في روايته الأحدث “في نهاية الزمان”، يأخذنا عادل عصمت في رحلة عبر الزمن، حيث تنبض الحياة في أزقة قرية صغيرة تحمل في طياتها تاريخ مصر الحديث. من خلال عيون شخصيات متنوعة، يستعرض الكاتب التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها البلاد على مدار عقود، مشكلاً لوحة غنية بالألوان الإنسانية.
تدور الأحداث في إطار من الصراع والأمل، حيث يتقاطع مصير الأفراد مع التاريخ الأعم. كل شخصية تمثل فصلاً من فصول الحياة، تعكس آلامها وأفراحها، وتظهر كيف تتداخل الأحلام مع الواقع. بأسلوبه السلس والواقعي، يغوص عصمت في تفاصيل يومياتهم، ليجعل القارئ يشعر بحيوية المكان وعمق العلاقات.
تستكشف الرواية قضايا الهوية والانتماء والبحث عن الذات، وتسلط الضوء على قوة الكلمة كأداة للتغيير. في زمن تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والخيال، تظل “في نهاية الزمان” دعوة للتأمل في جذورنا، والتفكير في المستقبل الذي نصنعه بأيدينا.
انضموا إلى رحلة في عالم من الذكريات، في رواية تدعونا للتأمل في ما يجمعنا وما يفرقنا، في لحظات التغيير والتحولات العميقة. حيث يكشف عادل عصمت عن جوهر الإنسان وتاريخه في سرد مفعم بالأصالة والعاطفة.
بعض الانطباعات عن العمل الفذ: في نهاية الزمان لأستاذ عادل عصمت:
منذ أعوام طويلة قرأت روايتي قشتمر والباقي من الزمن ساعة لنجيب محفوظ في فترة متقاربة، وبعد انتهائي من القراءة هيمنت عليّ فكرة واضحة لا لبس فيها؛ ما فعله نجيب محفوظ في الروايتين يبدو في غاية البساطة، لكنه معقد جدًا... كل ما فعله أن تناول مجموعة من الشخوص ورصد حياتها على امتداد فترة زمنية طويلة... ماذا فعل الزمن بهذه الشخصيات؟ الرواية كلها بمثابة إجابة عن هذا السؤال، وفي الإجابة يستعرض الكاتب تاريخ مصر بتقلباته وما يفعله بشخوص العمل. الزمن إذن! منذ أعوام قليلة، وأثناء حضوري مناقشة مجموعة: مخاوف نهاية العمر لأستاذ عادل عصمت، تحدث عن أن قصص المجموعة كلها بمثابة إجابة عن أسئلة أرّقته، وشرح كيف حاول في قصة كذا وقصة كذا أن يجيب عن سؤال معين، ولم يقصد بالطبع إجابة مدرسية قاطعة، إنما محاولة الاقتراب أكثر من ظاهرة ما غير مفهومة يود التعمق فيها. ربما شكَّل هذا النهج دافعه في الكتابة، لكني بوصفي قارئًا للمجموعة لم ألاحظ ذلك. مثلت كل قصة لي عالمًا مختلفًا وعميقًا وحيويًا. الأمر مختلف هذه المرة. في كتابه الأخير "في نهاية الزمان" الصادر عن دار الكتب خان يظهر ميل الكاتب بوضوح تام إلى الاقتراب أكثر فأكثر من الأسئلة التي أرقته طوال حياته، والتي اتخذت حيزًا مكانيًا أساسيًا متمثلًا في قرية نخطاي... في هذا العمل الأدبي الفذ تصبح نخطاي كل شيء ولا شيء في الآن نفسه. أقول كل شيء لأنها الحيز الأساسي لقصص شخوص هذا العمل، مهما تفرعت حكايات الشخوص واتخذت أصحابها إلى القاهرة أو البحر المتوسط أو إيطاليا أو مدينة طنطا أو... أو...، وأقول لا شيء لأن خصوصية المكان الشديدة يتضح من مواضع عديدة في العمل أنها ليست في حقيقة الأمر خصوصية قرية بعينها، بل إنها تمثِّل مصر كلها التي عاش ريفها ظروفًا مماثلة، حتى إن الدهشة تصيب بعض شخوص العمل من وجود الأساطير عينها التي تربوا عليها في قريتهم في قرى أخرى بأسماء مختلفة ومضمون واحد. تتناول رواية «في نهاية الزمان» تاريخ نخطاي، بكل ما فيها، على مدار فترة طويلة زمنيًا. التقط الأستاذ عادل عصمت تيمة الزمن، بكل ما فيه من تعقيد وبساطة، مخاتلة وصراحة، تراجيديا وكوميديا، سطحية وعمق، ليعالج بمشرطه كل شيء. يصعب أن نتحدث عن موضوع لهذا العمل، فعندما يتعلق الأمر بالزمن فأنت تتحدث عن كل شيء تقريبًا. الرواية، إذا جاز لنا أن نسميها رواية، تتخذ شكلًا رائعًا، يخدم مضمونها بلا أدنى شك. حين نتحدث عن شكل هذا العمل، فربما نجده من بعض المناحي أشبه بالمرايا لمحفوظ: فصول مختلفة، كل فصل يتحدث غالبًا عن شخصية بعينها، وفي فصول أخرى يتكرر ذكر الشخصيات التي أتى ذكرها في فصول سابقة، لكن بتفاصيل جديدة. بدت المرايا كأنها متتالية قصصية، وأحيانًا قد يبدو هذا العمل قريبًا من هذا الشكل. لكن حينما نتعمق فيه تتجلى الاختلافات بدرجة أكبر. ربما يبدو إذن واحدًا من طبيعة الأعمال المتيمة بالأماكن، والتي تناولت الحكايات الواقعية والسحرية والتاريخية لمكان... مئة عام من العزلة مثلًا؟ قطعًا لا، خاصة أن أستاذ عادل عصمت لم يضطر إلى اللجوء إلى كل التحابيش والتوابل والبهارات التي أضفاها ماركيز على روايته ليبدو العمل مثيرًا... نخطاي غير ماكوندو. المعضلة الثانية في الشكل أن الرواية، بشكل أو بآخر، تُعتبر رواية أجيال، حيث رصدت شخصيات وأبنائها وأحفادها... إلخ. كيف يمكن كتابة رواية أجيال في شكل فصول متتالية يتناول كل فصل منها شخصية مختلفة؟ روايات الأجيال تتطلب عادة بنية مختلفة ومحددة، لا تُكتب عبر هذه الانسيابية البسيطة والحرية. لكن هل هي بنية بسيطة حقًا؟ بالطبع لا. كل فصل في هذا الكتاب يخدم فصلًا آخر، من الناحية النظرية والعملية. أقصد بالناحية النظرية نية الكاتب في استعراض عالم نخطاي المادي والأسطوري والتاريخي، وأقصد من الناحية العملية كيف تكمل قصة فلان في أحد الفصول، قصة أخرى، وكيف يبدأ تناول شخصية في صفحة معينة، وينتهي في نهاية الكتاب كقطع البازل التي يرصها الكاتب قطعة قطعة. أما المضمون فيتلخص في فعل الزمن في الشخصيات، وفي العوامل النفسية والمادية والتاريخية والروحية التي شكلت أهل قرية نخطاي. كيف يفكرون؟ كيف يواجهون الظلم أو يسايرونه؟ طرق النجاة الفردية والجماعية التي سلكوها ليخلصوا بأنفسهم؟ كيف يأكلون ويتزوجون ويتناسلون؟ ربما يبدو العمل أيضًا بمثابة محاولة شاعر لكتابة رواية، وبينما يتعلم طريقة كتابة الرواية يرتكب أخطاءً عبَّر عنها حينما قال: فعلًا أنا فاشل، أحاول منح القدسية لحوادث عادية، فكل الحوادث عادية بما فيها الحوادث التي غيرت مجري الكون. نشأت الحياة من تفاعل ذرة كربون بشكل عرضي، وبدأت من ملايين السنين تلك الهبة الحيوية التي يحتار الفلاسفة في الإحاطة بها ويبحث العلماء بلا جدوى عن مثيل لها في الكون الواسع. فعلًا أريد أن أكتب هذه الرواية وأجعل أحداثها لامعة، أريد أن أخلق قيمة لنفسي بكتابتي هذه الرواية، سوف أترك لنفسي حرية بناء الحكايات حتى تكتمل، ولن أعبأ بالقواعد... سوف أواصل الحفر حتى الأعماق البعيدة لأمحو عن خواطري التراب الشفاف من الادعاء والغنائية والتظاهر بالموضوعية... في هذا العمل الفذ نرصد أعماق سحيقة في شخصيات تشبهنا... في الحكاية البديعة لسمية نلاحظ بهلع كيف يمكن لحدث أن يغير طبيعة الشخصية، وكيف يشوه الظلم الجمال الداخلي ويُحوِّل صاحبه إلى شخصية أخرى مشوهة. نراقب ذلك بهلع لأنه يحدث لنا ولمن حولنا يوميًا. وفي حكايات الحاجة نفسية ندرك التركيبة المعقدة لبعض من نصفهم بالأشرار... الشخصيات لا تبدو بالسطحية التي قد تظهر بها، بل تحمل أبعادًا أخرى خفية تضيف إليها عمقًا بشريًا جديرًا بالدراسة. حكايات الجن الأولى والثانية، والعلاقة التي ربطته بابن أخته... حكاية القاضي الذي ترعرع على الذل، وقبّل أسلافه يد سيدهم، وفي غياب السيد يُقبِّلون يد خشبية، وآليات التعويض التي يلجأ إليها القاضي ليمحو بها عار أصله الذليل... كلها حكايات عادية وفريدة... فرادتها في عاديتها، فالطريقة التي يكتب بها أستاذ عادل عمله، وهي طريقة تعتمد على الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة، والموازنة بين العالم المادي والنفسي، تجعل كل عادي فريدًا، وكل فريد عاديًا. اعتمد الكاتب على تقنية الرواي العليم في الكتاب كله، وترك لنفسه حرية الرصد والتعبير عن وجوده بصورة تجعل العمل في بعض أجزائه يطير فوق نخطاي ككاميرا تسجل حركات سكانها مع تعليق صوتي، ثم تقترب الكاميرا في فصول عديدة من بيت بعينه، ثم شخصية بعينها، وتخترق عينه لتصل إلى أعماق عالمه النفسي السحيق. الاستثناء لتقنية الرواي العليم في العمل حدث في موضعين حسبما لاحظت... في الجزء الذي بدأ وأنهى به الرواية على لسان صوت وصفه في بداية العمل بمحرر الموتى، وهو صوت لا يعلم هو نفسه طبيعة وجوده... هل هو فكرة في عقل الشاعر والراوي سامي العفيفي، أم أنه ميت عيرة، كما وُصِف في آخر العمل، لم يجد شيخًا يصلي عليه؟ الموضع الثاني أتى في قصة المستشار موسى السماحي. هذا الموضع الأخير هو الوحيد الذي أوقفني بعض الشيء. في هذا الفصل لجأ الكاتب إلى تقنية يُعاد استخدامها باستمرار، وتتمثل في أن تجد الشخصية أوراقًا قديمة كتبتها، وتقرأها علينا، وهذا ما جعل الأحداث تُروى بضمير المتكلم. السؤال الذي طرحته على نفسي: لماذا هذه الشخصية الوحيدة التي تُترك لها المساحة لتتحدث، بينما يتناول الراوي العليم بقية الشخصيات؟ الأمر الآخر أن الطريقة النفسية العميقة التي تحدثت الشخصية بها عن نفسها لا أظنها تتوفر في قاض أو رجل سلطة في مصر، فغالبًا ستبدو لغتهم وعالمهم الداخلي أدنى من هذا المستوى. لو كتب الكاتب هذا الفصل على لسان الراوي العليم لاستوى تمامًا هذا الغوص النفسي ووجد له مبررًا بعيدًا عن مستوى الشخصية اللغوي الذي أظنه يبتعد عن هذه السطور. لا أعلم هل يوسعنا أن نسمي هذا العمل رواية أم لا... في بعض أجزائه يلجأ الكاتب إلى كتابة توثيقية تقارب ما فعله في كتابه: ناس وأماكن، لكن بطريقة أكثر حيوية بالطبع. لكن فن الرواية عمومًا يستوعب كل شيء. انطباعي الأول بعد نهايتي من قراءة الكتاب: أي مأزق أوقع فيه الكاتب نفسه؟ تذكرت نفسي في بداية مشواري بالكتابة حينما حاولت أن أكتب عن كل شيء... كل شيء مرة واحدة، وفعلتها برعونة بالطبع، لكن الكاتب هنا حاول أن يكتب عن كل شيء... كل شيء مرة واحدة، ولم يفعلها برعونة، بل أنشأ له شكلًا خاصًا به، وقدم أفكارًا وشخوصًا شديدة الحيوية والبشرية، وقدم عالمًا ذاب فيه الفرق بين العادي والاستثنائي... فعل كل شيء، حتى أن كل فصل من فصول العمل يصلح أن يتناوله في رواية منفردة، فهل أوقع نفسه في مأزق ألا يتبقى له ما يكتبه لاحقًا؟ شخصيًا... لا أظن، فلن ينضب معينه، وإن كان صوت خافت في قلبي يخبرني أن هذا عمله الأهم والعمدة. شكرًا أستاذ عادل عصمت. شكرًا للكتب خان.
"وعرف الناس من تلك الحكايات كيف اكتشف أهل نخطاي حدود بلدتهم بعد شق السكة الحديد، ووصفت ركوبهم القطار لأول مرة كأنهم جاؤوا من غيابات جب عاشوا فيه آلاف السنين، غير مصدقين سرعة القطار وكيف حاول أحد شباب نخطاي المغرورين أن يسابق القطار بحصانه وظل يركض بموازاة القطار، حتى انفجر قلب الحصان فعرف الناس أن القطار أسرع من طيران الطيور ورمح الأحصنة، وكل سرعة عرفوها قبل ذلك".
حول هذا المشهد تتلخص إحدى الأفكار الرئيسية لرواية الأستاذ عادل عصمت الأخيرة (في نهاية الزمان). وفي ظني أنها إحدى الأفكار المسيطرة على ذهن الكاتب وعلى مشروعه الروائي بشكل عام، فهو مشغول دومًا بتتبع أثر مرور الزمن على الناس، وكيف يتعاملون مع التغيرات والتطورات التي يطبعها عليهم، وكيف يفكرون تجاه الحداثة وكل ما يُستحدث في حياتهم..
سنة الله في كونه التحديث. والتحديث سيهزمك مهما حاولت. والقطار سوف يسبق ابن نخطاي وحصانه. .
في قرية "نخطاي" التي لا أعرف إن كان لها وجود واقعي أم أن الكاتب اختلقها من خياله، شيد عادل عصمت حياة زاخرة توازي حياتنا جميعًا، وعلى خلفية من الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر في القرن السابق والأزمان البعيدة، عشت مع شخصيات (في نهاية الزمان) حيواتهم التى ألقت بانعكاساتها على حياتي؛ من أجل ذلك أقرأ للأستاذ عادل عصمت.
ومن أجل ذلك أيضًا، أنا مدينٌ له بالشكر. الأستاذ عادل عصمت، الرجل الذي "يخلص للحكاية نفسها، ويترك معناها الخاص الفريد يتفتح"، يكتب في كل فصل ما يصلح أن يكون رواية قائمة بذات��ا. لا، بل أكثر من ذلك، فهناك فقرات في الرواية استوقفتني طويلًا، وألقت عليّ بظلال أسئلة ثقيلة أجبرتني على التفكير في حياتي من واقع تلامسها مع تلك الفقرة. لأجل ذلك أحب القراءة للأستاذ عادل. لأنه يساعد��ي على فهم حياتي وحياة المحيطين من خلال اهتمامه في أعماله بأحداث صغيرة تبدو هامشية، لكنها في الحقيقة تتراكم لتكون الأحداث الكبيرة التي تشكل حياتنا.. هذه الأحداث تتشابه مع تجارب وخبرات عاشها أغلب البشر، عشتها أنا، ولم أنتبه لها، لكن أدب عادل عصمت نبهني، ودفعني إلى التأمل والتفكير.. .
نخطاي هي قريتي. وقريتك. أو مدينتك الصغيرة. أو بلدنا جميعًا. هي القرية التي شيدها عادل عصمت ليكتب حكاية بلدنا. .
بنية هذه الرواية غريبة ومربكة قليلًا.. لكنها ممتعة. وهي رواية متعددة الطبقات. أحببت شخصية سيدة نخطاي، "الحاجة نفيسة" وحكاياتها، السيدة التي "كُتب عليها أن تحمل ميراث عائلة متغطرسة عاشت على ظلم الناس". .
"تضحك بفم خال من الأسنان، تخيف الأطفال الذين يحملون المصاحف، يقفون على مبعدة منها يتأملون وجهها المتغضن. تقول إن أهل نخطاي حكماء رغم كل ذلك، فقد عرفوا من قديم الزمن أن من يملك يحكم، ومن يحكم يملك، ليست الثروة فحسب بل النفوس أيضا، من يحكم يميت ويحيي ويدفن في الجب ويعلق على المشانق، عرفوا ذلك من قديم الأزل وواصلوا حياتهم في الظل صامتين مثل من دفنوا في الجب، يتجولون في جبهم تائهين، لكن ما يتعب قلبها أن يظنوا قدرتهم الآن على الوجود واليقظة من السبات الذي عاشوا فيه آلاف السنين". .
وأحببت فصل (عبد الناصر يظهر في محطة طنطا)، والفصل الخاص بـ"موسى السماحي". .
"لأهل نخطاي طريقتهم الخاصة في سرد الحكايات. يلونون قصصهم ويضيفون إليها الحواشي باستمرار، لذا فإن حكاياتهم، رغم أنها نفس الحكاية، تأخذ في كل مرة طابعًا مختلفًا، كأنها حكاية مفتوحة تتراكم تفاصيلها بمرور الزمن. كل من يحكيها يضع بصمة جديدة على الحوادث. حكاياتهم صورة لأرواحهم، ومرآة تعكس أفكارهم، فلم يحضر أحد الجلسة التي عقدت في البيت القديم بين الحاجة نفيسة ومأمور المركز، لكن مع الوقت حضر أهل نخطاي هذه الجلسة وحكوا لبعضهم ما دار فيها كأنهم شهود عيان. تكونت حكاية وافقت الأغراض والهوى، وفي الوقت الذي راجت فيه إشاعات عن أنها سوف تنال عقاب تكليفها لقاتل مأجور ليقتل أبو الغيط، إلا أن ما حدث عكس ذلك، واعتبروه دليلًا على سطوة لا تزول، مهما غير الزمن وجهته ومهما تبدلت ملامح من يسكنون سدة الحكم". .
قرأت أكثر من نصف الرواية في طنطا. وعندما أنهيتها في أحد المقاهي خرجت أسير في الشوارع التي مشى فيها "سامي العفيفي". مررت أمام مستشفى المنشاوي وبحثت عن المنطقة التى كان بها موقف سيارات نخطاي. رغبت في زيارة الجامع الأحمدي لكن الوقت كان قد تأخر وعليّ العودة. في الميكروباص وأنا عائد إلى إيتاي سرح خيالي مع أشجار النخيل على الطريق ورحت أفكر ثانية في أرض النخيل ونخطاي. تستمر حكايات نخطاي في إثارة الأسئلة في ذهني.. وهكذا يفعل الأدب الجيد. .
ليس هناك أجمل من الكتابة التي تستفزك للحديث عنها. الكتابة التي تُوقظ فيك الرغبة في الحكي. والكتابة التي لا تنتهي منها فور إنهاء الكتاب. .
"في النهاية ليس الأمر غريبا؛ فالبشر مجرد أفكار في أذهان بعضهم. كل واحد يخترع نفسه ويخترع الآخر الذي يتعامل معه، صديقا كان أم زميلا أم زوجا أم قريبا، كل هؤلاء مجرد أفكار. كل منهم يكون صورة للآخر لا تتطابق أبدا مع الحقيقة، إنهم صور مخترعة في أذهان بعضهم البعض، وكل منهم يعدل الصورة، التي يكونها لمن حوله، لكي توافق مزاجه وأهواءه ومراميه ومصالحه". .
لم أكن أريد لهءه الرواية أن تنتهي، هذا النوع الجميل من الروايات، الذي يأخذك إلى تفاصيل تعرف بعضها وتتخيل بعضها الآخر، ولكنك تستمتع بسحر الحكايات وجمال التفاصيل، رواية تعزف على أوتار الحنين، تأسى للماضي، وتغيرات الناس والزمان، ترصد بشفافية ماجرى للقرية النصرية في خمسين عاما ماضية أو أكثر، رواية تحتاج المزيد من التأمل والقراءة، لنا عودة للوقوف على جمالياتها . شكرا عادل عصمت
عبقرية علي الرغم من ان صوت الغراب هتفضل روايتي المفضله لعادل عصمت الا ان محدش يقدر ينكر انه هنا وصل لاعلي درجات إبداعه رواية مليانه تفاصيل تفاصيل الحياة كلها مش مجرد حياة أبناء قرية
حياة عبثية وشقية بطريقة بطريقة لا يمكن إصلاحها،وعلى خلفية تلك المشاكل والهموم بدت له الرواية التي يكتبها خالية من المعنى،أمام آلام الحياة وتقلباته،وخيل إليه أنه مهما بذل من جهد لن يتمكن من جعل الكلمات تنطق بما يشعر به من حيرة أمام هموم الناس،ولا إعادة تشكيل الحوادث الصغيرة المراوغة التي تخط مصيرهم في الخفاء،ونال هبوط معنوياته من ثقته في قدرته على كتابة الرواية وعلى تشكيل صورة للحياة كما يشعر "بها. غادر الشرفة وتمدد على كنبة في غرفة مكتبه،يفكربأنه لن يتمكن أبداً من الإيمان بسر المصائر التي تنسجها الحوادث"
استقوفتني هذه الفقرة التي جاءت على لسان سامي أحد أبطال الرواية الذي سافر من بلده نخطاي إلى القاهرة ليعمل صحفياً ويقرر أن يكتب رواية عن أحداث بلده وتاريخها. ما استشعرته أن كاتب الرواية قد تسلسل إلى هذا المشهد وكان شعوري تجاه هذا هو: لا! لقد أفلح في كتابة رواية غنية بالمعاني أوصلتني وأنا على فراشي أقرأها بمشاعر متناقضة متنوعة وتجربة وجدانية فريدة. تبدأ القصة بلا بطل سوى المكان نفسه "قرية نخطاي" القديمة قدم التاريخ نفسه وأبنائها عبر عدة أجيال والقصص المتشابكة التي تسلم بعضها بعضاً بسلاسة منقطعة النظير. فنجد آل راضي أشراف البلدة وحكامها المتسلطين ممثلين في السيدة نفيسة آخر نسل آل راضي الذين ينتهي عزهم ومجدهم في خمسينيات القرن الماضي. ونجد المطاريد أمثال عبده الجن وخيري بن عزوزة الذين يعيشون على هامش الحياة في عزلة واغتراب عن العالم بأسره. وموسى الذي نجح في دخول النيابة وصعد إلى أعلى السلم الاجتماعي لكن ما زال يؤرقه وضاعة أصله ومعايرة البعض له به. والشيخ المهدي ذاكرة القرية الذي رأى جمال عبدالناصر من القطار ومن وقتها تبرك به الناس. والعديد من الشخصيات الأسرة وقصصهم المتنوعة سمية التي أرغمها أبوها على الزواج وقصة أم الجلاجل والجب الذي يرمي فيه آل راضي المتمردين. أبناء العم اللذان حاولا الهجرة إلى أوربا بحراً.
كل هذا في حكاية شائقة مستمرة وفي عالم مغزول ببراعة جعلتني ألتهم الصفحات وراء بعضها دون توقف حتى أنهيته في جلستين. يمكنك أن تبحث عن المعنى الذي يلائمك فستجد الكثير، الثبات ضد التغير التغيرات الاجتماعية والسياسية في القرية المسكينة نفوس الأفراد وما يدور في خواطرهم. صورة لقرية مهمشة ظن أهلها أن هناك وحشاً عملاقاً وانه يوم القيامة عند سماع صوت القطار لأول مرة. عن الاغتراب وهجر الأهل والوطن. أو العودة وعدم التأقلم. الحياة وهشاشتها وتعاقب الأجيال وتفاهة الزمن والحياة أحيانا. الرواية غنية بالكثير ويمكننا الاستطراد كثيراً وكيفما كانت نظرتك لكن النقطة التي أثارت انتباهي أكثر من أي شيء آخر لدى هذا الكاتب هي .الذكاء الوجداني. هذا الرجل يمتلك حساً مرهفاً ونظرة مجردة تستطيع إزالة الرتوش لتنظر مباشرة في ما يهم: علاقة الإنسان بنفسه وبمكانه وزمنه. الإيمان ومجابهة الصعاب. وجودنا في حد ذاته. قد تشعر ببعض المرارة أثناء القراءة لكنها حتماً تجربة ثرية وتستحق خمس نجوم. كل التحية للكاتب الذي أتمنى أن يحظى بنصيب وافر من النجاح والشهرة في حياته فهو يستحق. هذه القراءة هي الثالثة له بعد مجموعتي "أيام عادية ، مخاوف نهاية العمر" وأتطلع لقراءة المزيد له.
حظي كان جميل كفاية إني بدأت قراية الرواية دي بعد قرايتي ل صلاة القلق، وحسيت حقيقي إني بكمل رحلة في منتهى الجمال والمتعة لحكاية مصرية بتسلّم لحكاية مصرية، ورغم اختلاف أحداث الروايتين إلا إني حقيقي حسيتهم بيتمموا بعض، وشبه بعض جدا. الرواية حقيقي جميلة، مش عارفة إذا كانت نخطاي موجودة حقيقي ولالا بس أنا آمنت بوجودها مع كل صفحة من الرواية، صدقت حكاياتها، ارتبطت بفلاحينها، وحسيت إن جزء من نسيجهم بجد. "انقسمت حياة الإنسان في نخطاي إلى مراحل من المخاوف عليه أن يجتازها. في البداية يفلت من براثن أم الجلاجل، ويتوجه إلى مرحلة أخرى من حياته تنتظره فيها مخاوف أخرى: الغرق في بحر النيل أو الشرود والتوهان في البراري وعندما يشتد عوده ويصبح عفياً، تأتي مخاوف أكبر، فهو معرض الموت في "العونة"، أو أن تخطفه نداهة تتخايل له على هيئة ست الحسن والجمال، أو يخطفه رجال الباشا في فترة من فترات التاريخ الطويل لنخطاي لكي يحارب في بلاد الشام واليونان." الرواية مكتوبة بنعومة، الأوصاف بديعة، الكتابة سلسة، رغم جمالها، محستش للحظة وأنا بقرأها بتكلّف في وصف، أو إن في حكاية متشبهش صاحبها. الأبطال حقيقيين، مينفعش متتحركش مشاعرك ناحيتهم، سواء هتحبهم و تتعاطف معاهم زي حدوتة سمية مثلا، ولا هتكره قسوتهم وتجبرهم، وتحس إنك شمتان في أوجاعهم زي الست نفيسة وحكايات آل راضي. ومينفعش متحبش شخصية الشيخ المهدي وابنه، حقيقي بتفردها وجمالها ونورها.
حيرني في النهاية مين الميت اللي صلي عليه الشيخ المهدي؟ هل هو فكرة أو شخصية اخترعها سامي العفيفي وهو بيحبك روايته، ولا واحد من اللي اتدفنوا في الجب وهما أحياء، وحقيقي رغم الحيرة، إلا إني حبيت أن باب الاحتمالات اتساب مفتوح في آخر الرواية.
المشهد اللي كان بيفكر فيه سامي العفيفي في الزهور اللي الزهور اللي اختفت من على المقصورة كانت في منتهى الجمال والنعومة بجد. وصفه لرغبات الناس اللي بتبعتها للسماء وهي واقفة عند المقام، رغبتها في الوصل مع ربنا، أمانيها اللي بتحطها في كل اللي حليتها من فلوسها وبترميها في صندوق النذور كان بديع حقيقي. "تململ الشاعر الغافي في وجدانه منذ سنوات، ورا يفكر في طبقات النحاس الأصفر التي محاها حف أنامل ملايين البشر عبر مئات السنين. ازداد السؤال تشبثاً بخواطره: هل مجرد حف الأنامل لسطح النحاس قادر على محو نقوش معدن صلب؟ المسّ الخفيف المشبوب بالرغبة والتوق إلى الوصل والمدد من السماوي البعيد الساكن في العلا، والرغبة العميقة الغور إلى الخير ورفع البلاء والظلم، هل يقدر حقاً على تغيير ملامح النحاس ومحو زهوره؟"
This entire review has been hidden because of spoilers.
#فى_نهاية_الزمان بطل الرواية فكرة تسيطر على الكاتب ، تتجسد شخصا يجوب المقابر فى مستهل الرواية ، يبحث عن اولئك الذين لم يستكملوا اعمارهم، او تم دفنهم أحياء فى جب آل راضى ناحية نخطاى ، البلدة التى تخطاها الزمن او ان الزمن يتوقف عندها ويتباطأ ، يبحث عنهم ليردهم الى حيواتهم يستكملوا ما فاتهم بقلوب اخرى مختلفة، وبعقول عاينت ما تحت التراب . نسخة جديدة منهم محسنة تتلافى العيوب وتعرف فعل الزمن فى الاشياء والاحداث . تلك الفكره التى بدأ بها الكاتب أنهى بها ايضا رحلة الرواية حينما اعلنت عن نفسها صراحة ،بعد ان اعيانا البحث عنها فى معظم شخوص الرواية هل هى خيرى ابن معزوزة ؟ام سامى العفيفى نفسه الراوى ؟ او ربما عبده الجن؟ او تامر ابن ممدوح العشيرى؟ رغم اننا عاينا موتاتهم جميعا . فشلت الفكرة فى النفاذ الى الموتى الاحياء ،بعد ان تم صدها من قبل حارس المقابر الذى اشترط موتها اولابالاساس وتقام عليها صلاة جنازة مشهودة وليست سرية . وبهذا الشرط وئدت الفكرة وربما ماتت فى سكون لا ينقص من عمرها شئ . فى حضرة روايات عادل عصمت ان تقرأ مشدوها من العالم الذى ينسج خطوطه ، يبدأ من الجذور حتى اكتمال ثمرة العمر ثم هو لا يأبه كثيرا بموتها ولعله يساعد فى الدفن ومراسم الجنازات. زخم الشخصيات وتجاربها المختلفة تعد ثراء من الكاتب وللقارئ وللشخصية نفسها . روايات عادل تصلح لكافة مستويات القراءة ، فمن يبحث عن الحدوتة والحكاية سيستمتع مع الحاجة نفيسة او الشيخ محمد المهدى الابن والاب وسيتشوق لليد الخشبية التى يقبلها الفلاحين فى غياب السيد ، ومن تستهويه فكرة تحليل الرواية بالسرد واللغة والحبكة ورحلة الابطال ،سيجد مبتغاه حاضرا فى لغة عذبة وحبكة لا يتقنها الا قلم عادل ، ومن يدور فى فلك فلسفة الرواية وقراءة ما بين السطور، سيجد ضالته فى تغير الاشخاص بتغير الزمن والاحداث ، وسيدرك كنه فكرة الموت عند الكاتب ، واسقاطات توالى العصور على نخطاى مصر بتغيير سلوكيات اهلها مع تطور فكرة الاسطورة والحكاية الخيالية من ام الجلاجل حتى الذكاء الصناعى الان . وجبة دسمة من استاذنا عادل عصمت يستكمل بها مشوار روائعه الوصايا وجنازة السيدة البيضاء والنوافذ الزرقاء مع صوت الغراب وحكايات يوسف تادرس ، فشكرا استاذنا .
كل ما بقرا رواية ل عادل عصمت بستغرب أكتر هو ليه مش واخد حقه اكتر من كده ..ليه ماحدش بيقول انه من أهم الكتاب العرب ؟ مفهوم ان ده مش الذوق العام بس ليه جمهور عادل عصمت مش بيتكلم كتير عن جمال كتاباته ؟ في نهاية الزمان رواية بطلها المكان ..اللي هو مكان من الواضح انه مش واقعي تماما .. يمثل يمكن مصر نفسها او يمثل العالم والبشرية كله بشكل اقرب ل ماكوندو في مائة عام من العزلة ..سلوك الافراد وتأثير دوران الزمن وتحول الشخصيات مع مرور السنوات في سرد فيه كتير من الفلسلفة الوجودية لكن بشكل دافي هادئ شاعري ... الزمن في الرواية مش بيمشي بشكل خطي ولكن بنتنقل بين أزمنة مختلفة بشكل ما كانش مربك بزيادة بمعنى ان القارئ اذا حب هيقدر يرتب الاحداث ترتيب زمني منطقي وان كان ده مش هدف الرواية ..الرواية في الغالب عايزانا نشوف الازمنة بالشكل المختلط ده وكأنها كلها متزامنة بشكل اقرب لرؤيتنا للزمن من خارج اطاره المحدود اللي بنشوفه اثناء وجودنا على الارض ... يمكن مش سهل اوي وصف الرواية و مفهوم ان النوع ده من الكتابة وارد جدا تختلف الرؤية من قارئ للتاني ولكنها رواية تستحق تتقري أكتر من مرة كمان