يهدي عبدالله حبيب كتابه الجديد إلى ذكرى الباحث صلاح قاسم البَنَّا "الذي كان يناطح أبراج المدن بالكتب، والذِّكريات، والأحلام، ثمَّ ذهب نبيلاً ووحيداً في المشاريع"، وجمع فيه 999 شذرة موزّعة بين همومه الخاصة وأسئلته عن الشأن العام. هذه الشذرات تتضمن تأملات فكرية ومواقف سياسية وثقافية، وتمتدّ أيضًا إلى تفاصيل حياتية تبدو عابرة للوهلة الأولى، لكنها تكشف عن ملامح عميقة من شخصية الكاتب. ففي بعضها يحضر البحر الذي نشأ بقربه في قريته"مجز الصغرى"، وفي أخرى تتجلى علاقته بالسينما التي كرّس لها جانبًا كبيرًا من مسيرته، وأسفرت حتى اليوم عن ستة أفلام قصيرة، وثلاثة كتب في النقد السينمائي هي "مساءلات سينمائية"، و"حيث الليل أكثر من غياب الشمس"، و"لورَنس العَرَب والأموات"، إضافة إلى ترجمته لكتاب "ملاحظات في السينماتوغرافيا" للسينمائي الفرنسي روبير بريسون. بينما تعكس شذرات أخرى مرارات الغربة وذكريات البيوت القديمة، أو لقطات صغيرة من أحاديث يومية مع أصدقاء ورفاق. يكتب عبدالله حبيب عن ترحلاته في المكان والزمان، عن حوارات قصيرة استوقفتْه في أماكن عامة، أو عن مشاهد إنسانية عابرة التقطها من الشارع، ويمنح هذه المشاهد أبعادًا وجوديّة تضاهي في قوتها نصوصًا مطوّلة. ما يميّز هذه المجموعة أنّها تنقل القارئ بين محطات متباينة: من نقد الواقع الثقافي والسياسي، إلى بوح شخصي حول الصحة أو العائلة أو الحنين. وهكذا يشكّل الكتاب بانوراما من الشذرات التي تحاول الإمساك بتفاصيل اليومي، والتقاط اللمعان الخاطف في الحياة، ليغدو أشبه بسيرة غير مكتملة للكاتب، مرسومة بخطوط متقطعة لكنها بالغة الدلالة.