إلى الذين قضوا ربيع عمرهم في السجون يحلمون بالحرية من جديد.. إلى زملائي في الزنازين في فرع الأمن العسكريّ وفي فرع الدوريات وسجن عدرا.. إلى أولئك الذين حاولوا تدوين ما حدث في المعتقلات.. إلى العسكريين الذين حاولوا الانشقاق ولم يحالفهم الحظ وانتهى بهم المطاف في غياهب السجون.. إلى الطيبين في السجون الذين زرعوا فينا الأمل في وقت يصعب فيه التفكير ببصيص منه.. إلى أولئك الذين سعوا خارج السجون جاهدين ليسمعوا خبرًا عن شخص يخصّهم داخل السجن فلم يحالفهم الحظ، أو قد حالفهم.. لا تبدأ هذه الحكاية من الضوء، بل من العتمة.
كنت أوجل قراءة هذه الرواية لتفادي عيش تجربة الإعتقال في غياهب و أقبية أقذر الأنظمة التي عرفها التاريخ . و لكن واضح بأن هذه الرواية لم تكتب كفيلم رعب و لكنها قطعة توثيقة في أرشيف الثورة السورية و النضال العالمي. سعي الكاتب ياسر العيد إلى تسجيل قصص كل الأشخاص اللذين مروا معه من معتقلين و سجناء و سجانين ليسجل التاريخ من فدا الغالي و النفيث للحرية و الكرامة و من بذل نفس الشي لضمان استمرار الظلم. نقراء قصة اعتقال المؤلف ضمن سطور قصص باقي الشخصيات ليعطي مساحة لأشخاص ظنن منه أنهم عانوا أكثر منه و يستحقون مساحة أكبر في تعاطف الناس. رغم صعوبة الظروف التي عاشها إخواننا في المعتقلات إلا أن ياسر كان قادراً على مشاركة مواقف تبعث كل أطياف المشاعر من الخوف و الإشمئزاز إلى الأمل و البهجة . كقصة معتقل حول قطعة جبن و قليل من المربى إلى حلوى ليسعد قلوب زملائه. أو ذكرى لصحن فول في إحداى مطاعم دمشق . إن هذه الرواية قطعة توثيقة لأبطالٍ و أنذالٍ مروا في عصرنا و لنشهد نحن و التاريخ عليهم.