الذات و الآخر : مناورات في رواية السيرة
محاولة استقراء رواية الطواف حول النخلة لـ خالد النصر الله
ترتبط الأجناس الأدبية – على تعددها وتمايزها –بكونها أدبا ، حيث يلتمس النص شكلا من أشكال الكتابة وفق حدود معينة تؤول به إلى قالب خاص به ، ذي قواعد و أسس ، تضعه وفق تصنيف يعرّفه و يعتني بفنياته.
تلك النُظم الحاكمة للنص ، تتجذر لتصير حدا يعرفّه و يمكّن – المتلقي و الناقد – من التعامل معه و التماهي بروحه ، غير أن الناص حين يقفز على تلك الحدود عابرا برؤيته الخاصة إلى شكل جديد من أشكال الكتابة " يمازج " فيه الأجناس ، و يعتبرها موادا أولية قابلة للتفاعل لصنع نتاج إبداعي " متجدد " ، مكتمل بفرادته و بوحدته العضوية ؛ يرتاد بذلك أفق التجريب.
و ليس التجريب بحد ذاته غاية ، إن اعتبرنا أن غاية الأدب في تجليها هي " الإمتاع " و صنع الدهشة ، و خصوصا في الرواية حيث تتطارد الدهشة فيها مع تأثير العمل متضامنة مع حرفية الناص و إحكام صنعته في تضمين العناصر الأخرى مثل اللغة و البناء المعرفي و دقة رسم الشخصيات و غيرها ، فماذا لو امتزج التجريب مع تلك الأسس ؟
تنفتح رواية " الطواف حول النخلة " للكاتب الكويتي خالد النصرالله ، و الصادرة حديثا عن دار الساقي ، على ذلك الأفق التجريبي الذي يمازج بين فن الرواية و أدب السيرة ، و بمجرد أن نقرأ الفصول الأولى من العمل سنتخلى عن أحكامنا المسبقة و ندرك أننا – في حالة التلقي هذه – سنخرج من تصور الشكل السائد في كتابة رواية السيرة إلى الإقرار بفرادة عمل يشتغل فيه الناص على صنع نتاج إبداعي : تتشكل ملامحه بقابلياته الذاتية وصولا لاكتماله .
-رواية السيرة و بناء الحدث :
يعرف فيليب لوجون السيرة الذاتية بأنها " سرد استعاري نثري يعبّر به شخص واقعي عن وجوده الخاص و ذلك عندما يركز على حياته الفردية و على تاريخها "
إن رواية الطواف حول النخلة هي رواية سيرة ، و قد أشيع مسبقا أنها تتناول حياة الكاتب الراحل " إسماعيل فهد إسماعيل " و ربما يجعل هذا متن الرواية " مُتوقعا " مما " يُحيّد " خط الدهشة و ينقل المتلقي من ممارسة " الإدهاش " إلى " تتبع المسار الكشفي"، وأن تكتشف ..غير أن تُدهش و تصدم و تحملك الأحداث إلى شهقة المفاجأة .
غير أن الناص – في هذا العمل - اختار أن يناور قارئه ، فيخرج بسرديته عن المسار الحرفي لكتابة السيرة، صانعا عالما روائيا خاصا يتحرك وفق التشويق ، و سؤال : ماذا بعد ؟ و ما الذي يمكن أن يحدث ؛ عبر صراع عام يحرك الأحداث ، و حكايا صغيرة تفجر مفاجآت متوالية ، أو نهايات غير تقليدية ؛ تقوم على تقنية ( الكتم و الكشف ) و ( الترميز و الإفصاح ) أحيانا ، مما يعرف الشخصية كأن ما عرفها الجمهور قبلا .
ففي العمل ، يتعرف المتلقي على ملامح النبوغ لدى الشخصية في مستهل حياتها ، و يعايش معها الطفولة المبكرة ، و الانجذاب نحو عالم الكتب ، و ملكة الحكي ،ثم يتعرف عليه شابا متوقدا مكافحا يسعى لإيجاد موقعه في وطن طارئ وسط تيارات ثقافية و سياسية ، و يواكب معه المحن و المسرات مرورا بالمواجهات التي تغذُت عليها رحلة العمر صانعة الهواجس و الأفكار و المآل. حتى أن الناص يقدم لقارئه ما وراء قناع الأحداث المعروفة ، ليعزز عنصر المفاجأة فيكشف مثلا عما جرى في كواليس جائزة ما ، أو عن التهميش الذي تلتقيه الشخصية في الوسط الثقافي الأول أو عن جوانب الحياة الاجتماعية الخارجة من ستر الاعترافات .
لكن هل هذا كل شيء ؟
إن هذه البناء المتين – على إحكام عناصره – لا يعد سوى جزء من جمال العمل ، و جانب أولي منه ، إذ يباغت العمل متلقيه – الساعي لقراءة سيرة – فيجدها سيرتين ! ، بصوتين متناوبين في لعبة الاعترافات -و مهادَين مكانيين يبرع الناص في تحقيق الشروط السردية و الوصفية لكليهما -و زمنين متباعدين ما بين " ماضي العراق و راهن الكويت " ، فتتجلى –بسلاسة – واحدية المتن رغم لعبة التناوب تلك .
هذا التناوب أزاح النص من الثبوت السائد في كتابة" راوية السيرة " إلى جهة أكثر دهشة ، إذ تتحرك الرواية ما بين صوت الرواي المستعار و الراوي الأصيل في مناورات الذات و الآخر و "المروي و المروي عنه " ، و من ثم من جهة الاعترافات الفردية للإنسان الواحد إلى المواجهات الإنسانية الجمعية .
لقد وظف الناص أدواته السردية في وصف مهادين مكانيين هما العراق و الكويت ، محافظا على هوية كل منهما من خلال :
1-وصف حي للملامح التاريخية و العمرانية .
2-رسم ذي أبعاد للشخوص و طرق تفاعلها مع الأحداث .
مع ذلك ، لم يكن المهاد معيقا لفتح التجربة الخاصة بشخصية العمل " طرفة " على فضاء أشسع إنسانيا ، فمشكلة طرفة - المنقسم بين وطنين - هي ذاتها مشكلة إنسان اليوم ، الذي يحاول التماهي مع مجتمعه و معرفة مكانه ، و هي بذاته مشكلة " إسماعيل الآخر / المعاصر " الذي يتصادم مع وسطه للبحث عن كينونته . و مواجهات الوسط الثقافي و مكابدات الكتابة هي ذاتها ما يواجهه الإنسان – أي إنسان – في سبيل البحث عن هويته و مكمن عطائه .
-الراوي و التخييل :
ليس من السهل – في هذه الرواية – تحديد ضمير الرواي ، إذ استخدم الناص عدة مستويات من وعي الراوي لكتابة العمل، فيمكن أن نقول :
1-أنه اعتمد على الراوي العليم القريب / المتعاطف / غير الموثوق به في جزء الرواية المتعلق بنمو شخصية طرفة من الطفولة إلى الجزء قبيل الأخير من حياته ، فنجد أن هذا الراوي يلاصق طرفة في بيته ، في ممارساته الحياتية ، القرائية و الكشفية ، مطلعا على أدق خواطره ، و أعمق حواراته الداخلية ، حتى أنه رافقه في انتقاله – وحيدا – إلى مدرسة الفتيات بعد انتهائه من الدراسة الابتدائية ، و كان معه في الحبس و السجن و الاستقرار أخيرا في الكويت .
هذا الرواي ، لا يمكن إلا أن يكون عليما ، حتى و إن ظهر بشخصية الصديق " إسماعيل " و هو الاسم الذي اختاره كاتبنا لنفسه في لعبة السرد و المناورات هذه ، و هو مع كونه عليما ، لا يمكن إلا أن يكون " مشخصا " أيضا ، و مندسا في تفاصيل حياة " طرفة " التي لم يشهدها ، فليتجئ إلى تقنية التخييل المستعار ، و يعايش تلك الظروف حتى يقر المتلقي أن قناع التخييل هو الأكثر صدقا في السرد ، و الأوقع في عملية التجسيد الروائية .
2-ثم يحملنا هذا " الإسماعيل " إلى بعد آخر و فكرة أخرى :ماذا لو كان إسماعيل ليس براوِ متعاطف و حسب ؟ ماذا لو كان هو الذات و المُتخيل ؟ ألا يذكر إسماعيل المعاصر أنه – في لحظات كشفية – كان يرى ما يراه طرفة ؛ ألم يذكر أن رؤية تشكلت في روعه عن نهر ما و صبي حسب النهر سجادة فسقط فيه ، الموقف الذي وقع لطرفة في حداثة سنه .
هذا " التوحد " يحيلنا إلى عدة أفكار ، منها أن المناورة بين الذات و الآخر و الواقع و المتخيل تؤكد أن منظور الراوي واحد على تعدده ، و أن طرفة مرآة لإسماعيل كما أن إسماعيل مرآة لطرفة ، و الأكيد أن أصدق الاعترافات عن الذات هي ما تتحصل بعد الإنصات للآخر .
3-ثم ينمو -في الجزء التناظري من العمل – صوت راوي آخر ، بمنظور تيار الوعي ، إذ يسرد إسماعيل " الكاتب" بصوته الأصيل رغم قناع التخييل الذاتي هذه المرة و ليس المستعار رحلة علاقته بطرفة ، مع تضمين سيرة مجزوءة لـ :
1-ملامح حياته الاجتماعية الخاصة
2-مراحل النمو الأدبي
3-تفاعلات الوسط الثقافي في الكويت .
و أستطيع القول أن الكاتب تمكن من أن يرسم بدقة المعالم الثقافية و الحياتية و الاجتماعية للمهادين المكانيين " العراق و الكويت " بحيث بدأ كأنه عايش النطاقين في حين أن الجزء المتعلق بسيرته الذاتية المجزوءة أكد أنه ابن بيئته .
لقد كان هذا الجزء المسرود من السيرة التخييليةالذاتية شديد التأثير ، متسما بالصدق على تقنعه، خارجا من الزيف و عفويا على حساباته الدقيقة ، لقد تعرفنا على طرفة الأب الروحي للكتاب الشباب ، و فهمنا اغترابه ، و أمنياته الأخيرة التي لم تتحقق ، كما عايشنا الوجه الآخر من البريق الكتابي ، بالذات في مشهد خسارة جائزة الكتابة ، كم بدا ذلك حقيقيا و موجعا .
كة
-الأسماء و العناوين الرامزة :
في لعبة سردية أخرى يعتمد الناص على الترميز في تضمين " الأسماء " و عنونة " الإصدارات الأدبية " و المنصات و دور النشر في حين يحافظ على هوية المكان بجغرافيته الأصيلة . و في محاولة لفهم الغرض لهذا الترميز قد نصل إلى عدة نتائج ، قد تكون أغراضا أساسية أو فنية .
هذا الترميز يرفع العمل من مستوى التلقي المباشر إلى إشراك القارئ في لعبة الكشف و محاولة تحديد الشخصيات ، و الحقيقة أني وجدت في هذه اللعبة متعة على مستوين :
1-محاولة التشخيص و مداخلة وعي الكاتب في البحث عن المتناظرات ، فحين يعنون الكاتب إصدارا بـ ( س ) ، أجد دهشة في استنكاه القصد و أعرف أنه يعني ( ص ) ، و لسوق مثال واحد ، نجد أنه ركز لـ ( إستبرق ) بـ ( بلقيس ) و في ذلك تأسيس بنية تحتية في العمل تراوح بين الواقعي و المتخيل و المحتمل .
2-ذكاء الترميز حيث لا يعتمد الناص أسماء مرمزةعبثية بلا صلة ، بل نجد بين الاسم أو العنوان و نظيره الرمزي صلة ارتباطية بالمعنى أو اللفظ و هذا ما يدل على تفعيل الذكاء اللغوي و صنع عامل محرك من لغة النص يسهم في تحريكه .
الطواف حول النخلة رواية سيرة ، لكنها انتزعت الشخصية من ذاكرة قارئها إلى تشكيل جديد عبر اشتغال تجريبي يعرفه بطرفة / إسماعيل ، فيوثقه مما يعرف و يعرفه على ما لم يعرف ، عبر سرد متين يؤكد على نمو تجربة الكاتب خالد النصرالله و يحرضنا للتساؤل و توقع: ماذا ينتظرنا بعد ؟