الغابرية، المدينة التي يتسرّب صدى حكاياتها من الزمن القادم. مدينة لها وجوهٌ شتّى، تُروى في سبع حكاياتٍ ديستوبية لا تخلو من سخريةٍ سوداء، في أزمنةٍ سبعٍ تتشابك فيها المآلات، وفي عالمٍ يتناوب فيه الإنسان والآلة على صياغتها.
كحال المدن، يبزغ نجم الغابرية ثم يأفل، تُهدم وتُعاد برمجة ذاكرتها بمَن فيها، وتبقى الأسئلة معلّقة: من يغيّر الآخر، العالم أم مَن يسكنُه؟
نبوءات الغابرية تجربةٌ تتعقّب الإنسان في آخر معاقله، الذاكرة، حين يغدو الماضي خوارزمياتٍ قابلة لإعادة التشكيل. كأنما لتقول للعابرين: الزمن لا يتقدّم، بل يدور في حلقةٍ تُكتب وتُمحى دونما نهاية.
قرأت تغريدة لأحد القراء الأفذاذ تدعو رواد معرض الكتاب للتريث قبل البدء بالكتب التي اشتروها من معرض الكتاب، وهو منهج يتعارض مع حالاتي الاندفاعية في القراءة، كثيرًا ما قفز كتاب إلى أعلى قوائم القراءة، وأستجيب لمثل هذه القفزات لأسباب متعددة، اجتمعت كلها في الغابرية ونبوءاتها، كاتب صديق وتصنيف قريب من القلب لطالما أحببت أن أكتب فيه - وبدأت بكتابة مشروع روائي في السايبربنك فعلا - وتمنيت أن نعيد امتلاك هذه التصنيفات من الكتابات غير الجادة، التي تتخذ من الفانتازيا والخيال العلمي وأجناس فرعية أخرى من الخيال التأملي زينة، مجرد قطعة زينة تجذب فيها القراء دون إعمال حقيقيي في النص لمقولاتها الفلسفية والسردية. لذا حق للكتاب أن يزاحم دون كيخوته والإمبراطور الإله، وبدأت بقراءته.
نبوءات الغابرية مجموعة من سبعة قصص للكاتب مشاري العبيد، تدور أحداثها في المستقبل المتوسط إلى البعيد، أميل إلى كونه متوسطًا أكثر، تتوزع القصص بين مجموعة من التصنيفات الفرعية من الخيال العلمي بين السايبربنك والديستوبيا وغزو الكائنات الفضائية، ففيها شيء من الظلام الذي يخيم على هذه التصنيفات عادة، إلا أن مشاري العبيد بحساسيته السردية أنصف البشر بأن وضع الظلام في مكانه الصحيح، لدى أصحاب المناصب والقوة بشكل عام وأتباع الأيديولوجيات المتطرفة، وسلط الضوء على الجماعات الهامشية بما هم موضوع لهذا الظلم، بل جعل الخلاص على أيديهم في بعض القصص التي تحتمل الخلاص، أو السعي إليه على الأقل!
أكثر ما أعجبني في هذا الكتاب، مبادرة قلم فذ للكتابة في تصنيف موصوم بالسطحية، لا لموضوعاته التي يناقشها ولا لمادته التي يتشكل منها، بل لبعض الكتابات غير الجادة وجمهورها غير الثقافي، في حين أن مواضيع ومواد الخيال العلمي عصية على جل المثقفين المتقوقعين في إشكاليات السرد والزمن الروائي! فهذه المساهمة خطوة رئيسة في استعادة الخيال العلمي ووضعه في المكان الصحيح في العالم العربي، والأمر الآخر المميز في هذه القصص أنها غير مستفزة للمثقفين -عكس ما أقوم به عادة- فكل النصوص مكتوبة بحرفية عالية تخفي هذا الاستفزاز بشكل يذكرنا بالرومانسية العلمية، الوصف الذي أطلقه هيربرت جورج ويلز على أعماله، ولا تختلف الرومانسية العلمية عن الرومانسية الفلسفية التي تحاول فهم العالم المتغير حولها، وفهم الجسد والوعي وفق هذه المتغيرات وعلاقتها بالعالم، هذا كله دون أن يترك ملامح التقدم العلمي مجرد تحف تزين بها فضاء النص، إذ كانت التقنيات العلمية فاعلة في القص وأدواته وغاياته.
"في سجلات الغابرية، دخولك مسجل من زمن، أما خروجك فما زال قيد الانتظار في هذه اللحظة، لا تسأل أحدًا، فكل إجابة ستفتح أمامك بابًا جديدًا من الأسئلة"
نبوءات الغابرية هي مجموعة قصصية تنسج بين الخيال العلمي والسيابربنك والديستوبيا والغزو الفضائي، وتفوز برهانها لأنها تقدم كل ذلك بملامح محلية أصيلة. عالمها يقوم على فكرة الأرشفة كقوة حاكمة، والذاكرة كملف يسيطر عليه نظام قاسي يمنحك التعليمات، يحدد صلاحياتك، يغلق أبوابًا ويفتح أخرى.
وبما أنها مجموعة قصصية قصيرة، فهي لا تُقدَّم كقصص منفصلة، بل كنسيج واحد يتنقل عبر الزمن والشخصيات. المكان ذاته يتكرر، لكن من زوايا مختلفة، من الماضي تارة، ومن الحاضر أو المستقبل القريب والبعيد تارة أخرى. ومع كل انتقال، تكتمل الصورة أكثر، لتتجلى الغابرية كمنظومة واحدة تغيّر أقنعتها دون أن تغيّر طبيعتها.
تبدأ الرواية في مدينة بلا حياة ظاهرة، ثم تكتشف تدريجيًا أن السكان موجودون، لكن وجودهم محجوب تحت نظام الغابرية. هناك طائرات تمسح الشوارع، كاميرات تراقب، مكبرات تعيد الصوت، وأعمدة تحفظ الأثر. كل خطوة تصبح حدثًا مسجلاً، وكل لحظة وحدةٍ تتحول إلى مراقبةٍ صامتة.
الرواية تجعلك تسمع لغة النظام وهي تتنفس في كل مشهد: ملف حالة، بروتوكول مؤجل، شروط إيقاظ، فشل نظام... هذه المصطلحات ليست شروحًا، بل أسلوب حياة. ومع تكرارها، تشعر بالإنسان وهو يُضغط في قالب رقم وسجل وحالة.
ثم يظهر “علام”، أحد أذكى أفكار الرواية — ذكاء صناعي متطور صُمم للمرافقة واتخاذ القرار ضمن منظومة الغابرية. يتحدث إليك بقرب محسوب، يقرأ ردودك، ويتعلم ضمن حدود برمجته. وهنا يتولد السؤال الحقيقي: هل يفهمك فعلًا؟ أم أنه مجرد إدارة متقنة لعزلتك؟
أما الغزو الفضائي، فالرواية لا تقدمه كحرب تقليدية، لكن كوسيلة للسيطرة. تدريب صارم، ميثاق طاعة، وعقاب جسدي صغير في شكلهعميق في أثره، يزرع السلطة في الجسد قبل أن تترسخ في العقل، ويحوّل الإنسان إلى كائن يمكن تشكيله وتخزينه.
ومن أجمل ما يميز الرواية أنها لا تحصر نقدها في الفرد فقط، إنما تكشف فساد السلطة وقادتها. تُريك كيف يصبح الخوف نظامًا، والقرار أداة ابتزاز، واللغة الرسمية قناعًا يغطي الفوضى. تراها وهي تدير الكارثة، تعيد تدويرها، وتوزع المسؤوليات حتى لا يُحاسب أحد. هذا العمق الاجتماعي يمنح النص توازنًا، ويمنعه من السقوط في نمطٍ واحد.
ومع ذلك، قد تقفز الرواية أحيانًا بين مشاهدها بسرعة، فتحتاج إلى تركيز لتلملم الخيوط وتعرف أين أنت. كما تنتهي مبكرًا قليلًا، فتتركك متعطشًا للمزيد إذا علقت بعالم الغابرية.
لكنها رغم ذلك، تبقى نبوءات الغابرية خطوة فريدة في الخيال العربي، لأنها تجمع بين السيابربنك والغزو الفضائي والديستوبيا داخل بيئة مألوفة، وتتركك مع سؤال واحد بسيط لكنه ثقيل: من يملك السجل... يملك مصيرك