ينقسم الكتاب إلى بابين في تسعة فصول يوضح فيها الكاتب معنى الحداثة وما بعد الحداثة وأن الحداثة لا ترفض وجود النفس مثلما فعل أصحاب ما بعد الحداثة، ويتناول الباب الأول الدراسات في أدب عصري الحداثة وما بعدالحداثة أمثال صلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، وشعره فى ميزان النقدية. مع تقديم دراسة لرواية زقاق المدق من خلال مفهوم الوجودية والحرية عند نجيب محفوظ ومن الكتاب الأجانب جون آشري وهو من شعراء ما بعد الحداثة مع دراسة الواقعية الروحية في شعر إي.أ.أمونز. أما الباب الثاني فدراسات متنوعة في فكري عصري الحداثة ومابعد الحداثة ميتافيزيقيا ودراسة في الأنطولوجيا والنقد ودراسة النقد الأدبي من منظور فلسفي.
قدّرت علم المؤلف كثيرًا، غير أني لم أحسه ينتمي حقًا إلى عالم الأدب والفكر، فقد كان أميَل لعالم لفلسفة والعلم بوضوح كبير، ولذلك نشأت هذه الفجوة الواسعة بين جانب الفلسفة لديه ومحاولة ربطه بالأدب، فالأدب كان في ناحية والفلسفة في الأخرى، ولم يكن المؤلف، على فضله، به هذه القدرة على أن يجمع بينهما، فظلّ الشرق شرق والغرب غرب، وصراحة مقدمة محمد عناني لهذا الكتاب هي ما يستحق أن يطلق عليها دراسة في أدب وفكر عصر الحداثة وما بعدها، فمحمد عناني أديب قبل أن يكون ناقدًا أو مهتمًا بالفلسفة، ومقدمته شائقة تمتد عبر أربعين صفحة ومغدقة بالأدب والفلسفة والشعر كعادة مقدماته، رحمه الله.
ثم جاءت الدراسات الأدبية الخمسة كانت كأنها مقالات مطوّلة مراجعية، من المراجعة لا النقد، ولا الدراسة بالتأكيد، وكان شعوري الغالب حال قراءتها بأنها مراجعات خفيفة الدسم إلى حد بعيد، وحتى الاقتباسات من الأعمال التي كان «ينقدها» كانت مطوّلة للغاية ولم أحس بالهدف من إدراجها هكذا بتعليقات جدّ بسيطة وعامة وغير متأملة، مع يقيني أن المؤلف نفسه يقوم علمه على أساس عميق من الفلسفة، ولكن من ناحية الفلسفة النظرية وتاريخها واستعراض أقوال رجالها ومذاهبها، دون تطبيق على شيء، فحسنة هذا الكتاب، بعد مقدمة عناني، هو مقال الميتافيزيقيا والأدب، وهي دراسة فلسفية نظرية مطوّلة تخوض في الكثير من الأقوال الفلسفية وتعرض أهم مذاهبها بين الفلسفة الوضعية والميتافيزيقية والواقعية الروحية (المذهب الوسيط الذي يبشّر به المؤلف)، وقد جاءت على النمط الأكاديمي، فتكوين المؤلف ليس تكوينًا أدبيًا، وعادي، ولكن أقصد أن الفارق كان واسعًا للغاية بين أسلوب عناني الأدبي المازج للفلسفة مع الأدب، وبين أسلوب الأستاذ الجامعي.
وأحسبني أختلف مع المؤلف في قوله: نظرًا لأن أمل دنقل لم يكمل تعليمه الجامعي فقد شابهُ قصور شديد في ثقافته، فهو في هذا الخصوص أدنى من صلاح عبد الصبور في ثقافته وشاعريته، لذا نراه على عكس صلاح عبد الصبور يسقط أهم أساس من أسس الهوية المصرية والثقافة المصرية، أي ثقافة مصر القديمة ويعتبرها وهمًا.
ولكن هذا غير صحيح ويعدّ قصورًا من المؤلف في الإطلاع على تجربة أمل دنقل، مع شهرة هذا الموقف من حياته وكثره حديثه عنه، فالمثال الذي ضربه بالذات عن إسقاط أمل لأساس ثقافة مصر القديمة، قد تحدّث عنه أمل من قبل منذ أن قدّم إحدى قصائده لينشرها لويس عوض في الأهرام (وكان يعمل بها مستشارًا أدبيًا) وكانت القصيدة المقدّمة بها إشارة إلى قصة من التاريخ المصري القديم، إلا أن أمل فوجئ أن لويس عوض، المثقف والدارس للأساطير والتاريخ، يسأله عن معنى هذه الإشارات، فلم يدر بخلده (أي لويس عوض) أنه يقصد هذه القصة المصرية القديمة على الإطلاق، فصُدم أمل أن يخفى هذا عن مثقف مصري، فكيف بسائر الناس! ومن عند هذا تفكّر في «غياب الدلالة»، وأن أساس الثقافة المصرية القديمة ليست بتاريخ مشترك يستطيع عامة المصريين العودة إليه، فالشعر لمح تكفي إشارته، ولذلك تفكّر ثانية ليعرف أن التاريخ المشترك الذي يربط بين المصريين، وبين العرب عامة، هو التاريخ العربي والإسلامي، فترك هذا الأساس المصري القديم الذي يجهله أكثر الناس، واندفع إلى الجانب العربي والدين المشترك، فاشتهرت قصائده التي ذكر فيها زرقاء اليمامة والمهلهل والزير سالم وسيدنا نوح وابنه وسفر التكوين وأبا نواس وصلاح الدين وصقر قريش وحرب البسوس وغيرهم من هذا التراث المشترك الذي إذا أشار إليه تُفهم إشارته.
حسنة الكتاب الثالثة هي الحوار المنشور مع المؤلف، فهذه قطعة حيّة عن دراسته للفلسفة وحديثه عنها.