في هذا الكتاب, يضع الكاتب البرتو مانغويل بعض الكتب أمامه، ويشرع في حوارها، كما لو أنه يحاور أشخاصاً من حوله, ويحول هوامش صفحات تلك الكتب إلى ملعب خاص يجول فيه مع شخصيات الكتب و أفكاره, في هذا الكتاب تتعرف على العديد من الكتب والأفكار و الآراء حول الشخصيات والكتاب والمفكرين، وكل ذلك في مساحة هامش صفحات الكتب التي تعرض !
مقتطفات من كتاب يوميات القراءة للكاتب البرتو مانغويل
-------------------
القراءة عبارة عن محادثة , تماما مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما في اذهانهم , فان القراء يتورطون ايضا بحوار مشابه , يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة في الغالب لا يدون القارىء ردود افعاله , لكن احيانا تنتاب قارىء ما رغبة بامساك القلم و التواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص , هذا التعليق , هذه الهوامش , هذه الكتابة الظل التي ترافق احيانا كتبنا الاثيرة توسع من النص و تنقله الى زمن آخر , و تجعل من القراءة تجربة مختلفة و تضفي واقعية على الاوهام التي يرويها لنا الكتاب و يريدنا ( نحن قرائه ) ان نعيشها
-------------
لماذا تضل تكتب يومياتك ؟ ولماذا تدون كل هذه الملاحظات ؟ يصف سيد الجزيرة الغامض , موريل , الاسباب التي تدعوه الى تدوين مذكراته قائلاً : كي امنح الحقيقة الابدية لاوهامي العاطفية
------------
ان التقدم العلمي , ان لم يوفر لنا حياة خالدة فانه سيمنحنا على الاقل امكانية التمتع بالوجود لفترة طويلة , لست متاكدا من ذلك . لا اعرف ان كنت اريد حقا ان احيا لزمن طويل جدا , بعد الثمانين او التسعين ( و الحياة حتى هذا العمر هي على كل حال خلود قصير ) . الان , وقد بدأ يلح علي اليقين بان النهاية آتية لا ريب , فانني اتمتع اكثر من اي وقت مضى بالاشياء التي الفت ان اكبر معها - كتبي المفضلة . الاصوات , الصحبة , الاذواق , الطبيعة - جزئيا , لانني اعرف باني سوف لن اكون هنا الى الابد , ستان يقول انه يتمنى لهذه الحياة ان تدوم بشرط بقاء صحة العقل و البدن
------------
من اجل ان يستهوينا كتاب ما , ربما عليه ان يقيم رابطة من الاتفاق العرضي بين تجربتنا و تلك التي في القصة او الرواية , اتفاق بين مخيلتين , مخيلتنا و تلك المدونة على الورق
------------
يقول ان تقدمنا العلمي لا يتوقف عن اختراع آلات ( لتعويض الغياب ) فالغياب كما يدعي مجرد مسألة مكانية , و هو يتصور بان كل الاصوات و الصور التي احدثها اشخاص لم يعودوا على قيد الحياة تبقى عالقة في مكان ما و الى الابد , و في يوم - كما يأمل هو - ستكون هناك آلات قادرة على اعادة بناء كل شيء , مثل الحروف الابجدية التي تعيننا على فهم او تشكيل اي كلمة ممكنة , عندئذ ’ يقول ( ستصبح الحياة عبارة عن مستودع للموت ) , هناك ميزة وحيدة في صالح اناس موريل المتخيلين : لن تكون لهم ذاكرة كي يستعيدوها وسيعيشون اللحظة دائما و كانهم يعيشوها للمرة الاولى
------------
انه امر مثير للفضول كيف ان القراء يصيغون نصهم الخاص من خلال الاشارات التي يضعوها على كلمات معينة او اسماء معينة , يكون لها بالنسبة لهم , معناها الخاص , فهي تناشدهم وحدهم فقط ولا يمكن للآخرين ملاحظتها
-------------
كنت دائما أعلن بأني اكتب للقارىء , لكني في الواقع لا زلت حتى الان اكتب , بينما القراء ( القراء الاصيلون ) قد اختفوا و هذا يثبت بما لا يقبل الجدل بأني ببساطة انما اكتب لنفسي فقط
-------------
لا احب ان يلخص لي احدا الكتب التي انوي قراءتها , لا بأس ان يشوقني بعنوان او مشهد او اقتباس , لكن ليس بكل احداث الكتاب , القراء المتعصبون , التلخيص الذي يتضمنه الغلاف الاخير , مدرسو و مؤرخو الادب , يفسدون كثيراً من متعتنا في القراءة من خلال وشايتهم بالبحكة , و طالما تقدم العمر بنا فان ذاكرتنا يمكنها ايضا ان تحرمنا من متعة الجهل بمعرفة ما سيحدث لاحقا
-------------
كل رجل بلغ مستوى مراهقته الفكرية يبدأ بالشك بأن الحياة ليست مزحة . بانها حتى ليست ملهاة ظريفة , على العكس , تزهر و تثمر من اكثر الاعماق مأساوية للنقص الجوهري الذي تكمن جذور اسبابه فيه , الميراث الطبيعي لكل إمرىء مؤهل لحياة روحية , هو غابة متوحشة يعوي فيها الذئب و تنعق فيها البومة
-------------
ان كانت كلمة الله تعني التعبير عن كائن موجود خارج الزمن فلست متاكدا اني اؤمن به , اما اذا كانت هذه الكلمة تعني شيئا في داخلنا يقف الى جانب العدالة فالجواب نعم , فأنا أؤمن برغم كل هذه الجراءة بأن هناك مغزى اخلاقياً لهذا العالم
-------------
الاندلاع العام للنقمة الي تفجر في قلوب شعبنا , يقابل بالتجاهل من قبل حكامنا ,, لقد اتى الوقت الذي اصبحت فيه شارات الشرف التي نجملها تسطع بخزينا , في هذا المحيط غير اللائق من الاذلال و من ناحيتي اتمنة ان اقف , مجردا من كل امتياز خاص , بجانب ابناء قومي , الذين هم وبسبب ما يدعى بتفاهتهم عرضة لمعانة من انحطاط لا يمكن ان يلائم الجنس البشري
-------------
لدي احساس بانني لم اتعلم شيئاً منذ مراهقتي , الاكتشافات التي قمت بها قبل هذه الفترة هي وحدها مازالت باقية و ما اعقبها يبدو تافها غير جوهري , او في احسن الاحوال هامشي
-------------
ما زالت الحقيقة البديهية القديمة قائمة , بان العنف يولد العنف , بان السلطة مفسدة , بان التعصب بكل اشكاله هو عدو للصواب , بان الدعاية هي الدعاية حتى لو ادعت انها تثير حماسنا لمقارعة الاثم , بان الحرب ما كانت ابدا مجيدة , الا في عيون المنتصرين , هؤلاء الذين يؤمنون ان الله يقف الى جانب الاقوياء
-------------
شيء واحد يقهرني : ان الذاكرة هي في الغالب خاصية مرافقة للغباء , انها عادة تنتمي للنفوس الغبية التي تغدو اكثر غباء بسبب الحمل المضاعف التي تضعه فوقها الذاكرة , مع ذلك ما الذي سنصبح عليه بدون ذاكرة ؟ سننى صداقاتنا , حبنا , متعنا , اعمالنا , و العبقري سيكون عاجزا عن تجميع افكاره , و القلوب المليئة بالحنان ستفقد حنانها اذا لم تتذكره , وجودنا سيختزل الى لحظات متعاقبة لحاضر متدفق دائم , سوف لن يكون هناك ماض
-------------
انت مرحب بك طالما ظلت حريتك في التعبير سرية , لكنك ستحرم من كل شيء حالما تكشف عن هذه الحرية , لا يبقى لك من رفقة سوى السلطة , فهي تتجسس على علاقاتك و على افكارك و سلوكك , هكذا كانت تلك الايام من السعادة و الحرية
-------------
حياة بال حب , بلا حضور مادي للشخص الذي تحبه , هي لا شيء سوى مهزلة مبتذلة
-------------
اريد ان يكون هناك امور ثابتة معينة في العالم , استطيع دائما الاعتماد عليه , اريد لهذا الفقدان من الصاوات و الوجه والاسماء ان يتوقف , اريد ان اكون قادرا على الحركة هنا و هناك معصوب العينين , لا اريد ان اكون بحاجة الى التعلم مرة بعد مرة , كيف اتلمس طريقي في مكان , اريد ان يكون بمقدوري فتح حديث دون تمهيد او مقدمات
-------------
مهمتنا في الحياة ليست هي النجاح , بل مواصلة الفشل بكل مرح ممكن
-------------
على الرغم من مئات مشاهد الموت على شاشات التلفزيون , كل اسبوع , فان الموت لم يغدو لنا اليفا تماما , نحن نخفي موتنا في المشافي و دور العجزة و نوهم انفسنا باننا ننتقل فقط من ان نكون هنا الى ان لا نكون هنا , بلا تحول , كما لو ان الشاشة تصبح فجاة بيضاء تماما , لا يخطر لنا أن هناك ممر
-------------
المكان الاول لولادتنا , هو ذلك المكان الذي نلقي فيه لاول مرة نظرة ذكية على انفسنا , موطني الاول كان كتبي
-------------
ما هو ارقنا ان لم يكن عنادا مهووسا لعقلنا لفبركة افكار , سلسلة من استنتاجات , قياسات , وتعريفات لذاته الخاصة , و رفضه التنازل لصالح البلاهة المقدسة لعيون تغلق بسرعة او للجنون الماكر للأحلام , الناس الذين لا ينامون يرفضون تقريبا بوعي ان يثقوا بتدفق الاشياء
-------------
ان حقيقة كل كتاب نحبه , اننا نحن نعتقد اننا نتقرب منه عن بعد , نراقبه يزيح الستارة التي تحميه , نرصده يكشف عن حكايته و نحن في المقاعد الامينة للنظارة , لكننا ننسى ان ما يجعل الشخصيات باقية على قيد الحياة و ما يجعل من القصة حية , هو امر يتوقف على وجودنا كقراء - يعتمد على فضولنا و على رغبتنا في تذكر تفصيل او على دهشتنا بسبب غياب - كما لو ان قدرتنا الخاصة على الحب قد خلقت , في خضم من كلمات شخص المحبوب