ها هو أمجد يمسح المساحات الصغيرة بعينيه، دون أن يعثر على أثر لساكني الدار. اكتمل البحث وبدأ السراج يرتعش في كفه، وتجاسر عليه شعور بالخوف، وأقر في أعماقه أن ليلة طويلة تنتظره، وبينما أوشكت دوامة الهلع أن تمتصه، رأى شعاعًا صغيرًا جدًّا يرتفع مائلًا من عتبة باب الغرفة السرية، وحين انحنى لمعرفة سر الشعاع وجدها! *** أمجد شاب قوي، ذو يدين موهبَتَيْن في تشكيل النحاس. يسكن قرية المفتاح الحِرَفيّة و يحب أيامه المفعمة بالجدّ و الودّ، إذْ يعود كل مساء إلى أُسْرَته الطيّبة. لكن اختفاء مِلعَقة الحساء في ليلةِ ما، يدفعه إلى مغامرةٍ غير متوقعة من الألغاز ؛ يتوقف عليها أمان عائلته، فيسير بها من لغز إلى آخر بحثًا عن كامل الأجوبة، فهل ينجح في ذلك؟
هذا هو العمل الثاني الذي أقرأه للأستاذة تسنيم الحبيب، وإن قدرة تسنيم الحبيب على التحكم بالمستوى اللغوي هو أكثر ما أبهرني، ليست اللغة وحدها طوع إرادة تسنيم بل حتى مستوى تعقيد الأفكار وتقديمها للقارئ، ففي السقوط من جنة الأسماء ترى معراجًا لغويًا ومعالجة للواقع بعرض غير مبتذل، وفي المقال النقدي تجد احترامًا فائقًا للقارئ إذ تكتفي في كثير من الأحيان للإشارة حيث تريد من الفكر أن يتجه. أما هذا العمل فيه من الصنعة الفكرية واللغوية والتربوية، التربوية لا بمعنى التلقين بل بتطويع الفكرة المعقدة للقارئ الناشئ عن طريق سرد ماتع يضمن استمراره بالقراءة واكتشاف مهاراته وقدرته على استيعاب الطرح الاجتماعي والسياسي والنفسي.
طوال قراءتي للعمل وأنا أستحضر في بالي كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي بالتحديد عندما تناول المدن المضادة للمدينة الفاضلة، بل وحتى محاكاته التي اقتبسها من جمهورية أفلاطون التي تعتمد على خلق نمذجة بين الإنساني والسياسي والكوني.
كل الذي مَرَّ على أعيننا يستقر في قلوبنا، فاحرص على ما تتصفحه العين - تسنيم الحبيب
الرحلة من العين إلى القلب هي رحلة من القوة الحاسة التي بها نزوع ما يحسه الإنسان من طعوم وروائح والمبصرات كلها، ومنها تؤخذ هذه الصور المحسوسة للقوة المتخيلة، ها تفصل وتركب وتفرز للكاذب والصادق ويقترن بها نزوع ما يتخيله، وهذه القوة المتخيلة في القلب. (آراء أهل المدينة الفاضلة).
والقوة المتخيلة ليس لها رواضع متفرقة في أعضاء أخر، بل هي واحدة، وهي أيضًا في القلب، وهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحس، وهي بالطبع حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها - الفارابي
والقلب في الجسد يوازيه الرئيس في مدينة الفارابي الكاملة، وبذلك تكون رحلة أمجد على مستويات مختلفة، رحلة داخلية من المحسوس إلى المعقول، ورحلة أخرى من المدينة الجاهلة إلى المدينة الفاضلة.
وكما أن القلب يتكون أولا، ثم يكون هو السبب في أن يكون سائر أعضاء البدن، والسبب في أن تحصل لها قواها وأن تترتب مراتبها، فإذ اختل منها عضو كان هو المرفد بما يزيل عنه ذلك الاختلال، كذلك رئيس هذه المدينة ينبغي أن يكون هو أولا، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها
خلال مشاركتي في ملتقى السرد، طرح سؤال عن مستقبل أدب الفانتازيا والخيال العلمي في العالم العربي، فكان ردي بأننا على ما يبدو في مرحلة قبل البداية، إذ تكاد تنعدم المحاولات الجادة والمتقنة، هنا نحن أمام عمل به عناصر فانتازية وخيالية علمية في الوقت ذاته، فرأينا بعض المشاهد السحرية (المتعلقة بالكتب) وبعض الطائرات ذات تكنولوجيا فائقة، فلمن يهوى التصنيف فإن الرواية يمكن تصنيفها بالتصنيف المستحدث ساي-فانتسي، أعجبتني عناصر بناء العالم المختصر الذي يبدو أن هناك أكثر من ذلك لدى الكاتبة، ووجدت النظام السحري اللين في العمل ذو جاذبية خاصة، وهل هناك أكثر جاذبية من الكتب؟
قد أخطيء في قولي هذا، بيد أن هذا ما شعرته به حال انتهائي من القراءة، ولم أمهل نفسي وتفكيري فرصة أكبر كما فعل "أمجد" ؛ ما أريد قوله أنها رواية فانتازيا تهدف إلى محاربة الجهل "الوهم في أحداث الرواية" من خلال العمل الجاد والبحث الدؤوب بين طيات الكتب المختلفة والعلوم المتنوعة، في المفتاح الذهبي، لا النحاسي، للخلاص من "الوهم الغاصب" لكل جميل في الحياة.
وسردها، آسر، كسرد حكايات الجدات في ليالي الشتاء الطويلة، حول موقد النار، أو "دوة الجمر" مع رائحة التتن النفاثة المنبعثة من "الگدو"، وصوته الرقيق كموسيقى تصويرية للأحداث.
تنتمي الرواية إلى أدب الناشئين أو اليافعين، غير أنها تحمل رمزيّات يفهمها الكبار والصغار على حدٍّ سواء، مثل رمزية الجهل والعِلم والطبقية وغيرها الخ .. اكثر ما اثار اعجابي كو والرواية حملت رمزيّات ومعانٍ تتجاوز حدود الفئة العمرية🤍
أُعجبت بأسلوب تسنيم، ولغتها الثرية، وخيالها الواسع، فكيف لاختفاء ملعقة حساء أن يكون الشرارة الأولى لمغامرة كبرى!
ومع ذلك، فإن للسلبيات نصيبًا كما للإيجابيات. فلا أنكر أنني شعرت ببعض التشتّت، وفقدت الاندماج أحيانًا، إذ بدت الأحداث متفككة قليلًا وتحتاج إلى ترابط أكبر، حتى خُيّل إليّ أنني تائهة مثل “أمجد" وربما أكثر بقليل.
أما النهاية، فكانت بخيلةً بعض الشيء مقارنة بزخم الأحداث السابق وكم التفاصيل ، لكن لا يمكن تجاهل ما تضمّنته الرواية من اقتباسات ذكية وملهمة ، انقل احدها لكم مثل هذا الحوار الجميل :
“تساءل في نفسه: متى يصير للصبر لذّة؟ وتأكد دون ارتياب أن لذّة الصبر تظهر حين يصل إلى الهدف، فيأتي الفرح مثل هدية كبرى تعالج التعب وتمحو العناء 🤍”
كل الحب والتوفيق للأستاذة تسنيم الحبيب، على هذه الرواية التي تحمل خيالًا خصبًا ورسائل عميقة🤍
اسم الكتاب : من العين إلى القلب اسم المؤلف: تسنيم الحبيب دار النشر : تكوين عدد الصفحات : 128 على أبجد ____________________
❞ قبل عشرين عامًا أغلق الحاكم المدارس .. ونشأ جيل جديد غير قادر على القراءة مكتفيًا بحرفه العملية ❝ ____________________
تحكي الرواية قصة "أمجد " الذي يعود إلى منزله ليكتشف اختفاء والده وأخته 🤷🏻♀️ لتنطلق بعدها رحلته الغامضة في البحث عنهما، من (قرية المفتاح )وصولًا إلى (العاصمة)حيث يبدأ بأمور غامضة مصدرها جملة كتبت له ( من العين 👁️إلى القلب❤️ )
بين ملعقة 🥄 و مفتاح 🔑 و علبة و أوراق تحمل مخطط غريب 📜 تتكشف أمامه الأسرار خطوة بخطوة، في مغامرة تمزج بين الخيال والغموض والإثارة 🌌 ____________________
💫 الرواية موجهة (للفئة الناشئة) لكنها تأسر جميع الأعمار بما تحمله من فكر وجمال أدبي❤️
📚 تناولت الكاتبة مواضيع إنسانية واجتماعية عدة منها الطبقية في المجتمع الصبر الشجاعة حب التعلم والمعرفة والقراءة الجهل وعواقبه التعاون حب الخير والإيثار ( موقف حبيته من "أمجد" في قرار سريع اتخذه )👏🏻 صحة الجسم
رواية ممتعة تُقرأ في جلسة واحدة وتترك أثراً جميلاً بعد الانتهاء منها 😊👏🏻 أنصح بها لكل الفئات العمرية 👌🏻 كل التوفيق للكاتبه المبدعة تسنيم الحبيب🌹
«البعيدُ عن العينِ بعيدٌ عن القلب»؛ جملةٌ تتردّد كثيرًا، ولكن هل حقًّا كلُّ بعيدٍ عن العين بعيد عن القلب؟
قد تختلفُ وجهاتُ النظر، لكن من خلالِ وجهةِ نظري، هناك مَن هم تحتَ الترابِ لا تراهم أعينُنا، لكن أرواحَنا ما تزالُ عامرةً بذِكرَاهُم وليس كلُّ ما نراهُ بالبصرِ صادقًا بالضرورة فهناك مَن يتصنَّعُ المواقفَ، ومَن يُتقِنُ التمثيل. وكما يقولُ الفيلسوفُ ديكارت: إنَّ الحواسَّ تُخدِعُنا.
فالعينُ عدسةُ الوجودِ التي من خلالها نصفُ وقائعَ الأشياء، لكنَّ رؤيةَ الأشياءِ على ماهيَّتِها فذلك شأنُ البصيرة أي بالقلبِ نرى خَوافِيَّ الأشياء.
هنا تبدأ حكاية أمجد؛ فَتىً يحاولُ أن يُعيلَ أباه وأختَه في قريةٍ حُرِم أهلُها من التعليمِ والقراءة، حين انشغلَ العالمُ بالتوافه فكان مَن يملكُ كتابًا يُعَدّ خائنًا! ولكن هل القراءةُ، والبحثُ عن الحقيقة، والسعيُ للمعرفة خيانة؟ وهل البحثُ عن الذاتِ خيانةٌ للذاتِ نفسها؟
وعلى الرغمِ من تعامُلِ أمجد مع المشكلةِ كنوعٍ من أنواعِ التحدّي بالتفاؤلِ والصبر، إلّا أنه أخذَ يُعاني من صراعٍ داخليٍّ بين الأسرةِ التي كوَّنها في ذهنِه، والأسرةِ التي اكتشفَها لاحقًا .. بين أمٍّ توفيت وهو صغير، والأمِّ البطلةِ عالمةِ النباتات التي تصنعُ مختلفَ أنواعِ الأدوية لمواجهةِ الأمراضِ والتصدّي لانتشارِ الوباءِ، وبين أختٍ تجهلُ الحروفِ وكيفيةَ نطقِها، والأختِ التي تُعلّم الأطفالَ سرًّا القراءةَ والكتابة
ففي هذهِ الرحلة، أدرك أمجد أن عليه فهمَ ذاتَه و اكتشافها ، وبدلًا من صُنعِ الأقفالِ والمفاتيح، لابد أن يفتحَ قلبَهُ فالبصيرة تعرف ما لا تُدرِكُهُ العين والروحُ تُبصِر ما يعمى عنه النظر.
وهنا يتجلّى السؤال: هل كان الوباءُ هو المرضُ الحقيقي… أم الجهلُ والغفلةُ التي انتظر أمجد أن يستيقظَ منها الجميع؟
لنَصْحُ معًا من الغفلةِ والوهم، ولنبحثْ عن الذاتِ وفهمِ النفس قبل أن نحاولَ فهمَ العالم فالأشياءُ تُرى بالبصرِ حينًا، وبالبصيرةِ حينًا آخر؛ ظاهرةً كانت أم خفيّة ولا بدّ للإنسان أن يثقَ بذاتِه وقدرتِه، وأن يُدرِكَ أنّ السعادةَ لا تأتي إلا حين نسمحُ لها بالدخول، ونتقبّلُ التجاربَ بحبٍّ وصبر.
ولكي نصلَ حقًّا، علينا أن نتذكّر كيف بدأنا، وألّا يُصيبَنا الغرورُ بما نحنُ عليه؛ فالعَمَلُ الجماعيُّ والتعاونُ مطلبٌ لا بُدَّ من الأخذِ به .. شكراً من القلب إلى القلب