في مقولة لامبرتو ايكو تقول "ما لا يمكن تنظيره ينبغي سرده", أزعم أنّ امبرتو قالها بعد قراءة هذا الكتاب, أو العكس أنّ العروي كتب الكتاب بعد قراءة المقولة – خصوصاً انهم معاصرين لبعض – أو صدف أنني قرأت الكتاب والمقولة. المؤلًّف عبارة عن حديث أراد العروي إخراجه من مخيّلته وتجربته ولا يستطيع التدليل عليه, فأختار السرد كأداة و"ادريس" الشخصية التي عاشت رؤى العروي وتساؤلاته واحياناً إستنتاجاته, من خلال "أوراق" وجدها صديقين لإدريس. الصديقين فكرة عبقريّة تمثل في الكتاب التعارض بين الذاكرة والنص, وبين الذات والموضوع
في الكتاب – الذي هو لا رواية ولا سيرة – بعض من فلسفة وأدب, سينما وموسيقى. ما بين كانط وفيسكونتي, هيجل وفاردا, بروست والفاسيّ, فيليني وموزارت, بونيل وسارتر, سرد العروي ما يريد مكتسياً بصبغة عدميّة تظهر واضحة في الصفحات. تكلّم عن الوطن والمدرسة والعائلة في القسم الأول, وعن الوجدان والضمير والهويّة في القسم الثاني, والقسم الثالث عن العاطفة والذوق والتعبير, ولعل من الطرافة ذكر مقابلة الثلاثة أقسام لمشروع كانط القِيَمي – لا أدري إن كانت في ذهن الكاتب – فالمقدمات القبليّة في العقل تقابلها البيئة والتنشئة (العقل المحض – الوطن والعائلة والمدرسة), والنظام الأخلاقي مقابل الواجب والمرجعيّة (العقل العملي – الوجدان والضمير والهوية), وفي النهاية الجمال مقابل المشاعر (ملكة الحكم – العاطفة والذوق والتعبير
العروي ختم الكتاب بقول : "إدريس أودى به إيمانه". أقول: العروي أحياه تشكّكه