- بدأت فى كتابة انطباعاتى عن الرواية فور انتهائى من قراءتها، فكان أول ما فكرت فيه هو تناقض النهاية مع أسم الرواية "ما زال القطار يجرى"، فحقيقة الأمر أن القطار "لم يعد يجرى" فعلا بل أنتهى ومات. يجب أن أعترف بأنى تفاجئت إلى حد ما بتلك النهاية، (فرغم أنى شهدت نهاية وسائل مواصلات أخرى مثل التروللى، والذى كانت له سنجة ومسار محدد وكان يمر خلال فترة طفولتى فى ميدان الجيزة بالقرب من سكنى)، إلا أننى مع ذلك لم أتوقع النهاية. يبدو أن القطار بالنسبة لى أبدى إلى حد ما، ربما لأنى أبنة المدينة التى أعتادت السفر إلى مسقط رأس عائلتها فى أسوان بالقطار منذ الطفولة وسمعتهم يتحدثون عن استخدام نفس وسيلة المواصلات منذ الجدود، فتصورت إنها لن تتغير أبدا، ولما لا، القطار أطول عمرا منى بكثير، بدأ قبل ميلادى بزمن طويل وسوف يستمر بعد نهاية حياتى لزمن طويل. علىّ الآن أن أضيف إلى الجملة السابقة "ربما" بعد أن تغيرت نظرتى عن القطارات وعن أشياء أخرى كثيرة. - يوجد رؤى لكل رواية أو كتاب بعدد من قرأه، هكذا شعرت وأنا أقرأ الرواية، فاحساسى بها كان مختلفا تماما عن التأثير الذى أوحت لى به صديقتى العزيزة هناء، والتى كانت تضحك وتقرأ لى أجزاء من الحوار أثناء قراءتها للرواية. ولكنى عندما قرأتها ورغم طرافة الأحداث وتباينها إلا أنها لم تضحكنى، حسنا، للحق، ابتسمت فى بعض المشاهد، ولكنى تأثرت جدا فى مشاهد أخرى، ربما لأنى رأيت أشياء شبيهة فى داخل أتوبيسات النقل العام وأنا صغيرة وحدث مثلا أنى ضربت رجل بحقيبتى فوق رأسه عندما تحرش بى، كما أن مسألة التحرش نفسها هم كبير يقبع على نفسى ويخنقنى بشكل عام، وأشعر أنها دليل على التدهور والتدنى المستمر للأخلاق فى الشوارع ويسؤونى جدا ما تواجهه النساء كل يوم فى وسائل المواصلات والشوارع وخاصة انعدام المرؤة والشهامة الذى يجعل الناس يشاهدون ذلك ولا يتدخلون. - أخذت أفكر أيضا فى الشخصيات المختلفة التى نضطر إلى انتحالها فى أعمالنا ومنازلنا وشوارعنا .. لكل مكان شخصية مختلفة، نحتاج إلى شخصيات بعدد الأماكن التى نتردد عليها، فالمكان هو الذى يفرض علينا الشخصية، أما شخصياتنا الحقيقية فتختفى خلف الضعف والهوان الذى يشعرونا به عدد كبير من الفراعنة المختلفين. والفراعنة مختلفون فى الأسلوب أيضا، فكثيرا ما يكون الأسلوب بعيدا عن العنف ولكنها قبضات حريرية تشعر الناس بأنهم أقل قيمة لأنهم مختلفون وتضطرهم إلى محاولة الاندماج، حتى لا يشعرون بالوحدة والعزلة، ويكون غاية ما نرجوه جميعا هو القبول، فقط القبول. ورغم كل ما فى القطار من تناقض، فهناك تناقض أكبر خارج عالمه.. - عالم القطار عالم عجيب مذهل غزير التفاصيل، جعلنى أشاهد المواقف وأتخيلها وكأنى أنا أيضا كنت داخل هذا القطار، أراقب المواقف وأنفعل بها وأعيش التفاصيل لحظة بلحظة.. - لكل شئ نهاية وجاءت نهاية القطار بنهاية عاشقه، غريب أن يعشق شخص القطار ويتعلق به إلى هذا الحد، ولكن لما هو غريب إذا كان القطار هو كل ما عرفه صبرى فى حياته، حتى أصبح كل عالمه، ربما كان خائفا من ترك ما يعرفه ويفهمه إلى ما لا يعرفه، حسب المثل "اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش" .. أليس هذا ما أحاول مقاومته والخروج منه أنا نفسى عن طريق تغيير عاداتى والتحسين من ذاتى والذى لا أنجح فيه كثيرا. هل يمكننى لومه حقا؟ لا يمكننى لومه كثيرا فى الحقيقة. - ذكرنى ما حدث لعبد ربه ذلك الشاب المجتهد بما حدث لأخرين رأيتهم أو سمعت عنهم، ذكرنى بقريب لى سمعت قصته من خلال حديث أخواته مع أمى وقد كانوا أصدقاء الطفولة والشباب وكيف كان طالبا ذكيا متحمسا ممتلئا بالأمل والرغبة فى تغيير العالم حتى قبض عليه لتعبيره عن رأيه بصوت عال وغاب أشهر، بحثت عنه عائلته طويلا وتمكنوا بشق الانفس من تحديد مكانه دون أن يروه وخرج أخيرا ليصبح منغزلا ومعقدا ويترك دراسته ويصبح غير صالح لأى شئ لسنوات طويلة حاولت أسرته خلالها مدواته دون طائل وأخيرا عندما بدأ يعود لنفسه وقرر العودة لدراسته، توفى فى أحد الأيام. وأما الأخر فقد رأيته بنفسى يمشى فى الشارع فى المنطقة التى أعيش فيها بملابس ممزقة، وينام فى الشارع أو فى أى مكان وسمعت أنه كان طالبا فى أحد الكليات وكان ملتزما ودخل إلى أحد المساجد بالصدفة ليتم أخذه مع الموجودين فيها ويتعرض للعذاب ويخرج وقد فقد عقله تماما وهام فى الشوارع وأن أسرته حاولت معه كثيرا وحاولت أمه رعايته قدر استطاعتها حتى توفيت، فكان مصيره الشارع بهذه الطريقة، لم يكن عمره يزيد عن عمرى ووجدوه ميتا بعد سنوات. أحسبهم فى حال أفضل عند الله هم وأمثالهم من الذين ظلمتهم الحياة وقست عليهم بشدة. وربما كان هذا الشاب أفضل حظا إلى حد ما. - الشخصيات بالنسبة لى حقيقية جدا، أنا أصدقها جدا وأصدق أنفعالاتها المختلفة، وأشعر أنى أعرفهم جميعا ورأيت شخصيات مثلهم.