نص محيّر.
في رحلتي لفهم منجز العروي الأدبي، أخالني قد أمسكت بزمام الثيمات التي يميل إليها والمسائل التي يطرحها ويحاول معالجتها في نصوصه لكن عند لقائي برجل الذكرى، يبدو لي أني تسرعت بعض الشيء في هذا الحكم.
أعزو الأمر إلى صغر سنه عند تأليفه لهذا النص المسرحي، و لكونه تجربته الأولى في هذا الصنف الأدبي. ما أعرفه على وجه اليقين هو أن العروي قارئ متمرس وناقد فذ وهي حصيلة عقود طويلة من القراءة والكتابة والتجريب. ولعله لو كتب هذا النص في عقده الرابع أو الخامس لكان أفضل مما هو عليه بكثير ومن جوانب عديدة.
ثيمتَي الغربة والإحباط لا تفارقان العروي في نقده وسرده على حد سواء. فنجد عمر، بطل هذه المسرحية يشبه ادريس من حيث الحيرة والتيه الذين يلازمان الشباب. هذا النص كتب بعد استقلال المغرب بسنتين، لذلك يبدو محملا ومثقلا بآمال كثيرة أُجهضت بسبب نزاعات سياسية وأيديولوجية حكمت على المغرب ألا يخطو للأمام بسبب مطامع الأبطال الذين حررّوه وتطلعهم للسلطة والقيادة، وهو حق مشروع إلى حد ما.
ترنح عمر بين الأصالة والحداثة يبرز اهتمام العروي بهذا الصراع الذي عرفه المغرب منذ الغزو الفرنسي له، ولا زالت بعض آثاره جلية على المجتمع المغربي ليومنا هذا. مع حس نوستالجي نستشعره في حياتنا اليومية بالمغرب لأمجاد خلت ولهوية ثقافية لفرط ما أهملت كادت أن تندثر محدثة قطيعة مع الماضي من مواطني Le Maroc و Morocco، محاولين الآن إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر التساؤل والنبش في التاريخ كما جاء على لسان عمر، "آه! لو عرفنا كيف حصل أن انسخلنا عن ذواتنا، بل كيف حصل أن جُرّدنا منها!".
من بين الأشياء التي لفتتني في هذا النص هو إصرار العروي من خلال شخصية عمر على تحطيم تابوهات الوصاية والوعظ من طرف كبار السن على جيل الشباب في مغرب ما بعد الاستعمار وإثقالهم بطموحات وآمال لا حول لهم ولا قوة لتحقيقها في سن صغيرة وخبرة قليلة بل تكاد تكون منعدمة في بلد يحاول أن يستجمع شتاته وينهض بعد وقعة طويلة.
لا أحب أن أتدخل في اختيارات الكاتب وقراراته الفنية تجاه نصه، ولكني أزعم أن العروي لو استطرد بعض الشيء في حوارات عمر وعمه حسّون لزاد النص عمقاً وجمالاً.
في المجمل تجربة جيدة، جديرة بالقراءة كباقي أعمال السي العروي.