يفتح الباب، فينسكب ضجيج العالم في صمتٍ دام نصف عمر. يخطو كمن يستيقظ من حلم، ليجد نفسه زائرا من زمنٍ آخر، في مدينةٍ تحمل أسماء ذكرياته لكنها لم تعد تعرفه.
ملجؤه الوحيد هو غرفته الصغيرة، ومنطق السينما الذي يألفه. هو الذي كان «عارض أفلام» يمنح الناس أحلامهم على الشاشة، صار الآن يشاهد شريط حياته: ذكريات دافئة بصحبة أخيه «طه»، وحاضرا مريكا، وحبكة تنتظر مشهد النهاية.
في مغامرة سردية جريئة، ينسج عمرو العادلي رواية تختبر الحدود الفاصلة بين العقل والجنون الذاكرة والنسيان، والواقع والخيال ليطرحالسؤال الأبدي حين تفشل كل خرائط الواقع، هل يمكن لخريطة السينما أن تقودنا إلى النجاة؟
تخرج في جامعة عين شمس من قسم علم الاجتماع. بدأت مسيرته الكتابية في عام 2008 حينما نشر أول مجموعة قصصية له بعنوان «خبز أسود» وما دفعه لبدء كتابة الفن القصصي هو تأثره بكتاب «فن الشعر» من تأليف أرسطو وكتاب «الديكاميرون» من تأليف جيوفاني بوكاتشيو. وتعدُ «إغواء يوسف» هي أول نتاجه الروائي والتي صدرت في عام 2011. كما تتميز روايته «المصباح والزجاجة» كونها روايته الوحيدة الموجهة للأطفال والناشئة وقد وصلت للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب في عام 2018. حاز العادلي على العديد من الجوائز منها جائزة الدولة التشجيعية عن روايته «الزيارة» في عام 2015. وفي نفس العام حصل على جائزة ساويرس الثقافية فرع كبار الأدباء عن مجموعته القصصية «حكاية يوسف إدريس». وكذلك وصلت روايته «اسمي فاطمة» للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في الآداب عام 2019. ومنذ عام 2013 والعادلي ينظم الورش الأدبية للكتابة الإبداعية من ضمنها ورشة دار إشراق المجانية لتعليم الكتابة الإبداعية وورشة «تويا» وغيرها من الورش.
رواية (وكالة النجوم البيضاء) للكاتب عمرو العادلى، الصادرة عن دار الشروق حديثا. إنطلاقا من مهنة بسيطة غالبا لا يلتفت أحد إلى أصحابها. عارض الأفلام في دور السينما، ينسج العادلى عالم هذه الرواية الساحرة كما سحر شاشة العرض الفضية، التى يتسمر أمامها البطل بالساعات داخل حجرته الضيقة، لتتسع حوله وسع عوالم الأفلام التى يشغلها. من خلال حكى سعيد الرجل البسيط متوسط التعليم، عن حاله ونشأته. وبتقنية الفلاش باك نعرف أن والده كان رسام لأفيشات الأفلام. حاول أن يحقق أحلامه المجهضة في إبنه. ويحب أن يصدق أن له إنتصارات صغيرة في حياته البائسة تعينه على إنتشاء وقتى يجابه به صعوبات الرحلة. يقع سعيد في أزمة كبيرة، ضخمتها السياسة التى تؤثر في سير الأحداث إلى مصير محزن. كما لو أنه لا يكفيها تأثيرها المستمر الغير مباشر، من وراء الستار. لتظهر فى هذه الحادثة كوحش كشر عن أنيابه، وإنقض على سعيد الذى ليس له نصيب من اسمه، فى لحظة ضعف ويأس وإحباط. لتقضى على ما بقى من عقله وإنسانيته. السرد الرشيق الممتع أكثر بكثير من الحوار. وهذا لطبيعة النص الذى يحكى القصة من منظور وعقل ورؤية سعيد. فكرة تشابه الحياة وتداخلها مع الأفلام، فكرة رائعة جدا، استخدمها الكاتب جيدا وأخرج منها وصف وسرد وخيالات ورؤى جميلة. رسم الكاتب شخصية سعيد بتفاصيل دالة، فى الطفولة والشباب، والمواقف التى اختار الكاتب إبرازها حددت بخفة ومهارة تكوينه ونفسيته وحتى ما آل إليه لاحقا. الشخصيات الجانبية أيضا كان لها دور هام فى إكمال الصورة وإيصال رؤية الكاتب وفكرته المدهشة. الرواية صغيرة نسبيا ١٥٩ صفحة استطاع فيها الكاتب إختزال القصة العجيبة، والتأثير في كقارئة وجدت نفسي متداخلة مع سعيد، أرثى لحاله وأتفهم أفعاله، وأتسائل: هل هذا الخيال من الممكن حدوثه؟ هل حياتنا متشابهة أو متقاطعة في أجزاء منها مع شريط سينمائي ما ؟ كم سعيد ليس بسعيد رغم مشاهدته لجمال الفن السابع ؟ اخترت لكم منها هذه الإقتباسات: إن الجلوس لساعات أمام الحكايات الخيالية، ينبت أملا غير موجود في الحياة الواقعية. أعطته الأفلام وعدا زائفا بأنه حر، وحين صدق ما يراه اكتشف خدعته. تعاستى الحقيقية في إجباري على تبادل الأحاديث المطولة. خصوصا حين تتكرر فيها مفردات معينة. أتخيل سر شقاء العالم في الكلمات الفائضة عن المعنى. تمنيت لو تتبدل بالصور كالسينما الصامتة. الحياة عبارة عن فيلم قابل دائما للإحتراق.