ذا كنتَ مِمّن تعِبوا من أخبارِ غزّة، فلماذا تمسك بهذا الكتاب؟ ضعْهُ جانبًا، فهو ليسَ لِمَنْ تعبوا. وإذا كنتَ مِمّن اعتادوا مشاهدَ المجازرِ والتجويع، فلا بأس بقراءةِ هذا الكتاب، بين حفلةٍ غنائيّة، وعشاءٍ فاخر. وإذا كنتَ مِمّن تعافَوا من ندوبِ غزّة، فستفتح هذا الكتاب بيقينِ مَنْ ينزع ضِمادةً عن جرحٍ اندمل. لا أضمنُ لك ذلك. أمّا إذا كنتَ تظنّ أنّك نجوتَ من الإبادة، فهذا الكتاب لك، علّك تدرك مَنْ ماتَ حقًّا، ومَنْ نجا حقًّا. إنّها سرديّةٌ شخصيَّةٌ جدًّا. وقد لا تعنيك. هذا حقّك. لكنّها، حتمًا، ليست بِمعركةٍ بعيدةٍ عنك. ولستَ بمنأًى عنها. صدِّقْني.
الكتاب مكتوب بلغة جميلة، مشغولة بعناية، وفيه حساسية لغوية واضحة. السرد هادئ، متماسك، ويشتغل على الذاكرة أكثر مما يشتغل على الحدث نفسه. من هذه الزاوية، هو نص أدبي محترم ومخلص لتجربة كاتبته.
لكن بالنسبة لي، اللغة وحدها لا تكفي. كنت أبحث عن مدينة تُعاش لا تُستعاد فقط، عن أشخاص، عن حياة يومية، عن شخصية محورية أمشي معها وأتعلّق بها. الكتاب يمرّ على غزة بوصفها فكرة وسياقًا، لا كحيّز حي مليء بالناس والتفاصيل. الأحداث تُذكر، لكن من مسافة، وبصيغة سردية لغوية أكثر منها إنسانية مباشرة.
للقارئ الذي لم يتابع تفاصيل ما جرى، أو لمن يبحث عن كتابة تأملية توثّق الشعور، قد يكون الكتاب مؤثرًا. أما لمن عاش الأخبار يومًا بيوم، وشاهد الحدث يتشكّل أمامه، فقد لا يجد إضافة حقيقية، بقدر ما يجد إعادة صياغة جميلة لما هو معروف