من أقاصي بلاد الصدع، ومن زمنٍ يُداني الأزل، تأتي زائرةٌ غريبةٌ تسعى لاسترداد أمانةٍ من امرأةٍ توفّيت قبل ثلاثة أيّام. الأمانةُ هي قطعةُ نسيجٍ فريدةٌ لم تسمع عنها ندى- ابنة الراحلة- قطّ. فتبدأ ندى رحلةً متعثّرةً للبحث عن القطعة، آملةً وهي تَحبك ما نجا من قُصاصاتها أن تعثر على تفسيرٍ للأمور الغامضة التي حدثت منذ ظهورِ تلك الغريبة، ومرورِها بأطلالِ قصرٍ كان سجنًا للنساء في زمنٍ سحيق.
كلّ خطوةٍ لندى نحو الماضي ستقابلها خطواتٌ للماضي نحوها، حتّى تلتقي بقدرها وجهاً لوجه، يُداهمُهما الخوف وتُحاصرهما النار، والسؤال الأصعب: هل لِيَدَيْن وبضعة أصابعَ أن ترمِّم شقوق الروح؟
كاتبة لبنانية، محرّرة أدبية وصحافية. حائزة على إجازة في الصحافة ودبلوم في التربية قسم الطفولة المبكرة.
عملت مراسلة لإذاعة بي بي سي العربية، وصحافية في جريدتي السفير اللبنانية والحياة اللندنية، وكتبت البرامج والمسلسلات التلفزيونية لتلفزيون "براعم"، مثل: "الراوي" و"حكايات العمّ مصلح" و"نان وليلي" الذي نال 7 جوائز عالمية منها: جائزة النسر الذهبي (CINE - واشنطن) وجائزة انتركوم للأعمال التلفزيونية الصادرة عن مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي، وجائزة ريمي الذهبية ( Golden REMI Award )– هيوستن، عن أفضل انتاج فضائي للأطفال، والجائزة الفضية في المهرجان الدولي للإعلام – هامبورغ.
صدرت للخطيب مجموعة من الكتب للكبار مثل رواية "برتقال مرّ"-دار الآداب، والمجموعتين القصصيتين "دانتيل"-دار المدى و"شرفة بعيدة تنتظر"-دار الآداب، وروايتين للفتيان بعنوان "الفتى في آخر الزقاق" عن HBKU PRESS و"في بلاد الله الواسعة عن دار الآداب، وللأطفال مثل "طريق الزهور البرّية"-العربية للعلوم وسلسلة "صندوق الأمنيات"- أكاديميا، و"قنديل ألمى" عن HBKU PRESS الذي نال "جائزة الكتاب العالمي" والجائزة التقديرية في مسابقة "بربل دراغون فلاي" 2019. كذلك نال كتابها الأحدث "حديقة منسية" على جائزتي "ناشيونال إندي أكسيلانس" 2021 و"إندي نكست جنريشن" 2021.
عن الحائكات الحكاءات . عمل على مستويين : حكاية تانيس الأنثى التي علمت النساء الحياكة و علمتهن الحياة دون أن تقول اي كلمة لانها توقفت عن الكلام بإرادتها و حكاية ندى سليلة عائلة من الحائكات تمتد عبر الماضي الأسطوري . العمل يحتفي بالمرأة و يضوي على معاناتها .
“إسقاط فصل فى قصة أو إفلات ثقب فى الرداء يفتح ثغرة للتلف” يقدم لنا هذا الاقتباس دليل لقراءة الرواية الأحدث للكاتبة والروائية بسمة الخطيب وقد سبق وقرأت لها “برتقال مر” وكانت رواية بطلتها امرأة ورجل ظل طوال الرواية غائبا حاضرا عرفناه من خلال سطور الرواية. وكان مهما أن أشير ل “برتقال مر” لأنها كانت بداية التعارف على قلم بسمة المتفرد، ولأنى أعتقد فى أن لكل روائي مشروع أدبي يخلص له، و بسمة مخلصة لمشروع الكتابة عن المرأة وبيد امرأة. وهذا ما استشفيته من خلال رواية “حائكات الأزل” والذي قرأت عنوانها فى البداية “حكايات الأزل” لسهولة نطق الكلمة ولتشابه الحروف وبعدما انتهيت من الرواية اكتشفت تشابه الرسالة أيضا فالحائكة حكاءة بشكل ما. فليست كل الحكايات تروى شفاهة او تدون فى كتاب، تعرفنا الكاتبة على نوع آخر من الحكايات تنسجه النساء ويحكي عنها أدق التفاصيل. والحياكة فن لكنه هذا النوع من الفن المضني الذي يقضي فيه الفنان ليال وأياما لينهي ما بدأه والخطأ فى غرزة واحدة يدفعه لكر النسيج والبدء من جديد. وفي هذا تشبه الحائكة سيزيف فى الأسطورة الإغريقية والذي ينزل به العقاب الإلهى الذي يقضي بأن يدفع صخرة لأعلى لتدحرج للقاع ويعيد الكرة. وتتشابه تلك الأسطورة مع حكاية المرأة عبر العصور، فإذا كان سيزيف يدفع صخرته وحده، فإن نساء الرواية يدفعن صخرة التاريخ الجماعي. فالرواية تبدأ فى عصرنا الحالي، لكننا ننتقل معها غلى عصر سحيق لنكتشف فى النهاية أن النقطة التي بدأنا منها وهي قمة الجبل انحدرنا معها بقوة لقاعه ثم تكرر الفعل مرات لنعرف أن القصص تتشابه وتعاد وتكرر ما دامت النظرة للمرأة لم تتغير. قد يحدث بعض التغييرات الطفيفة لكنها فى عمر التاريخ تقدر بكلمة فى سطر من سطور التاريخ. حائكات الأزل ليست مجرد نص عن الألم، بل نص عن كيفية حياكة الألم عبر الخطاب والتقاليد، وقبوله كجزء من نسيج اجتماعي يعد الخروج عليه تمزيقا للثوب، وخرقا للقانون وتشويها للفطرة. كأن النساء ينسجن المصير نفسه مرة بعد مرة… ومن هنا يأتي العنوان: حائكات الأزل. تكشف بسمة الخطيب في الرواية كيف يُعاد إنتاج القهر جيلاً بعد جيل، وكأنه قدر لا يُمس. تنقسم فصول الرواية إلى عصرين وامرأتين، يتناوبان الحكي، فتارة نسمع “ندي” السيدة العصرية تحكي جزءا من قصتها مع أمومة منقوصة مارستها بفعل الرضاعة أكثر ما مارستها بالحمل والولادة وتارة اخرى نعود لعهود سحيقة حيث “تانيس” ولا نعرف على وجه التحديد على تانيس امرأة أم إلهة؟؟ لكننا ندرك أن لها سمات خاصة لا تتمتع بها كل النساء إلا أنها ورغم سماتها المتفردة والنادرة شاركت البقية مصائرهن. ونعلم من الرواية ان الهالة المقدسة التي تحيط ب “تانيس” لم تحمها من الحكم عليها بالنفي لقصر الهجران والذي تنفي إليه كل متمردة أو منبوذة أو مجذومة. هناك تعرفت “تانيس” على نساء مبعدات مثلها، منهن من سبقنها ومنهن من لحقن بها. وفى شكل ممنهج لإعادة القهر كانت “تانيس” سجينة وسجانة فى ذات الوقت . ويعلم القارىء أن ممارسة“تانيس” للصمت انتقاء وليس إجبار والصمت جزء من تكوين الأنثى إما بإجبارها عليه أو دفعها إليه كأسلم الطرق. الرمزية فى حائكات الأزل: الحياكة كفعل نسائي تقليدي يشير لإعادة تصميم وإنتاج نفس المصير لكنه قد يتحول لفعل مقاومة حين تخلق من النسيج شكلا جديدا وتمثل هذه بارقة الأمل فى الرواية وفي تاريخ النساء فالبعض لم ترض بالواقع والمصير وتمردت عليه إما علانية او بالمكر والحيلة كما فعلت “ندى” حين أكملت دراستها دون ان يشعر زوجها الرافض لمسيرتها التعليمية.وحين التزمت “تانيس” الصمت وتدوينها لحكايتها عبر الخيوط والغرز والحياكة. الرمزية الأخرى اخرتنا عن الأبدية من خلال نص العنوان حائكات الأزل. والأبد هنا يترسخ عبر تكرار الحكاية فى كل الأزمنة . أما عن القضية التى تناقشها الرواية فتدور حول المرأة التي اعطتها الكاتبة اسم وقصة وتفاصيل لتجعلها كلمات من لحم ودم فتتحرك الشحصيات على الورق ويتحرك معها القارىء في رحلتها عبر التاريخ والألم والحلم والامومة وأرى ان اختيار “الحياكة” وهى فعل نسائى تقليدي كان اختيارا موفقا ليروى لنا الحكاية عبر مفردات “اليرقة”، دودة القز، الشرنقة، النسيج، الثياب، واستخدام أفعال مثل “يحوك” وغيرها من المفردات المتعلقة بالحياكة. وعلى ذكر المفردات فاللغة التى كتبت بها الرواية لغة عربية فصحى، تقدم لنا الكلمات كاتبتها تقديما وافيا ينبىء عن كاتبة تتمتع بحس ثقافي عالي وتعرف من الحكايات والأساطير ما يجعلها تحكي بسلاسة ويسر وفهم عميق للتجربة الإنسانية. وأستعير هنا السطور الأخيرة من الرواية فلن أجد أفضل منها للختام: تقول بسمة الخطيب: “كل الحيوات تمضي نحو نهاية ما . أريد أن أكون هناك حين تحين النهاية وأنا أريد أن أكون هناك حين تصدر رواية جديدة ل بسمة الخطيب لأنى موقنة بانها تكتب بروحها وتعدنا بجرعة دسمة من الأدب المختلف والمتميز. رواية تستحق القراءة والتأمل وفي انتظار مناقشتها قريبا . سهام سمير