لم يسمح لي أهلي بدخول مدرسة باليه، حينما أخبرت أمي أنني أريد أن أرقص الباليه وكنت حينها في السابعة، كانت بالمطبخ، ابتسمت بعذوبة ووثبت على أطراف قدميها ترقص بلا مهارة.. لكنني كنت أراها أجمل راقصة على الإطلاق. ثم حملتني من خصري بيديها ورفعتني بخفة تعليني وتخفضني وتدور وأنا أرى كل شيء يعبر، قدر الغداء على النار يغلي والنافذة المفتوحة عليها أصيص عشب اليانسون، وأشعر بدفئ أنفاسها خلفي.. ثم أنزلتني وهي تلهث. وضعت يديها على كتفي واقتربت بوجهها مني وقالت بجدية بعد تحديق صامت في عيني: لا حبيبي.. لن ترقص الباليه.. عليك أن تكون رجلاً.
الأفكار السابحة بين السماء والأرض | خديجة النمر أكثر مايميز هذه المجموعة القصصية هو خيال الكاتبة ، وقدرتها على الالتفاف ١٨٠ درجة من النظرة التي اعتادتها ووقوفها في الجهة المقابلة المخالفة .. هذه المقدرة جعلت من النمر تتعدى المحظور وتطرق في بعض قصصها تابوهات العقيدة التي عادة لا يريد أحداً مسها خوفاً من الاشتعال بنيرانها، حضور المرأة الكثيف في نصوصها كبطلة تزيح به النظرة المعتادة والتي تحصر النبوة والإمامة والمرجعية أيضاً في الذكور فقط ، سردها التاريخي كان محاولة لجعل التاريخ يروي الحقيقة ولو لمرة واحدة.
كانت القصص تتمحور في الميثيولوجية والتاريخ والرمز الذي حاولت توظيفه بطريقة جديدة أصابت في البعض منها فنحن أمام كاتبة تحاول بجدٍ اقتحام عالماً يضج بالذكور ببطلاتٍ أناث يتسلحن بالإيمان أنهم الأساس لكل شيء
الملامح الجمالية في الأفكار السابحة بين السماء والأرض
إبراهيم بوشفيع
الأفكار السابحة بين السماء والأرض للكاتبة المبدعة خديجة النمر هي مجموعة قصصية، أستطيع القول أنها تقع في منطقة التماسّ بين الشعر والنثر، أكملت قراءة هذه المجموعة للمرة الثانية فيزداد رصيد الدهشة والجمال في داخلي، وأستطيع القول بأنها أجمل مجموعة قصصية قرأتها على الإطلاق حتى الآن، وهذا رأي قد يتفق معي البعض فيه وقد يختلفون، ولكنّي أنصح بشدة أن تتم قراءة هذه القصص بقراءات ناقدة وفاحصة ومتأملة، ففيها الشيء الكثير. لعلي أستطيع تلخيص أهم الملامح الجمالية في هذه التحفة بما يلي: ١- اللغة الشاعرية والثروة اللغوية التي تتمتع بها القصص، بل وأكثر من ذلك تلاؤم اللغة مع طبيعة القصة بشكل مدهش وجذاب، فلغة قصة (قهوة مزة) تتحدث عن علاء الدين بلغة تشابه لغة الحكواتيين، بينما لغة (نبيذ ومربى ولبن) تقترب لغة الأساطير اليونانية كالإلياذة، وعلى ذلك فقس في باقي النصوص. ٢- الثراء الثقافي والمعرفي واضح وجلي لقارئ النصوص، حيث اعتنت الككاتبة عناية لا بأس بها في التعامل مع بعض المفاهيم والصناعات والآلات والأدوات بشكل موفق جدًا. ٣- التنوع الزمكاني والحضاري، فهناك نص للزمن الإغريقي قبل الميلاد وفي عهد آلهة الأولمب، ونص في زمن الحرب العالمية الثانية، وأخرى في صدر الإسلام، وبعضها في زمن ما قبل الخلق أو بعد خلق آدم، هذا التنوع يحتاج إلى ثقافة متعددة ومتشعبة، واطلاع واسع بالتاريخ والشعوب والحضارات، فقد تناولت الكاتبة مثلا حضارات وشعوب الإسكيمو والإغريق والقرامطة والعصر الصناعي والهنود الحمر. ٤- المفارقات وإعادة صياغة التاريخ والتأسيسات الدينية التاريخية، حيث تجعل في قصة سيدة الزمان امرأة هي المهدية المنتظرة على خلاف ما هو معهود في الثقافة الشيعية، وكذلك إعادة صياغة فترة خلاف يزيد مع الإمام الحسين عليه السلام بطريقة مختلفة وغير متوقعة على طريقة (ماذا لو حدث العكس؟!). ٥- الانتصار للأنثى وعلو الصوت الأنثوي في المجموعة، وهذا ما نلحظه في قصة سيدة الزمان التي أشرنا إليها، وكذلك قصة قهوة مزة حيث يكون علاء الدين في حقيقته أنثى متخفية بملابس شاب، وقصة الزبرجدية حيث تقدس هذه الحضارة الأنثى وتعبدها باعتبارها ربة العطاء، وغيرها من النصوص. ٥- الخيال الخصب والمحلق في سماء الميتافيزيقيا والأديان، كما نلاحظه في رائعتها من مذكرات حنائيل، والزبرجدية، والهبوط والصعود. هذا بالإضافة إلى روح المجموعة التي تفوح بالدعوة إلى التعايش والحب والسلام والفن ونبذ الحروب والإقصاء والعنصرية المقيتة. هذا بعض ما أسعفني به الوقت لكتابته واقتناصه من ملامح هذه المجموعة المميزة التي أرشحها لاقتناص جوائز في مجالها، ويمكنني القول إن بعض نصوص هذه المجموعة قد ترضي ذائقة عشاق قصيدة النثر والشعر كذلك. أتمنى أن نقرأ لمثل هذا القلم الفريد الذي يطفح أدبًا حقيقيا لا فوضوياً وجودياً لا تعلم أوله من آخره، أو سوداويًا تكاد تشنق نفسك بعد قراءته، هذه المجموعة القصصية ستجعلك تحب الحياة أكثر وتتأملها بعين أخرى.
أدهشني الخيال في المجموعة. اللغة كانت لذيذةً في بعض القصص بخلاف الأخريات التي كانت لغتها عادية. ثراء الكاتبة القرائي كان جميلاً أيضاً وملفتاً وإن كان أكثر مما ينبغي في القليل جداً من المقاطع. بشكل ٍ عام استمتعتُ بقراءة هذه المجموعة المميزة حقاً. سأحرص على قراءة القادم للكاتبة بالتأكيد.
منذ النص الأول الذي قرأته قديما في جسد الثقافة، لفتتني " خديجة النمر" بجرأتها ومتانة لغتها ومعالجتها للفكرة التي تشتغل عليها. ومنذ ذلك الزمان وأنا أقرأ ما أجده لها في أروقة الشبكة العنكبوتية!
سعدت كثيرا حين وجدتها جمعت بعض نتاجها بين غلافين.
" الأفكار السابحة بين السماء والأرض" من دار أطياف ومنشورات ضفاف 2014م
(٢) بشجاعة وتهور ولا مبالاة تعبث" النمر" في التاريخ وشخصياته وتخلق ما شاء لها الخيال والإبداع مدارات مغايرة لما عرفناه وتشربناه في وجداننا من شخصيات تاريخية لها حمولاتها الهائلة.
(٣)
استحضار التاريخ ومعالجته على غير ما كان عليه لهي مهمة خطرة وغير محمودة العواقب وتعرض صدر معالجها لسهام النقد والمساءلة و..الضجيج!
تماما كما حدث في " لو أن الله كفى المؤمنين القتال" ص ٩٣. بدت" النمر" تحمل على عاتقها اصلاح ما وقع من كوارث وفجائع بخلق " ذراع آخر لأخطبوط الزمن" لم يقتل الحسين بل آلت إليه الخلافة! و" يزيد" على قدر ما يحمل من هالة تاريخية متوحشة؛ تجعل منه وادعًا، عاشقا.. تنتهي حياته " بالشهادة".
هذه المعالجة الشائكة/ المخاتلة تشير إلى رفض لثقولات التاريخ ودمائه! لكن هل بدت مقنعةً النمر فيما تعالجه؟! القصة تتكئ على إعادة خلق " الشخصيات التاريخية" بما تحمله من قداسة في وجدان الناس لتخلف وراءها زوبعة من النقد الذي لا ينتهي.
(٤)
" الهبوط والصعود" ص ١٥ آدم بمعية الشيطان. لماذا أغفلت " حواء" ولم تأت على ذكرها؟ آدم يجوب الأرض تائها على غير هدى، لا يدري ما حياته ولا مآلها. دليله الشيطان، " رمزية التفاح" الذي يكررها الشيطان كل حين لآدم؛ تعيدنا للثمرة التي أكلها بتحريض " حواء" في الميثلوجيا. هنا تحضر كسؤال وبدون إجابة. الملفت أن " آدم" يبدو يائسا والشيطان هو من يشد عزيمته: كن جبارا، أنت سيد هذه الفلاة، احكم قبضتك. ومع أن الطريق كان واضحا لآدم حين قال له الشيطان: هناك. نتفاجئ بأنه يختار الدعة على التعب، وينام في الخيمة المنصوبة على بعد خطوتين منه!
المفارقات في هذه القصة مدهشة وملفتة. نحن أمام آدم تائه، وحيد، جاهل!
(٥)
... حتى وهي تطيل حكاياها، لا تملّ من قرائتها، في كل قصة فكرة؛ في كل فكرة دهشة!
" خديجة النمر" تملك أدوات القص بإقتدار وحرفية عالية.
(الأفكار السابحة بين السماء والارض) للكتاب أثرٌ يشبه عنوانه كثيراً، ليس فقط محتوى النصوص ،وبناؤها ، أسرارها ،ألغازها والإسقاطات التي صاغتها بطريقةٍ باهرة
-لقد أبدعت الكاتبه وأبرزَت ذكائها كأديبه ماهره ، ذات ثقافة واسعة الأفق ، تجلى ذلك في أوجهٍ عده، و من يريد أن يسبح مع هذه الافكار السابحه بين السماء والارض ،يحتاج خيالاً واسعاً ، وعقلاً يتّسع اللا عقْلنه أحياناً ، واطّلاعاً ثقافياً لابأس به كذلك : -افتتحت قصصها مع الخيال بقصةٍ خليقة لأن تكون البدايه لانها أحداثها تشير ل آدم وقصة خطيئته التي كانت معها بدايتنا نحن البشر مع الصراعات المختلفه تبدو قصة عاديّة ،لكنها ليست عاديه على الإطلاق ، حيث تؤرجح القاريء بين كون النص خيالياً او حقيقيا ان كان خيالاً فهو يشبه الحقيقه كثيراً ، لكنها ستصدمه في نهاية النص حتى يجد تفسيرا منطقيا لهذا التأرجح
-للفلسفة ،والتاريخ ،والفن صدىً قويٌ ، ولمسةٌ واضحه ،تلوح بين سطور القصص في هذا الكتاب ،هي ليست مجرد قصص ،بل مواضيع حساسه تلامس العقل والوجدان والأحاسيس المختلفه -الأبعاد الانسانيه مفتوحة على سماء العالم الواسعه ، حيث تحرّضنا على التحرّي والقراءة عن بعض ما أوردتْهُ من إلماحاتْ من خلفيّتها المعرفيه والثقافيه كل هذا يعكس عقليّةً فذّة واحساساً صادقاً مميزاً لدى الكاتبه.
-وجود بعض الإسقاطات الأدبيه والتاريخيه كان رائعاً ومتوافقاً مع سرديّة القصص كما في : (قهوة مزه )مثلاً
-خيالها كان جامحاً جداًوتجلّى بدرجاتٍ متفاوته من نص لآخر . استطاعتْ به خوضَ مايصعبُ خوضه من بعض القضايا ، في أبحر عديدة ، وقد وُفّقَت في إبحارها الناقدِ ،السلِسِ ،الذكيّ ،المتنوّع العميق. -برعت الكاتبه في تجريد نصوصها من شخصيتها ليغيب الراوي وتتحدث اللغه وحدها ،في سردٍ ربما يصلح كثيراً للأداء التمثيلي،والدراسة السيميائيه .
-يقول أحد النّقّاد (( أن تكتب هو أن تصل مرحلة تكون فيها اللغة هي الفاعلة والمؤدية ولست أنا))"*
-إنّ لكل قصة من قصصها معنى ظاهر ومعنى باطن ، حقيقةً استمتعت بها وحلّقتُ معها ،رغم انّ أجنحتي خذلتني عند بعض المحطّات المفتوحة ، فهناكَ دائما ثمّة مسافة يبدو ان الكاتبه أحكَمتْ قفلها في رمزيّة تحمل في عمقها انعكاساتٍ شفيفة ، تتيحُ للقاريء القبضَ على بعض ملامحها ولكن ليس كلها بالتأكيد .
*عن مقاله جميله بعنوان (موت المؤلف ) لعبد المنعم عجب الفيا • نشرت بمجلة العربي الكويتية عدد يونيو 2016
قلةٌ هم كتّاب القصص الذين ينأون بقصصهم عن الرتابة و التكرار والصورة النمطية للقصص في الأسلوب...ويُطعّمونها بالإبتكار والتجديد والإبداع في الفكرة و الأسلوب معاً.!.أحسبُ أن القاصة خديجة النمر واحدةً من هذه المجموعة القلة...قصص تحمل في طياتها مزيج من لغةٍ رصينة وخيال خلاّق يبعث على الدهشة...مطعَمةً بثقافة تاريخية تعيد حبكها كما تشاء رؤيتها في الكثير من القصص..!
أعتقد أنني سأكون متحمس جداً لأعمال قادمة من الكاتبه ، وأظن أنها ستكون أعمال في غاية الجمال أما الروايه فإني في الحقيقه لم أستطع فهم جميع نصوصها وهذا ما قلل من المتعة فيها ولكني بالمقابل أظن أن خيار إعادة القراءة بالنسبة لي سيكون خيار جيد. شعرت من النص تمكن الكاتبه ففي بعض ما كتب مايدل على جمال خيال الكاتبه وإطلاعها للسبب المذكور أعلاه أعتقد أن تقييم ٣.٥ مناسب ولأنه لا يوجد ٣.٥ فإن خيار أربعه سيكون أنسب كما أظن
مجموعة قصص قصيرة تنوعت وتباينت مواضيعها وزمنها، وتفاوتت في الاقتراب من الواقع فبعضها واقعي معاصر وبعضها جنح لحد إعادة كتابة التاريخ بسيناريوهات بديلة، ومن ثم شطح ببعضها الخيال مقتربة من حكايا جني المصباح، والنجمات التي تصيخ السمع لبني آدم وتنزل من علياءها لتقيم بين ظهرانينا.
القصص غلب عليها ثيمة التعددية وقبول الآخر ورؤية الانسان من زواية انسانيته.
ثم ان القصص تنم عن مستوى لكاتبة تجيد توظيف مخزون قراءة عميق، وتضيف عليه رشات خيالية مثيرة ومميزة، في قالب لغوي راق لي.