إلى أي مدى تأثر المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين بالتدني في الخدمات الصحية؟
كان تلك موضوع دراسة الباحثة نسمة سيف الإسلام في تلك الكتاب من سلسلة تاريخ المصريين، والذي استمتعت بعرضه المستفيض لأهم وأشهر الأمراض التي ضربت القُطر المصري مثل البلهارسيا والكوليرا والسل والملاريا وغيرها.
لم يكن الكتاب مجرد تحليل للأوضاع الصحية في مصر في ذلك الوقت من الزمن، وإنما تطرق بطبيعة الحال إلى مناقشة الأوضاع السياسية والإقتصادية التي أدت لهذا التدني والتدهور.
جالت الكاتبة بنا في أقاليم مصر من شمالها لجنوبها واستعرضت أهم الأمراض التي كانت تعصف بكل محافظة حسب موقعها الجغرافي وطبيعة الطقس بها.
اختلفت الأسباب "طبيا" باختلاف المكان، ولكن بقى القاسم المشترك عبر المكان والزمان، ألا وهو "رخص" قيمة المصري كإنسان في أعين حاكميه أو بالأحرى مُحتليه حسب ذلك الزمن. كان مجرد خادم لا يكلفهم سوى قروش زهيدة، ولم تكن خسارة صحته أو روحه تعنيهم في شىء. كان مجرد "رقم" في مجموع الفلاحين أو العمال الذين بفقدهم تخسر الطبقة الحاكمة ومن بعدها الاحتلال البريطاني عمالته الرخيصة.
في مشاهد من الحياة اليومية في الريف المصري نرى كيف كانت أبسط معايير النظافة تغيب عن ملامح الحياة في القرية في ذلك الزمن. المياه الملوثة التي كانت مصدرا للشرب والتنظيف والري، وكيف كانت المياه النظيفة مجرد رفاهية لا تتاح إلا لأقلية من ساكني المدينة. أتذكر عندما كنت أزور قرية والدي في طفولتي حتى مطلع التسعينات وأرى نساء القرية من البسطاء يغسلون متعلقاتهم في مياه الترعة الراكدة وأعرف أن تلك الأوضاع أخذت أزمانا طويلة حتى تغيرت.
وأعرف أننا بعد مرور ربع قرن على بداية الألفية الثالثة، لدينا قرى في صعيد مصر لازالت تعيش في تلك الزمن، أي مطلع القرن العشرين بدون مياه نظيفة وبدون الحد الأدنى من الرعاية الصحية.
أرى هذا الكتاب من أفضل ما قرأت حتى الأن من سلسلة "تاريخ المصريين" الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب. وإن كان لازال يفتقر "للمسة الأدبية" التي أرى أنها واحدة من أسس الكتابة عن التاريخ.