رواية عن هاجس مجتمعي يدور من بعيد حول هويته، بين راسخِ ومتجدد. بانكه ليست عن الجد، وإن بدا أنه محورها. وليست عن الحفيد، وإن بدا أنه امتدادها. إنها عن ذلك القلق الكامن تحت اللغة، تحت العادات، تحت المجالس التي تُعيد نفسها. بين من يرى في الثراء طريقا للثبات، ومن يرى في الكتابة هواءً للتنفس، نتكوّن ملامح حكاية لا تدور حول البطولة، بل حول التكرار. وحول الكسر الذي قد ينجم عن الدوران. بانكه محاولة للتوقف عن الدوران، رغبةً في الإجابة عن السؤال: هل يمكن أن ينتمي (لنا) من اختلف عنًا؟
هذه الرواية تمثل ولادة حقيقية لروائي قطري سيكون له شأن كبير.
رائد أبدع في رسم شخصيات الرواية فكانت حية وقريبة من النفس، وتمكن من صياغة حوارات الرواية ببراعة. كما أظهر نضجاً في توظيف أدوات السرد وتنويعها والانتقال في الخط الزمني بسلاسة. هناك ضعف في الإحساس بالامتداد الزمني في الرواية، ونمطية مكررة في بعض المواقف، ولكنها لا تقلل من القيمة الجمالية للنص.
عندما قرأت رواية رائد الأولى (أسوار البلدة)، قلت أنه يمتلك قلماً مؤهلاً ولكنه أنهكه في رواية أراد لها أن تكون ملحمية، فأتعبته في جغرافيتها وتشعباتها مما أظهرها بشكل باهت. في هذه الرواية اقتصد رائد في القصة فأخرجها بحلة أجمل وأكثر دسامة. رائد كما قلت سابقاً، يمتلك براعة اللغة وحسن الاطلاع، والأهم أن لديه ما يقوله وما يحسن الإنصات له ومناقشته وإن اختلفنا مع بعض الجزئيات في طرحه.
رواية «بانكه» ليست فقط رواية عن الغربة الاجتماعية أو سؤال الانتماء إلى الجماعة، بل هي رواية عن ترميم الذاكرة العائلية المكسورة. فالشخصيات لا تعاني فقط من رفض المجتمع لها، بل تعاني أيضًا من صعوبة فهم ماضيها الخاص. الجد يمثل الذاكرة الثقيلة والسلطة القديمة. محمد يمثل الوعي الجديد الذي يحاول الفهم والنجاة. عائشة تمثل الرعاية الممزوجة بالخذلان والقلق. حسن يمثل الحداثة العائدة من الخارج بما تحمله من ثقة ومنافسة. الأب الغائب يمثل الفراغ الذي يحرك أسئلة محمد. والكاميرا تمثل محاولة مستحيلة لإصلاح صورة العائلة. بهذا تصبح الرواية قائمة على سؤالين متداخلين: كيف ننتمي إلى مجتمع لا يعترف بنا كاملًا؟ وكيف نفهم أنفسنا داخل عائلة لا تمنحنا الحكاية كاملة؟
تكشف الصفحات المتفرقة من رواية «بانكه» أن أزمة الهوية في الرواية لا تنحصر في علاقة العائلة بالمجتمع، بل تمتد إلى داخل البيت والذاكرة والصورة. فمحمد لا يواجه فقط سؤال الانتماء الاجتماعي، بل يواجه أيضًا سؤال موقعه داخل عائلته: الأب الغائب، الأم الصامتة، الجد الغاضب، عائشة المتوترة، وابن العم العائد من الخارج. ومن خلال رموز مثل القدو ، العصى ، الجمر ،الظلام، السيجارة، الكاميرا، الصورة، الحسابات، والشركة، تبني الرواية عالمًا نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا معقدًا، تصبح فيه الهوية نتيجة لتفاعل الذاكرة بالسلطة، والعائلة بالمجتمع، والماضي بالحاضر. لذلك ينكشف أن جرح الشخصيات ليس فرديًا خالصًا، بل هو جرح متولد من بنية عائلية واجتماعية وثقافية تجعل الفرد يعيش بين الرغبة في النجاة والرغبة في فهم أصله ومكانه داخل الصورة الكبرى.
ختاماً يمكن القول إن الرواية تتحرك في اتجاهين متوازيين: الأول خارجي: علاقة العائلة بالمجتمع، وسؤال الغربة والاعتراف. الثاني داخلي: علاقة محمد بذاكرته، وبأمه وأبيه وجده، وسؤال الصورة المكسورة. وهذا يجعل الرواية أكثر عمقًا؛ لأنها لا تكتفي بطرح سؤال: لماذا لا يقبلنا الآخرون؟ بل تضيف سؤالًا أشد إيلامًا: هل نحن نفهم أنفسنا أصلًا؟
«بانكه» رواية عن هوية معلّقة بين المجتمع والعائلة، بين الخارج والداخل، بين الصورة والفراغ. إنها لا تبحث عن الانتماء بوصفه شعارًا وطنيًا أو اجتماعيًا فقط، بل بوصفه حاجة نفسية إلى الاعتراف، وإلى ذاكرة مفهومة، وإلى صورة عائلية غير مكسورة.