مُدهشة.. قلمٌ تَحمست له كثيرًا، من خلال قراءتي لمقالاته على صفحة "الفيس بوك" ولمْ يخيب ظني. أعطى لكل شخصية حقها من الوصف دون نقصٍ، لفهم أبعادها وعلاقاتها بالشخصيات الأخرى بطريقة منفصلة متصلة..من خلال مجموعة من الأوراق البيضاء والملونة وضعت على جدار كشف الحقائق على حائط التطهر.
وبالرغم من تعدد الأسماء لن تخرج من الحلقة، ولن تفقد أَياًّ منهم. لغة رصينة وُظفت بحكمة تلائم قوة وأهمية موضوع الرواية
مُطعمة بقطع فلسفية، يمكن اقتطاعها وتطبيقها في غير موضع الرواية وتتجانس بالكلية، مثل "قد يُنتقص الود بفض سره" "تكتُّم يليق بساكن في أحضان العدو" والكثير عملٌ يَستحق القراءة والاحتفاء
استمتعت برحلة أدبية ساحرة وكاشفة مع "غِيمَه"، رواية الكاتب المبدع "كريم علي القاهري".
تلك الرواية التي تتمرد على أدوات الكتابة وتقنيات السرد ومقادير اللغة، وتتحدى حتى "الرواي العليم" نفسه، ذلك الراوي الذي ساقته أقداره البائسة ليشهد أحداث الحكاية ويشارك فيها، ثم يقع تحت سن قلم الكاتب فيجرده من هويته، ويشكك في مصداقيته، ليجد القارئ نفسه متورطًا ومسؤولًا عن محاولة فك رموز تلك الحكاية، وإعادة بناء الحبكة، والتفاهم مع ذلك الراوي العليم والتحقق من وعيه السردي من أجل الوثوق به، فلا يصل إلى تلك الثقة إلا مع الصفحات الأخيرة للرواية.
منذ اللحظة الأولى يضعنا الكاتب داخل متاهة سردية مربكة ومحيرة وممتعة، أوراق ملونة وأخرى بيضاء، حي وجدار، شارع ومقهى، شخصيات عديدة متنوعة، سرد عابث ساخر غاضب متألم، حبكة مراوغة، راوٍ متخفٍ بين شخصيات الرواية، يواري ويبوح ويعترف.
نجد أنفسنا مجبرين على العيش داخل هذا الحي ومع أهله وفي متاهته السردية، نكتشف أن الحي أصلًا هو حيُّنا الكبير الذي نعيش فيه جميعًا، وأن الشارع الأوسطي هو الشارع المزدحم بقلب الحي، أن الحي يمتد من شارع البحر في الشمال وصولًا إلى شوارع الجنوب، ندرك معالم حيِّنا بأكمله ونرى أهله حولنا في كل مكان، ونجتر سردياته ومتاهاته.
نرسم خطًا أفقيًا للزمن يمتد لأكثر من خمسين عامًا، ونحاول أن نحدد موضع كل فصل من فصول الرواية وكل حدث من أحداثها على خط الزمن، ونتتبع شخصيات الرواية عند دخولاتها في الفصول المختلفة لنضعها على مواضعها الصحيحة من خط الزمن.
شهدنا كل حكايات الحي، وعرفنا كل المذنبين وكل الضحايا، كل الآثمين وكل الأبرياء، عرفنا الراوي العليم وكمال عزازي، وبديع زهران وإبراهيم نجم، وأمجد يوسف وباسل قمر، والمعلم بسيط عبد الهادي، والشيخ عمرو درويش، وأيضًا أيمن باري والصغير حسن أو "غِيمَه".
عرفنا "يحيى بديع" المهندس الفنان المحب للحياة، وعرفنا "ندى نجم" المرأة الباحثة عن درب الحياة، وعرفنا "أحمد بس" التائه بين معاني الحياة، وعرفنا "سارة فرج" المتمسكة بإنصاف الحياة، وعرفنا "زياد" الصحفي المهتم بقضايا الحياة الحقيقية، كان هؤلاء الخمسة إذن يبحثون عن الحياة ويحبونها، ولا يبحثون عن شيء آخر.
في قلب الحكاية وفي ذروة أحداثها، كان هناك خمسة مطاردين وسادسهم كلبهم، لم يجدوا الكهف الذي يأويهم، عزفوا نغمات أغنيتهم الأخيرة فوق أطلال المسرح المهجور، لقوا مصائرهم في غفلة من الحق والعدل والوعي والعقل والشرف والنزاهة والحب والإنسانية، وهل أمسى أهل الحي يعرفون هذه الأشياء؟، يغرز السرد خنجره في خاصرة أهل الحي لعلهم يشعرون.
❞ المتمردون الستة بالداخل، والجمهرة المستنفرة الفزعة الغاضبة بالخارج. بينما المؤيدون بالخارج لمن بالداخل يكتمون الدعم في صدورهم خشية البطش بهم، وذرف شظرات الغضبات فوق رؤوسهم، فيصمتون ويتحاشون ندوب الخاطرة في عيونهم فتشي بما يسري في دواخلهم، حتى صار من هم بالداخل أصحاب الضجة والتهمة الأساسيين في حرية أكثر من مؤيديهم بالخارج! ❝
في اثنتي عشرة ورقة ملونة وثمانٍ وتسعين ورقة بيضاء، كانت الحكاية، سنجد الأوراق البيضاء معلقة على جدار الحي، أما الأوراق الملونة فلن نجدها، سيأخذها الراوي العليم ويمضي.
❞ فالأوراق الملونة كالهوامش الخاصة، هي فقط لِما أريد فضه لى وحدي، ولن أعلقها على الجدار، أما الأوراق البيضاء وحدها سوف تُعلق على جدار الضجة. ❝
في الرواية نمط لغوي فريد، لغة فصحى متمردة ومتحررة من كل قيد، تستدعي ما تشاء من مُفردات وملفوظات العامية، لكنها تظل لغة أدبية متميزة ورفيعة ومتأنقة، رغم تمردها وتحررها.
تتميز لغة "كريم علي القاهري" الأدبية بالثقة والجرأة والعمق والدقة والكثافة، والفوضى المحسوبة والحرية الكاشفة، العبارات تنكمش وتتمدد كيفما تشاء، وأحيانًا تنسكب، فتنساب منها المفردات وتتدحرج فوق الصفحات في مرح ودلال وزهو، واسترسال بديع.
جلسنا على مقهى "بسيط" بالشارع الأوسطي، وسمعنا كل الحكايات، وشاهدنا البرامج الفاسدة، وقرأنا الكتب المزورة، وعشنا مع أبطال الرواية، وحاولنا دخول ورشة الموسيقى وغرفة الانسجام والمسرح المهجور.
أدركنا أن ذلك الراوي العليم مُزَوِر الكتب الذي لم نعرف اسمه قط، بكل ما اقترفه من آثام، قد لا يكون فقط أحد شخصيات الرواية، بل ربما هو يمثل الضمير المُنهَك والمُتَوتِر والقَلٍق لأهل الحي جميعًا، سواء الذين هم داخل الرواية أو الذين هم خارجها، ونحن منهم.
لهذه الرواية البديعة مستويات درامية ورمزية متعددة، تقوم بتشريح العقل الجمعي لأهل الحي، تلمس العطب الفكري والمعرفي، تعري التشوه الاجتماعي والثقافي، تتحدى معطيات الواقع المعاصر وأحداث التاريخ القريب وأصداء التاريخ الأبعد.
بعد خطبة الشيخ عمرو درويش المتهتكة، وبعد سقوط "غِيمَه"، انتهت الرواية، ولم تنته الأسئلة، وما زال الحي حائرًا والجدار قائمًا، وما زالت الأوراق مرصوصة بمهارة على الجدار مكونة وجه "غِيمَه"، وما زال أهل الحي تائهين في دروبه، وما زلنا ننتظر.
تجد نفسك في قلب الحكاية ولا تعرف ماذا تفعل سوى ان تسير مع الكاتب خطوة بخطوة في الأوراق الملونة والبيضاء
اعترف ان الحكاية مربكة ومحيرة وأحيانا غير مفهومة فلقد صعب علي جدا متابعتها والقفز بين الشخصيات الكثيرة صاحبة الأسماء المعتادة بدت الحكاية وكأنها محكمة ولكن لاعترف انا لم افهم الكثير منها وما جعلني اتقافز فوق الاسطر هو لغتها الرائعة
اعترف ان اللغة المكتوبة بها الرواية من أجمل اللغات التي قرات فهذا كاتب متمكن يعرف نقط قوة قلمه والغريب انها روايته الأولى تشعر وانت تقرأها انه سبق له كتابة عشرات الروايات
التشبيهات فوق الرائعة لدرجة أنى سجلت بعضها في نوتة خاصة بي بجانب تشبيهات نجيب محفوظ وغيره من الكتاب فهذا كاتب يستطيع ان يكتب ويسرد أي حكاية مهما كانت صعبة ومربكة ولكن اعترف ان الحكاية نفسها لم تكن بقوة قلم الكاتب وتحتاج الي كثير من التوضيح لربط الاحداث ببعضها
لم افهم أيضا معنى العنوان اعرف انه اسم شخصية في الرواية المدعو حسن ولكن ما علاقة تسمية الرواية باسمه هذا لم افهمه كما اتى الغلاف مخيب للآمال جدا اعتقد ان هذا الغلاف هو الأقل في المستوى بين روايات دار العين كلها ولم يكن له علاقة اطلاقا بالحكاية ولا امتدادا لها كما يجب ان يكون الغلاف
• نص يعرف كيف يقترب من الإنسان دون أن يثقل عليه، وكيف يقول الكثير من خلال الحكايات الصغيرة، والفراغات، وما يُترك معلّقًا مثل أوراق الجدار داخل الرواية.
• في غِـيـمَـه يتحول الجدار إلى ذاكرة جماعية، ويتحوّل الحي إلى كائن حي، بينما تأتي شخصية «غيمة» كرمز إنساني نقي، حضورها مؤنس ومربك في آن، وغيابها يترك أثرًا أكبر من حضورها.
• غِـيـمَـه ليست شخصية بقدر ما هي حالة؛ رمز للبراءة، وللغياب الذي يكشف ما حوله. حضورها يضيء النص، وغيابها يخلخل العالم الذي بُني حولها، كأن الرواية تقول إن بعض الفقد لا يُروى، بل يُحس.
• الرواية لا تعتمد على الحدث بقدر ما تعتمد على التكوين، وعلى تراكم الإحساس لا صدمته.
• لغة القاهري هادئة، حساسة، تميل إلى الشعر دون افتعال، وتتعامل مع الرمزية بوعي واحترام للقارئ. لا تفرض معنى واحدًا، ولا تبحث عن ذروة صاخبة، بل تثق أن القارئ سيصل بنفسه، وسيحمل الرواية معه بعد الانتهاء منها.
• عمل إنساني صادق، يشتغل على الاعتراف، والذاكرة، والحقيقة، دون مباشرة أو ادعاء عمق.
• رواية تؤكد أن للكاتب صوتًا خاصًا يتشكل بثبات، وأن هذه التجربة ليست عابرة، بل خطوة واثقة في مسار يستحق المتابعة.