هذا الكتاب ليس بـ"سحر محمول" على حد تعبير ستيفن كنغ، بل "زلزال محمول"!
يقلب عبدالله الأنصاري في “انقلاب العربية: بيان في الأطوار الثقافية الأربعة” أطروحة هايدغر بحيث يجعل الوجود بيتًا ركنه اللغة بنظرة متجاوزة، اذ يجعل من اللسان العربي هيئة حياة، وميزانًا يربط الفكرة بالفعل، ويمنح الكلمة مسؤوليتها الأخلاقية على خط زمني واسع يقسم التجربة إلى أربعة أطوار ثقافية: جاهلية الفخر، ونبوية الأخلاق، وأعجمية النقائض، وعولمة الاستلاب. حيث تتحول هذه الأطوار من خريطة ذهنية إلى سردية تاريخيّة بقلم ممتع تتعقب تحولات حساسية عربية تتبدل فيها وظيفة اللغة من بيت للضمير إلى منصة للعرض، ومن مناخ للمعنى إلى أداة أداء.
تكمن قوة المؤلف في هذا الكتاب تحديدًا في نبرته: كتابة مشدودة الأعصاب، ذات إيقاع خطابي تتحول الفكرة فيه إلى مشهد دون أن يفقد رصانة التحليل المستند على مراجع عربية أصيلة، مما يجعل منه كتابًا فكريًا مختلفًا على صعيد الثقافة السعودية المعاصرة. إذ يلتقي القارئ بعبارات جزلة تبني استعاراتها من وقائع ملموسة دون تجريد، فتغدو اللغة هنا مساحة تصوير ومعمل تفكير ومسرحًا أخلاقيًا في آن واحد.
مركز الكتاب يتجلى في كون “العربية النبوية” انتقالًا حضاريًا يجعل الرحمة مناخًا للعقل العام، ويصوغ الصدق معيارًا اجتماعيًا شاملًا. قراءة هذا القسم تمنح مادة نادرة قلما نقرؤها في خطابات الصراع الحضاري: حيث نجد الأخلاق كتصميم للسلوك المدني وإدارة للسلطة وتربية للثقة وضبط للكلمة في الحيّز اليومي والفضاء السياسي، والرحمة نظام قوة يضبط الانفعال ويؤسس لعلاقة جديدة مع الخصم ويعيد تعريف النصر بوصفه قدرة على حفظ الإنسان داخل الصراع.
تتكثف حكاية أخرى مع انتقال الكتاب إلى الطور الأموي ثم الأعجمي، حيث نرى اللغة تتعرض لصلابة السلطة، ثم المدرسة، ثم السوق. وتظهر الأكاديمية كمعيار يرفع الشكل فوق الأثر، ويحوّل البيان إلى تمرين، ويضع الضمير خارج القياس. بعد ذلك، يدخل العالم الحديث بمفاهيم الإدارة والتسويق والريادة والتنمية، فتغدو اللغة مادة جاهزة للتداول والمتكلم متدرّبًا على القوالب. يلتقط الأنصاري في هذا الجزء مفارقة زمننا بدقة: جمل مؤسسية مصقولة تُنتج الهيبة، وتخسر حرارة التجربة؛ خطاب يكثر فيه الترتيب ويقل فيه السكن.
أشد صفحات الكتاب إثارة هي ما يطرح “التهيؤ النفسي” عبر الأجيال: إعجاب يتلوه تقليد، ثم تعليم، ثم دفاع، ثم تحوّل الاقتراض إلى هوية. هنا يغدو “الانقلاب” حدثًا تدريجيًا يغيّر الذائقة ويبدّل معايير النجاح ويجعل اللغة أداءً متعدد الوجوه: لسان للامتحان ولسان آخر لكل من العمل والطموح والحلم. هذه الرؤية تمنح القارئ إطارًا لفهم توتر المدينة العربية الحديثة: ازدواج في التعبير، وتجزؤ في الداخل، وانزياح في علاقة الإنسان بكلماته.
ومع أن الكتاب مشغول بالتاريخ، فإنه يضيء الحاضر بأداة نقدية نافذة: مفردات أخلاقية كالأمانة والمروءة والكرم والحلم والستر والوقار والعفة والصدق تتحول إلى ديكور بلاغي، فيما تتقدم مفردات الفاعلية والإنجاز والعرض بوصفها معيارًا وحيدًا. تُشبه قراءة الكتاب هنا الجلوس في مقهى مزدحم يمرّ فيه كلام كثير، ثم يقرر أحدهم فجأة أن يعيد للمعنى حقه: أن يقيس الكلام بقدرته على صناعة سلوك، وصيانة علاقة، وبناء ثقة.
يخرج القارئ من “انقلاب العربية”إثر هزّات متتابعة، مع رغبة في إعادة ترتيب صلته بكلماته: كيف يكتب، وكيف يعد، وكيف يعتذر، وكيف يمزح، وكيف يختار مفرداته حين يتكلم عن ذاته وعن الناس. هذا كتاب ينجح في تحويل قضية تبدو لغوية إلى قضية إنسانية كاملة، ويمنح العربية أعمق أدوارها: بيتًا للضمير، وميزانًا للفعل، ومجالًا لكرامة يراها الكل في السلوك قبل أن يسمعونها لفظًا في الخطب.
" العربية التي لا تجدها في انفعالك اللحظي ليست هويتك والعربية التي لا تفزع إليها حين تخذل ليست وطنك والعربية التي تستحي أن تكتب بها عن ضميرك لا تشبهك " . اللسان العربي أكبر من لغة تواصل، بل: موقف وجودي يوحد الفكر والقول مر 4 أطوار: جاهليّة الفخر ونبوية الأخلاق وأعجمية النقائض وعولمة الاستلاب تتشاكس فينا أخلاق نبوية وفخر جاهلي وطقوس أعجمية واستهلاكية عولمية دورنا التزكية من تلك العلائق، وتجاوز امتحانات التضحية الأخلاقية . آمن أبو ذر الغفاري بالعربية النبوية وقدم نفسه للحق قبل أن يرى له نصرا ماديًا بلا عصبة تحميه، غلبت عنده النية الوسيلة، وصار السبق إلى القصد أرفع من انتظار حسم السيف، بينما كان العربي يؤخر نفسه حتى يرى لمن تكون الغلبة فيلحق به، مؤخرين الخروج من أنا الفخر الجاهلية إلى أنا الأخلاق النبوية
نزلت (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) لأن الرحمة لم تكن خُلقا ثانويا بل كانت المناخ الذي يعمل فيه الميزان كله ويعمل فيه العقل الجديد، لا خلقا فرديا ولا عاطفة عارضة؛ فهي التي منعت القصد من أن ينقلب صلابة باردة، فانطلقت منها الأخلاق وبدأ منها الإحسان، وتبدل بها المنطق، لتكون الشدة والصرامة تحت ظلال الرحمة
ظهر هذا المناخ في السياسة الكبرى يوم شج وجهه الشريف بأُحُد وسال دمه فقالوا له: ادع عليهم، فمسح الدم عن وجهه وقال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، لم يخرج من جرحه ثار جاهلي كثأر عمرو بن كلثوم؛ بل خرجت منه رحمة عليا، في مشهد لم يعرفه العقل القبليُّ الجاهليّ الذي يرى في الدم دما، أما هنا فقد صار الدم حجة على العفو، والجرح منطلقا للغفران
وظهر في الطائف، حين خرج يطلب النصرة فقوبل بالسخرية ورمي بالحجارة حتى سالت قدماه؛ عرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين فقال: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده)، لم تكن الرحمة انفعالاً لحظيا، بل أفقا يتجاوز الحاضر كله إلى مستقبل لم يولد بعد، ومن بعد أن كان العربي القبلي الجاهلي يتشوق إلى الثأر إذا أوذي في اللحظة ذاتها؛ جاء النبي العربي يتشوف إلى الخير في الذرية، فجعل الرحمة منطقا للتاريخ كله
وظهر مع أسرى بدر، حيث كان المنتصر في عرف الجاهلية يبطش بخصمه ليزيد مجده ويخلد مآثره وفرض هيمنته، لكن النبي ﷺ قدم الرحمة ميزانًا فأقرّ الفداء، وبادر الصحابة بوصية رسولهم: (استوصوا بالأسارى خيرا فأعطوا الأسرى خبزهم وأمسكوا التمر لأنفسهم لأن طعام الخبز أعلى وأجود من طعام التمر، فكان الأسير يأكل أفضل مما يأكل آسره، وهنا أدرك العرب أن الرحمة لم تعد ضعفًا يُستحى منه بل صارت نظام قوة يضبط حتى العلاقة مع العدو، وقد تأثر بذلك أبو العاص بن الربيع، فقال: كنت في رهط من الأنصار، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إليّ. لذا عاد أبو العاص إلى مكة ثم عاد إلى المدينة مسلما، وأسلم مثله السائب بن عبيد والوليد بن الوليد بن المغيرة؛ بهذه الرحمة؛ منطق العربية النبوية التي فتحت القلوب
وتجلّى الصدق في في العلاقات الاجتماعية؛ في النهي عن الكذب في المزاح كما في الجد إعلانا أن الحقيقة لا تعرف لعبا، حتى ضحكة المرء صارت مضبوطة بالصدق، فإذا مزح فلا يقول إلا حقا. بل جعل النبي ﷺ الكذب في وعد الصبيان خطيئة، حتى لا ينشأ الطفل على وهم يغريه ثم يخذل ثم يتطبع بهذا الكذب ويتخلق به وصارت الأم كما الأب تحت مجهر الحقيقة حين يعدا أولادهما، لتبقى الحقيقة حاضرة في البيت كما في السوق، وفي وعد
وتجلى في المجال السياسي، فحين جاء المنافقون يعتذرون بألسنتهم بعد تخلّفهم عن تبوك قبل النبي ﷺ ظاهرهم ووكل سرائرهم إلى الله، لكن الله فضح كذبهم في القرآن: «يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين». وقبل رسول الله من الثلاثة الذين خُلّفوا وأعلن صدقهم، على أن هذا صدقهم قد حمل تبعات قاسية عليهم اعتزلهم الناس لا يكملهم أحد، لا يسلم عليهم أحد، قطيعة كاملة، وعقاب على التخلّف، لكن الصدق منجاة، فحتى لو عوقب المؤمن على خطيئته فإن عاقبة الصدق بعد العقاب مرضية لجوهر إيمانه ومعدن أخلاقه. تاب الله عليهم وأحبهم، وعوّضهم، وأكرمهم، وضحك لهم رسول الله وفرح بهم. هنا صار المجتمع كله يعيش تحت نظام حقيقة يكشفه الوحي، فلا صدق بلا عاقبة حسنى مهما كان العقاب، ولا كذب يمر دون عار، ولو ستره الاعتذار . ووصم بذلك المنافقون فئةً شديدة الاحتقار، لا لأنهم خانوا السيف والطريق؛ بل لأنهم خانوا الكلمة، خانوا الحقيقة والمقصد والإيمان . ثمّ استباح الأمويون المدينة في عهد يزيد، فكسروا هيمنة العربية النبوية على الوجدان، وأعادوا العربية الجاهلية تحت لواء الدولة الأموية. مقتل عبد الله بن الزبير ولّد العربية الأعجمية؛ لم تعد الثقافة والمنطق عربيتين، والحجاج رمز الضبط القسري الأموي، والبوابة المظلمة التي مهّدت للتشظي أكثر مما حمت منه، رغم تصويره كمناصر للعربية، كان انتصارًا جاهليًا محضًا، زعيم العصبية العربية تجاه الأعاجم، حامل راية العربية الجاهلية بأقبح مسالكها، أحيا منطق القبيلة: فرض اللغة بالقوة لا الرحمة، سلّطها أداة هيمنة وتفريق، وأشعل تحت ضبط اللسان نار الشعبوية ومهانة الموالي . واليوم، صار الشرط الأكاديمي مهيمنا على القول والكتابة، ولم يعد معيار المعنى التغير فى النفس؛ بل فى القدرة الأسلوبية، تغيّر العقل فدرّب نفسه على ما يُدرّس لا على ما يُحسّ، وتحوّلت العربية إلى نموذج لغوي تقعيدي يُنتج نفسه بنفسه؛ لا لسانًا ثقافيًا ينتج حياة معاشة، واستبعد المعيار الأخلاقى من الضمير والتفكير لأنه لا يقاس لغويا ولا معجميًا، كحال اللغة الأجنبية التى لا تعرف الضمير الأخلاقي في تكوينها، وأقصي الوجدان، وسلع الشعر والنثر والأدب ليكون رهين السياسة والمسابقات ومحاولات الوصول إلى المال والنفوذ؛ وغابت حريّة الموقف والقضية، وهكذا أقصى العربى ذاته العربية في أطوارها السابقة حملة جملة، حتى فقد أصالته وجوهره
بني هذا التهيؤ في المراحل الأخيرة من الطور الأعجمي تراكميًا، جيلٌ يُعجَب، وجيلٌ يُقلّد، وجيلٌ يُدرس، وجيل لا يعرف أصل الفكرة ابتداء، ويظن أنها من صلب تراثه، ويبدأ بالدفاع عنها، ومن لحظة الدفاع، تبدأ الأزمة الأكبر : أن تتحوّل الغربة إلى أصالة، والاقتراض إلى تأصيل، والتقليد إلى منهج، ويصبح كل مشكك في هذا البناء المسخ متخلفا ضيق الأفق معاديًا للعلم غير عقلاني، وهنا تتكرّس الهزيمة لا بوصفها لحظة شعور؛ بل بوصفها وعيًا مؤسسًا يُنتج أجيالاً تستهلك الأعجمية وتس��يها عربية
وما إن صارت الأعجمية هي العربية الجديدة؛ حتى بدأت تخلي مكانها للعولمية القادمة، لأن العقل الذي اعتقد نقصه لا يمانع إعادة تشكيل نفسه من جديد كل مرة. فحين جاءت مفاهيم الإدارة والتسويق والريادة والاقتصاد والتنمية والحداثة والدولة الحديثة؛ كان هذا العقل في تمام التهيؤ لاستيعابها، لأنه يُعرِّف ذاته مستهلكا للنماذج لا خالقا لها، وطالبا في مدرسة العالم الحديث لا مؤسس كينونة عربية قادرة على العيش بأصالتها رغم العولمة
وُلد الجيل الأخطر بعد اكتمال التهيؤ النفسي؛ لم يعرف الرفض ولا التنازل، نشأ في أرض مُهيّأة للاستهلاك، تعلّم منذ طفولته أن العربية للكتب والإذاعة، والحياة الحقيقية بلغة أجنبية: تعليمًا، عملًا، طموحًا، تقنيةً، إعلامًا. عاش انفصام اللسان: لسان للامتحان، ولسان للنجاح، ولسان للحياة، ولسان للعمل، ولسان للحلم، ولسان لإسكات الضمير، ولسان لإسكات الآخرين، ولسان لا يسمع فيه نفسه. لم يعد يعرف من هو، ولا بأي لغة يفكر، ولا بأي لسان يعرف ذاته. صارت لغته أداءً لا شعورًا، تمثيلًا لا امتثالًا. هذا ذروة التهيؤ: خروج من العربية النبوية إلى عربية غريبة لا تشبه أصله ولا ذاكرته ولا أخلاقه
جوهر الأزمة لم يكن استيراد مفردات غربية، بل نسيان مفرداتنا الأخلاقية: الأمانة، المروءة، الرجولة، الكرم، الغيرة، الحلم، الستر، الوقار، العفة، الصدق؛ غابت من الحياة، وبقيت في الخطب والبلاغة. صارت الكلمات تقاس بوظيفتها التقنية لا بوزنها الأخلاقي؛ الفعالية مقدَّمة على الفضيلة، والانكشاف مبرَّر باسم الصراحة، والنجاح مقدَّم على الأمانة. أصبحنا نصوغ اللغة بمنطق الإعلان لا بمنطق الصدق، وامتلأت خطابات المؤسسات الثقافية والوزارات بجمل جوفاء: تمكين الإنسان وتطوير الكفاءات واستدامة الحلول وهندسة المبادرات؛ جمل بلا حرارة، بلا موقف، بلا روح، تكشف الفجوة العميقة بين المتكلم وواقعه، والانفصال بين البيان والمعنى
حين جاءت العولمة لم نُفاجأ بها؛ كانت الأعجمية قد درّبت العقل على القبول. سقطت الجدران من الداخل: الثقة، الغيرة على اللسان، الحياء من الترجمة، الخوف على المعنى. صارت الحاجة: أدوات عرض، قالب جاهز، إنجليزية ملساء، سوق مفتوح. تقلّصت العربية إلى زينة لا روح مشروع، دخلنا العولمة ضاحكين نظنها ازدهارًا، ولم نر أنها انقراض إنساني لا لغوي: المفردات بقيت، والإنسان الذي يسكنها غاب
انتقلت العربية من لغة حيّة إلى لغة معروضة، لافتة على مبانٍ متصدعة، ووشاحًا على جسد ممزق. صارت محمولة لا حاملة، محفوظة في الهوية لا في الطباع، مستعملة للزينة لا للحياة. لم يهجرها الناس لفظًا، هجروها خُلقًا. احتفوا بها رسميًا، وانفصلوا عنها وجدانًا. رفعوها شعارًا، وأسقطوها سلوكًا. تحولت من أسلوب حياة إلى قطعة تراث، تفقد اللغة كونها ثقافة وتصبح قناعًا، وحين تفقد كونها منطقًا تصبح شعارًا، صار الطفل العربي يعرف الكلمة ولا يعرف طعمها، يقرأ القصيدة ولا يشعر بجرحها، يتخرّج بلا نص يهزّه أخلاقيًا. تكونت هوية بلا معنى، بلا قيمة، بلا سلوك: يدافع عن العربية ويعيش بغيرها، يتدين شكلاً ويستهلك نمطًا غربيًا، ينطق بالهوية ويمارس نقيضها
العربية العولمية قامت على ثلاثية مدمّرة: الاستلاب (قياس الذات بميزان الأجنبي)، الاستعراض (تحويل اللغة إلى ديكور وهيبة لا حياة)، الانفصال (خوف منها بدل السكن إليها)، تحوّل القرآن إلى مهرجانات، والعلم إلى قوالب، والخطابة إلى مهارة أداء بلا أثر أخلاقي. فقدت الجملة العربية روحها؛ نحوها حيّ وحرارتها ميتة. صارت الكتابة مستوردة في بنيتها: مقدمة جاهزة، عناصر باردة، خاتمة توصيات. رسائل جامعية بلا روح، بلا نبرة، بلا نسب. امتد الخلل إلى الإعلام والدين والسياسة. أُقنع العربي أن لغته لا تصلح للعلم ولا للإدارة ولا للفكر؛ صالحة للمشاعر فقط. فدار بالفرنسية، وبرمج بالإنجليزية، وتفلسف بالألمانية، وغنّى بالعربية. صارت اللغة مشهدًا لا حياة: مشهد خطبة، مشهد نشيد، مشهد بيان
بات العربي يتكلم بلسان غيره ويفكر بمنطقه، ليس انكسارا لغويا وحسب، بل هو سقوط في جحيم فقدان الذات والذاكرة، أصبحت به اللغة قناعا ، والمعنى سلعة، والعربية مناسبة وطنية يحتفل بها ، لا فكرة تبنى حولها الحياة. أصبحت العربية عبئا في المدرسة، وتكلفا في الإعلام، وتمثيلاً في الخطابة، ومهزلة في الترفيه، ومراوغة في السياسة. لم تعد لسانه، بل أصبحت قناعا يتبدل حسب المنبر. بل حتى في ميادين المقاومة لم تسلم اللغة من الانفصام، فترى من يقاتل في ميدان الكلمة باسم الهوية، لكنه يعيش على طريقة المستعمر في منطقه وعلاقته بالكلمة والمعنى
طرح مميّز يتتبّع مسارالهوية العربية عبر أربعة أطوار ثقافية، بأسلوب تأملي يمزج بين القراءة التاريخية والنقد الحضاري، ويتوقف عند نقاط انعطاف كبرى أثّرت في تشكيل منظومة القيم عند العربي؛ ما يجعل الكتاب إضافة مهمة في نقاش الهوية العربية.