تجربة سردية ثرية تجمع بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، وتستعيد فترات زمنية حرجة في تاريخ تطوان والمغرب.. تنطلق الرواية من منتصف القرن التاسع عشر في حرب تطوان أو "حرب إفريقيا 1859" بالنسبة للإسبان، ثم تنتقل إلى بداية القرن العشرين مع الحماية الإسبانية لشمال المغرب والصحراء ودخول الجيش الاسباني إلى تطوان عام 1913. سرد روائي جميل وسلس عبر صوتين نسائيين: الأم "عائشة الأندروسي" وابنتها "راوية موتريل"، حفيدة الفقيه البلنسي. مذكرات هذا الأخير تُشكل الدعامة المحورية للرواية. السرد النسائي في هذه الرواية يجعل المرأة فاعلة في الأحداث والتاريخ، وليس مجرد شاهدة أو متابعة، ويمنحها مكانة محورية . تُطلعنا الرواية على الأثر النفسي والاجتماعي للحرب: الذعر أثناء الاجتياح، هروب العائلات، اضطراب العلاقات، وهشاشة النسيج الثقافي والمجتمعي.. الحدث المركزي يعرض لحظة درامية مؤثرة حين يحتضن المشاركون في السرد ذكرى الغزو، والتناقض بين أمل السكان في الحصن وبين الواقع الصادم لهزيمة الدفاع.. التاريخ في هذه الرواية لا يُقدَّم كمجرد ظرف بل يصبح شخصية حية وضاغطة ضمن السرد، يواجَه بصوت الروايات الصغيرة التي تستحق أن تُسمع، خاصة ما تعلنه النساء من حكايات مستبعدة من التاريخ الرسمي..
في روايتها الجديدة "باب أفريقيا (تقاييد البلنسي)"، تفتح الكاتبة المغربية المبدعة فضيلة الوزاني التهامي بوابة واسعة، لا على تاريخ مدينة تطوان فحسب، بل على ذاكرة أمة بأكملها، ولكن هذه المرة من زاوية أُهملت طويلاً في السرديات الرسمية: زاوية المرأة. تمزج الرواية ببراعة فائقة بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي، متنقلة بين محطتين زمنيتين مفصليتين في تاريخ المغرب الحديث: حرب تطوان في منتصف القرن التاسع عشر (المعروفة إسبانياً بـ "الحرب الإفريقية") وبداية حقبة الاستعمار الإسباني للمدينة عام 1912. ما يميز "باب أفريقيا" هو أنها لا تكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل تعيد كتابتها بأقلام نسائية، مانحة البطولة للنساء اللواتي كنّ فاعلات في التاريخ، وليس مجرد شخصيات هامشية أو ضحايا صامتات. تقدم لنا الوزاني رؤية نقدية عميقة للتاريخ الرسمي، وتعيد الاعتبار للروايات المنسية والأصوات التي طمرها النسيان.