هل يمكن أن يكون الموت بداية لحياة أخرى داخلنا؟ هل نستطيع التعافي من ألم الفقد، لنكتشف أن وراء الفقد معنى أعظم مما نظن؟ وهل يمكن أن يكون للموت وجه آخر لم نعرفه من قبل؟
في كتابها الجديد "من رحم الموت قد تولد من جديد: دليلك الحي للتعافي من ألم الفقد"، تأخذنا الكاتبة منى حيدر في رحلة فلسفية ووجدانية للإجابة عن هذه الأسئلة وأكثر، محاولةً أن تضيء لنا طريق التعافي ، وأن تذكّرنا أن الألم قد يكون سرًّا لبداية مختلفة ونسخة أعمق من ذواتنا.
وقبل أن أبدأ بمراجعتي للكتاب، وجب التنويه أن هذا العمل هو تجربة شخصية للكاتبة مع الموت، ولعل هذا ما يميّزه ويمنحه صدقًا وعمقًا مختلفًا. يبدأ الكتاب بالإجابة عن واحد من أعمق الأسئلة الفلسفية حول الموت، وهو: لماذا نخاف من الموت؟ ولماذا نراه شرًا مطلقًا لا يقبل النقاش ولا الحديث؟ نحن في الغالب نهرب من ذكر الموت أو التطرّق إليه في أحاديثنا اليومية، مع أننا نعلم يقينًا أنه حقيقة قادمة لا محالة. ثم بعد ذلك نكتشف أننا لم نتعلّم يومًا، لا في مدارسنا ولا في مجتمعنا، كيف نتحدث عنه، أو كيف نحسن ضيافته كزائر لا مفر منه. وهنا يأتي دور الكتاب ليمنحنا لغة مختلفة في التعامل مع فكرة الموت، فيحرّرها من كونها "تابو" مخيفًا، ويعيد تقديمها كجزء أصيل من رحلتنا الإنسانية. فالتصالح مع فكرة النهاية لا يعني الاستسلام، بل يعني أن نحيا بوعي أكبر وقيمة أعمق للحظة الحاضرة. " ان الموت هو فرصتك العظيمة للتغير، انها فرصتك لترى نفسك أخيرًا على حقيقتها، انها فرصة لتدرك صعفك، وترى ان في الضعف رحمة وان التغيير فضيلة وان الاحزان هداياقد لا نراها في البداية ولكنها تغدو جلية واضحة حين نتعافى، هذا اذا اردنا ان نتعافى واذا اردنا ان نرى، لاننا في معظم الاحيان لا نرى ولا ندرك أننا لا نرى" .
ثم يطرح الكتاب فكرة "الموت والفلسفة" ، ولان الفلسفة هي ما يضيف معنى اعمق للشيء، ولانه لا يمكننا فهم اي شئ بمعزل عن فهم فلسفته فلقد قدمت لنا منى منظورًا فريدًا، يساعدنا على إدراك الموت ليس مجرد نهاية جسدية، بل حقيقة وجودية تحمل في طياتها أسئلة عن المعنى، الحياة، والقيمة، وتدعونا للتأمل في أنفسنا وفي علاقتنا بالعالم من حولنا. "أن تدرك ان الموت جزء أصيل من الحياة يعني ان تحب أقصى درجات الحب،وان تعطف أقصى درجات العطف. ان تدرك وجود الموت يعني ان تتعرف على الحياة من جديد."
ولان الحزن هو الرفيق الأساسي والوفي للموت كان لابد ان يكون هنالك طرح شامل يتحدث عنه، كيف نتعامل مع حزن الفقد، وما هي أشكال ومراحل هذه الحزن، فقدمت لنا منى في هذا الفصل من الكتاب، شرحا تفصيلاً عن الحزن المصاحب لألم الفقد وكيف التعمل معه حتى الوصول الى مرحلة السلام. " تعلم السباحة باتجاه الموجه، موجة الحزن يعني، حرك يديك وقدميك باتجاها. لا تخف ولا تهلع، سلم جسدك لها، استسلم لقوة الدفع الخاصة به، اقبلها ولا ترفض ثقلها على صدرك، واعلم أنها لن تدوم وان هذا الألم العظيم الى زوا، فبرغم من قساوة موجد الألم الا انها وكما نقول باللغة العامية: " قلبها عليك" فما ان تبدأ بالانحسار حتى تدفعك الى شاطئ الطمأنية من جديد ، الى أن تعود لخطفك مرة أخرى"
والآن، بعد أن زارنا الموت، وقد أمتلا خزان الحزن ولم يعد هناك متسع لشيء اخر بالحياة سواه، وحين يبدو التعافي كفكرة مستحيلة صعبة الوصول. يُجيب الكتاب على الاسئلة الأهم: كيف لنا أن نتعافى؟ ومن أين نبدأ؟ وهل التعافي ممكن بالفعل؟ وماذا يحدث بعد التعافي؟ تتناول منى حيدر هذه المرحلة بكل حِرفية، مقدمة شرحًا تفصيلا عن رحلة التعافي من ألم الفقد، تقدم فيها خطوات وأدوات عملية تساعد القارئ على مواجهة الفقد والتعايش مع الألم، مع الحفاظ على الصدق مع المشاعر وعدم تجاهلها. فهي تذكرنا أن التعافي ليس مجرد نسيان أو تجاوز، بل هو رحلة لإعادة اكتشاف الذات، ولولادة نسخة أعمق وأكثر وعيًا منا. ترسم لنا منى في هذه الفصل خريطة التعافي الشمولي، ليس فقط من ألم الفقد للموت ،بل للفقد كفكرة. "ان أول الحقائق التي تعلمتها عن التعافي من الألم هي أن التعافي لا يسير في اتجاه مستقيم بلا عودة الى الوراء، على العكس من ذلك تماما فانه حصيلة خطوات كثيرة الى الأمام وخطوات أكثر الى الخلف، ستشعر أنك حققت التعافيالكلي في بعض الايام، وفي اوقات أخرى ستشعر أنك عدت الى المربع الاول"
وختامًا وبما ان ألم الفقد سوف يزورنا جميعًا على اختلاف أعمارنا كبارا كنا او صغارًا كان لا بد من تقديم طريقة علمية للتعامل مع ألم الفقد لدى الأطفال ، لذلك خصصت الكاتبة الجزء الاخير من الكتاب للحديث عن كيفية التعامل مع ألم الفقد لدى الأطفال، وكيفية تقديم الدعم اللازم لهم بطريقة علمية سليمة.
شخصيًا اعتبر هذا الكتاب هو كنز مُضاف للمكتبة العربية، خصوصا مكتبة علم النفس واهم ما يميزه هو الحضور القوي للمشاعر الانسانية الصادقة فكما ذكرت سابقا ان الكتاب هو عبارة عن تجربة انسانية شخصية للكاتبة مع ألم الفقد ، كما الحضور القوي للحديث العلمي شيق بين طياته فهو لا يعتمد فقط على طرح العاطفي فكان لابد من الحضور للحديث العلمي و الفلسفي أيضًا. بالاضافة الى سهولة اللغة و المفردات المستخدمة، فهو مكتوب بلغة عربية سليمة، مناسب للجميع على اختلاف خلفيتهم في القراءة، بعيد كل البعد عن حديث التنمية البشرية و "سوالفيها" ، في طيات هذا الكتاب سنخوص في اعماق النفس البشرية وقدرتها العجيبة في تحويل الألم الى معنى نحيا به.
من أفضل ما قرأت هذا العام .. كتاب واكبت افكار مؤلفته وهي تحدثني بحماس عنه، ترقبت إصداره معها ووعدتها بأن نناقشه في ملتقانا عندما يرى النور ..
كتاب من القلب .. كتبت فيه حيدر عصارة افكارها ومشاعرها، أرادت عبره نقل تجربتها الخاصة علها تكون دليلًا فيه بعض البلسم لمن يمر في ألم الفقد …
رغم عنونة الكتاب بالموت، لا انه برأيي أعم وأشمل من هذه التجربة الحياتية الصعبة ، فافكار التعافي المتسلسلة في الكتاب تنطبق على تجارب عدة قد يمر فيها المرء
أعجبت بالكتاب، أحببت وقعه في ظلال "صيدلية الكتب" اذ عكست منى مطالعاتها وما استفادته منها في سردية واضحة ، مرتبة ، مترابطة المغزى ..
النجمة الناقصة، لأخطاء في التحرير أتمنى على المؤلفة والدار تفاديها في الطبعات القادمة، إضافة لتكرار أفكار وجدت إمكانية تفادي بعضها .