووجعًا لا يُنسى.
كدت أن أفقد الأمل في القصص القصيرة تلك التي تخاصم الواقع بنوع من التعالي ولا تقدم ما يلامس الحقيقة، حتى عادت لي كل المتعة مع "مدن الغريب"، بهذه اللغة الماهرة الموحية العذبة وهذه الحساسية الشديدة في اتقان رسم شخصيات من لحم ودم والتقاط صور وأماكن كأنها ترسم باللغة لوحات حياتية ملهمة. هذه النصوص التي تشترك في تيمة الاحتلال والمنفى لا تتناول فقط مشاعر الغربة والألم بشكل فريد بل تناولت حكايات المرأة أيضًا تحت ضغط المجتمع في قصة "عايدة" مثلًا كي لا ننسى أن في المجتمعات المقهورة المرأة هي الأكثر بؤسًا.. أبكتني "أمل" في قصة "قناص"!