الصعيد بيئة ديموغرافية شديدة الخصوصية ، بكل ما فيها : مكانها وناسها، أرضها وطقسها، حيوانها وزرعها، صروفها وظروفها ..؛ لذا خلَّقت أثراً مختلفاً لدى الأدباء الذين عاشوها أو عاشوا فيها؛ كلٌّ نظر إليها نظرته الخاصة، المختلفة بالضرورة، عن نظرات الآخرين، لكن اجتمعت الكتابات في مجملها على مشربين غالبين، أحدهما النظرة السلبية للصعيد والأخرى النظرة الغنائية العاطفية المحبة، وثمة تيار ثالث ظل محايداً؛ ولعل الباعث الرئيس وراء اختلاف الرؤى حول الصعيد تنوع البيئات الداخلية فيه وتنوع الاتجاهات الاجتماعية وسعة رقعته التي خلقت تغايراً في الطرح البيئي استتبع تغايراً في الرؤية الراصدة؛ كما أن الكتاب أنفسهم منهم من جاء الصعيد مبكراً مثل يحيى حقي، ومنهم كان أكثر تبكيراًُ لكن الزمن هو الذي تأخر قطاره به، مثل الروائي الصعيدي وائل سليم عباس ابن قرية شطورة التابعة لمدينة طهطا في محافظة سوهاج، منهم من جعل بيئة الصعيد مسرحاً وخلفية للأحداث، ومنهم من جعلها الأحداث نفسها؛ فالاختلافات كانت وليدة التنوع ووليدة الاتساع ووليدة تغاير الرؤى وطولية الزمن، فالصعيد نفسه تغير رأسياً وأفقياً، فبيئة الصعيد عند الأديب محمود الطهطاوي، هي بيئة التلاقي الوطني لشقي المجتمع المسلمين والأقباط، وهي رؤية لها ظلالها في كتابات جمالات عبد اللطيف، بينما البيئة الخاصة التي تقدم جوهر الصعيد نجدها عند زكريا عبد الغني وأحمد أبو خنيجر وخالد أبو النور، وهناك البيئة الجبلية المحاصرة بالجدب، كما أشار إليها يحيى حقي، فترك أثراً عند جمالات عبد اللطيف، وتقابلها البيئة الساحلية المحاصرة بأساطير الماء عند سعيد رفيع، هذه بيئة الصعيد رأسياً أما أفقياً فرؤية يحيى حقي لمنفلوط عام 1928، كانت أكثر حيادية وشفافية من رؤية مريام كوك عام 1983م للبيئة نفسها.
مقدمة كتاب : بيئة الصعيد صورها وآثارها في السرد ، القاهرة : المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 2010. · المقدمة : الصعيد بيئة ديموغرافية شديدة الخصوصية ، بكل ما فيها : مكانها وناسها، أرضها وطقسها، حيوانها وزرعها، صروفها وظروفها ..؛ لذا خلَّقت أثراً مختلفاً لدى الأدباء الذين عاشوها أو عاشوا فيها؛ كلٌّ نظر إليها نظرته الخاصة، المختلفة بالضرورة، عن نظرات الآخرين، لكن اجتمعت الكتابات في مجملها على مشربين غالبين، أحدهما النظرة السلبية للصعيد والأخرى النظرة الغنائية العاطفية المحبة، وثمة تيار ثالث ظل محايداً؛ ولعل الباعث الرئيس وراء اختلاف الرؤى حول الصعيد تنوع البيئات الداخلية في الصعيد وتنوع الاتجاهات الاجتماعية وسعة رقعته التي خلقت تغايراً في الطرح البيئي استتبع تغايراً في الرؤية الراصدة؛ كما أن الكتاب أنفسهم منهم من جاء الصعيد مبكراً مثل يحيى حقي، ومنهم كان أكثر تبكيراًُ لكن الزمن هو الذي تأخر قطاره به، مثل الروائي الصعيدي وائل سليم عباس ابن قرية شطورة التابعة لمدينة طهطا في محافظة سوهاج، منهم من جعل بيئة الصعيد مسرحاً وخلفية للأحداث، ومنهم من جعلها الأحداث نفسها؛ فالاختلافات كانت وليدة التنوع ووليدة الاتساع ووليدة تغاير الرؤى وطولية الزمن، فالصعيد نفسه تغير رأسياً وأفقياً، فبيئة الصعيد عند الأديب محمود الطهطاوي، هي بيئة التلاقي الوطني لشقي المجتمع المسلمين والأقباط، وهي رؤية لها ظلالها في كتابات جمالات عبد اللطيف، بينما البيئة الخاصة التي تقدم جوهر الصعيد نجدها عند زكريا عبد الغني وأحمد أبو خنيجر وخالد أبو النور، وهناك البيئة الجبلية المحاصرة بالجدب، كما أشار إليها يحيى حقي، فترك أثراً عند جمالات عبد اللطيف، وتقابلها البيئة الساحلية المحاصرة بأساطير الماء عند سعيد رفيع، هذه بيئة الصعيد رأسياً أما أفقياً فرؤية يحيى حقي لمنفلوط عام 1928، كانت أكثر حيادية وشفافية من رؤية مريام كوك عام 1983م للبيئة نفسها، ونظرة محمد عبد المطلب ومحمد محمود عثمان ومحمود الطهطاوي لبيئة الصعيد، تختلف في الرؤية والاتجاه والطرح عن رؤية أحمد أبو خنيجر وزكريا عبد الغني وجمالات عبد اللطيف وسعيد رفيع . وهذه الدراسة تجتهد في رصد هذه الآثار والرؤى من خلال تحليل عدد من الكتابات السردية لأدباء من داخل وخارج البيئة، تناولت أعمالهم الصعيد من قريب أو من بعيد، فمن القريب بوساطة التحليل والتناول الصريح ومن البعيد بشرط الوعي المباشر المستقى من بيئة الصعيد والقصد إلى ذلك، لدى كتاب من أهل الصعيد ، كاتجاه البحث عن الجذور عند محمد محمود عثمان، أو التوافق الاجتماعي عند محمود الطهطاوي . ويتشكل الكتاب من ست مقالات الأولى حول بيئة الصعيد وأثرها في الكتابات السردية لدى بعض كتاب الجنوب، والثانية تدرس المكانين الجمالي والإبدالي في بعض النماذج القصصية التي كتبها أدباء من الصعيد، والثالثة تدرس نصاً روائياً للكاتبة جمالات عبد اللطيف، يطرح عدداً من القضايا الاجتماعية والسياسية والتحولات النفسية والبيئية التي طرأت على الصعيد بسبب الظروف البيئية الصغرى ( بيئة القرية )، والكبرى ( مصر : من خلال التحولات الاقتصادية والانفتاح . والعالم : من خلال المشاركة في الحروب العربية كحرب اليمن وحرب فلسطين )، والمقالة الرابعة تقدم نمطاً بيئياً مغايراً ومختلفاً وفريداً هو مزيج من المكانية والتاريخية من خلال الأبعاد الساحلية والأسطورية، في كتابات القاص سعيد رفيع، الذي يكرس أعماله لتقديم صورة حول بيئة البحر الأحمر، وهي وجه من أوجه البيئات الداخلية في الصعيد ، ثم تقدم المقالة الخامسة مرائي صورة الصعيد الوجدانية في رحلة البحث عن الذات بأبعادها النفسية والاجتماعية، وعلاقتها بالمجتمع الكبير في كتابات القاص السوهاجي محمد محمود عثمان، وأخيراً تأتي المقالة السادسة، لتعود إلى مرحلة باكرة من عمر القصة الفنية في مصر لترصد رؤية وأسلوب تناول الكاتب الكبير يحيى حقي للصعيد في صعيدياته وأدبه ، من خلال دراسة الصعيد في أدبه، من حيث الرؤية والأثر . وقد تناولت الدراسة في مقالاتها عدداً من الكتاب على رأسهم الكاتب الرائد الكبير يحيى حقي، وهو من الكتاب الذين لا ينتمون إلى الصعيد لكنه عاش فيه وقتا وإن بدا يسيراً ( عامي 1927 – 1928 )، إلا أن أثره ظل ممتداً في أدبه طويلاً طويلاً، وتعد صعيدياته من أنفس ما كُتب عن الصعيد؛ فهو كنز نفسي وتاريخي، ومخزن للعديد من المظاهر البيئية والممارسات الإنسانية في الصعيد ولأهل الصعيد والوافدين عليه من الموظفين والعمال الذين عاشوا تحت مظلة هذه البيئة تواؤماً أم تنافراً؛ ومن داخل البيئة تناولت الدراسة أعمال الكتاب : أحمد أبو خنيجر ( أسوان )، وجمالات عبد اللطيف ( الشيخ مسعود – صحراء طهطا )، وخالد أبو النور ( جهينة )، وزكريا عبد الغني ( أسيوط )، وسعيد رفيع ( البحر الأحمر )، والطيب أديب ( قنا )، ومحمد عبد المطلب ( سوهاج )، ومحمد محمود عثمان ( سوهاج )، ومحمود رمضان الطهطاوي ( طهطا )، وهند محمد عبد الرحمن ( طهطا ). وأخيراً لا يفوتني أن أعتذر عن أخطاء قد تفوت عند المراجعة، لكنها لا تخفى عند التلقي؛ ثم إنني أتمنى أن يجد القارئ في هذه المقالات المتعة والفائدة معاً، وأن يجد فيها الباحثون والمعنيون، إصبعاً تشير بوعي إلى مناطق قادرة على العطاء جديرة بغرس بذور جهدهم في تربتها الخصبة، طموحاً إلى الاتجاه نحو هذه البيئة الغنية، التي تنطوي صفحاتها ، عاماً بعد عام ، فمن نهل منها ظفر بعزيز، كما فعل أستاذنا وأديبنا الكبير يحيى حقي . والله من وراء القصد المؤلف علاء الدين رمضان