تأسرُك هذه الرواية من افتتاحيتها المدهشة، حيث تؤُمُّ البطلة، الفتاة القوية “بنت عطشة”، أقرانها من عيال الشارع وأقاربها وشقيقها في صلاة، فتُخيِّرهم بين صلاة الخنافس، أو العقارب، أو الجراد! تُقدِّم «بنت عطشة»، بلغة تمزج البراءة بالسخرية والإساءة، رحلة انتقال عائلتها وجيرانها في قرية «نجدية» من حياة تقليدية إلى التمدن بتفاصيله العاصفة، كما تكشف البطلة الصغيرة عن رحلة انتقالها هي نفسها من الطفولة إلى الصبا، فتمنحنا إمكانيةَ فَهْمِ أهل القرية وتصرفاتهم الصغيرة المدهشة، فيما يتقدَّمون بحذرٍ نحو مستقبلٍ لم يختاروه تمامًا.
الرواية أدبيّا وفنيّا مكتوبة ببراعة، أحببت الصوت الطفولي المتقطع والساذج والبريء، أحببتُ جهل البطلة بحقيقة ما يجري وبالتالي عجزها عن اطلاع القارئ عليه، ماذا كان يفعل والدها؟ هل تزوّج امرأة أخرى؟ ما القصص الحقيقية لنساء القرية؟ هل كان والد ترفة يزور دار العبيد ولماذا؟ أسئلة مفتوحة منسجمة مع حداثة عمر الطفلة وبراءتها، وبالتأكيد أحببت لغة الطفلة الدقيقة في الحديث عن كلّ من والديها.
ثلاث عناصر لم أحبها في الرواية: ١/ غياب الخيط الناظم والذي كنتُ لأعدها مشكلة بسيطة لولا أن ٢/ الرواية فشلت في تحفيز سؤال: "ثم ماذا سيحدث؟"، فقصة الوالدين مثلاّ متقطعة وأقرب لمجموعة سكتشات، ونقطة قوة الرواية في سرد الطفل تشي للقارئ الحصيف بأنّه لن يحصل على اجابة حول علاقتهما، أما بقية أحداث القرية فمتفرقة وغير مثيرة للاهتمام.
لم أحب النهاية المفتوحة أيضا، حيث شعرتُ عندها باختلال حقيقي للتوازن بين غياب المعلومة وحضورها، فلا مبرر لانقطاع الرواية قبل ظهور الحقيقة الأخيرة، وأزعم بأنّ الرواية لو اختتمت بالكشف عن الميت لكانت أعظم أثرّا.
غالبًا ما تعجبني الكتب الي تُحكى على لسان طفل، كسر القاعدة شجرتي شجرة البرتقال، وتليها بنت عطشة. الجرأة وشعاة الذكاء البريئة مذهلة. تحية لأمل عرفت كيف تكتب الطفل ولم تهمل في كتابة المحيط كاملًا بما يرسم واضحة جدًا
الاستمرارية مع الاجادة والتفوق ليست بالأمر السهل لكن هذا ماتفعله أمل الفاران.. تواصل الكتابة وتواصل الاجادة قدمت (غواصوا الاحقاف) واحدة من أهم الروايات العربية ثم عادت لتكتب ( حجرة) رواية صغيرة شديدة الفنية وهاهي الآن في ( بنت عطشه ) . أن تكتب بصوت طفلة تضع قدمها في المراهقة فتصور الحياة من خلال عينيها هذا يتطلب براعة كبيرة. ولهذا لي ان ازعم أن ( بنت عطشة) نموذج متفرد في الرواية المحلية . ( في البيت احضن الاوراق برائحتها الغريبة افتشها بسرعة صور بيوت ملونة. أتهجا الكلمة المخطوطة على الغلاف..ايكيا.) كنت ذات يوم في عمر بطلة الرواية في بيتنا الشعبي الصغير اقلب صفحات ايكيا وأنظر بدهشة الى تلك المقاعد الوثيرة والعجيبة. ( بنت عطشة) رواية شجية تجعلك لا تملك سوى أن تلهث خلف الطفلة المراهقة وهي تروي وتروي وتروي .
بنت عطشة الطفلة التي تروي قصتها دون أن تنطق بإسمها مابين ميلها لأبيها و نفورها عن مناداة عطشة بـ أمي ! ففي كل مرة تروي شيء عن والداتها تسميها بأمنا أو أمه متخففة أو متنازلة عن صلتها المباشرة بها و كأنها شيء فرض عليها دون أن ترغب باختياره
مع كل صفحة أقرأها كنت أتحسس نتوء صدر الطفلة فيما ترويه عن نفسها و من حولها علاقة مريضي و عطشة جهيمان و الفويرة (هي) صاحبة الظهور الأقوى و الهوية المسجاة و صديقتها ترفه
كل شي في فردة يشي بقصة نُسيت أو لم تكتمل و كأن كل شي توقف قبل أن يصل لمرحلة بلوغه !
رواية تحمل صور سينمائية فيما لو تحولت يوما على يد مخرج شاعري يترجم لغة الرواية إلى مشاهد سينمائية أو مسلسل درامي قصير . أما من الناحية السردية للرواية فهي ضعيفة تفتقد للغة الأطفال الشاعرية وخيالهم وفلسفتهم وتعبيرهم عن علاقتهم بالوالدين . الرواية لم تحاول إفهامنا تلك العلاقة المعقدة بين الطفلة ووالدها ولا أين يذهب وماذا يعمل ولا أمها التي تناديها بأمنا لماذا هي تعاملها بقسوة . ويبقى أهم عمل أعجبني لأمل هو رواية غواصو الأحقاف .
رواية جميلة مكتوبة على لسان طفلة تحكي أحوال قريتها مشاكل والديها والاستجادة بأحوالها وليالي المبيت عندهم، مغامرات الشارع مع الصبية والتسلسل إلى مناطق العبيد والخرابات. الذهاب للمدرسة و ساحات العراك خارج اسوارها .