في كلِّ واحدٍ وواحدةٍ من البشر شيء ما مما في بَطَلي هذه الرواية التي ترحل لبداية البدايات، لا لتتأمَّلها فحسب، بل لتتأمَّلنا اليوم. رواية مكتوبة بالبصيرة عن مأساة الخروج من الفردوس، بلوّعَة التراجيديا حيناً، وبالسخرية السوداء حيناً آخر، فكلَّنا نتاج تلك المأساة الأولى، ولكلِّ منّا نصيبه منها؛ هكذا، لا يكون آدم وحوّاء خلَّفَنا، بل معنا هنا في القرن الحادي والعشرين، كما لو أن ما يحدث اليوم هو ما عاشاه، أو كما لو أننا نحن ذاكرة كل منهما ومرآته.
كيف يكون (الآن) ذاكرة للماضي، كما هو الماضي ذاكرة لكلِّ (آن)، ذلك ما يقدِّمه إبراهيم نصرالله في هذه الرواية العابرة للأزمنة بعيداً عن تجهّم الكتابة عن المآسي، وضحكٍ يشبه البكاء، وبكاءٍ ثمة فيه الكثير من ملامح الضّحك.
إنها رحلة في الإنسان، بقدر ما هي رحلة في الأزمان، يحضر فيها الراوي العليم بكل معارفه، في هذه الثلاثية المدهشة التي تحمل اسمه، حيث تفصل آلاف السنوات أحداث الجزء الأول منها عن أحداث الجزء الثاني الذي صدر بعنوان "مصائد الرّياح"، كما أن كلّ جزء في "ثلاثية الراوي العليم" يبدو مستقلّاً، لكن الوصول إلى المعنى لن يكتمل، بغير الإقامة في المحطات الثلاث متتابعة، فثمّة نهران متوازيان يعبران الثلاثية كلّها، نهر الإنسان بتحوّلاته، ونهر الراوي العليم بتحوّلاته أيضاً. وهي قبل هذا وبعده، رحلة لاستعادتنا، لاستعادة القدرة على الدهشة، واستعادة الجمال قبل أفوله".
Ibrahim Nasrallah (Arabic: إبراهيم نصرالله), the winner of the Arabic Booker Prize (2018), was born in 1954 to Palestinian parents who were forcibly displaced from their land in Al-Burayj, Palestine in 1948. He spent his childhood and youth in a refugee camp in Jordan, and began his career as a teacher in Saudi Arabia. After returning to Amman, he worked in the media and cultural sectors till 2006 when he dedicated his life to writing. To date, he has published 15 poetry collections, 22 novels, and several other books. In 1985, he started writing the Palestinian Comedy covering 250 years of modern Palestinian history in a series of novels in which each novel is an independent one; to date 13 novels have been published in the framework of this project. Five of his novels and a volume of poetry have been published in English, nine in Persian, four works in Italian, two in Spanish, and one novel in Danish and Turkish.
Nasrallah is also an artist and photographer and has had four solo exhibitions of his photography. He won nine prizes, and his novel Prairies of Fever was chosen by the Guardian newspaper as one of the most important ten novels written by Arabs or non-Arabs about the Arab world. Three of his novels were listed on the International Prize for Arabic Fiction for the years 2009, 2013, and 2014. In 2012 he won the inaugural Jerusalem Award for Culture and Creativity for his literary work. His books are considered one of the most influential and best seller Arabic books, as new editions are released frequently and many young readers are attracted to his books.
In January 2014, he succeeded in summiting Mount Kilimanjaro in a venture that involved two Palestinian adolescents, a boy and a girl, who have lost their legs. The climb was in support to a nongovernmental organization dedicated to providing medical services to Palestinian and Arab children. Nasrallah wrote about this journey in a novel entitled The Spirits of Kilimanjaro (2015). In 2016, Nasrallah was awarded the Katara Prize for Arabic Novels for this work.
His novel The Second Dog War was awarded the International Prize for Arabic Fiction (Arabic Booker) for 2018. In 2020 he became the first Arabic writer to be awarded the "Katara Prize" for Arabic Novels for the second time for his novel "A Tank Under the Christmas Tree".
أوّل ما دفعني لقراءة الرواية كان عنوانها الساحر؛ اسم يصعب تجاوزه دون الفضول لبدء القراءة فورًا. دخلت إليها بلا أي معرفة مسبقة، وأظن أن هذا ما جعل التجربة فرديّة ومختلفة تمامًا.
الرواية مختلفة عمّا قرأته سابقًا لإبراهيم نصر الله، وبعيدة كلّ البعد عمّا نألفه عادة في الرواية العربيّة. في بدايتها قد يشعر القارئ بشيء من القلق تجاه أساس الفكرة، لكن شيئًا فشيئًا يجد نفسه يعيش المشاعر والاكتشافات الأولى كما لو كان هناك فعلًا في اللحظة الأولى من الخلق. تساءلتُ كثيرًا: كيف نفقد دهشة الأشياء مع الزمن؟ وكيف نعتاد ما كان يومًا معجزة؟
أعجبني أيضًا اختلاف السرد بين آدم وحوّاء؛ هذا التناوب في الأصوات منح الرواية عمقًا خاصًا وجعل التجربة أكثر إنسانيّة وتقاربًا.
وكونها الجزء الأول من ثلاثيّة الرواية العليم يجعل القضايا التي طرحتها بحاجة إلى بقيّة الأجزاء لتكتمل الصورة.
تمت.. أنهيت القراءة على أرض غريبة وبعيدة عن عمّان؛ عبر ما اخترعه أحفاد أدم من أجنحة "الطائرة". لقد أوقعني نصر الله هذه المرة في ورطة، لقد أغرقني معه في رحلة لإعادة تعريف الأشياء، بل حتى إعادة إدراكها. لا أعني هنا تعريف أشياء معقدة أو مفاهيمها معينة. لقد أعادني إلى البداية، بل إلى ما قبلها، فتعرفت من جديد على الألم والصخور والتراب وورق الشجر والليل والقمر والنهار والشمس وغروب كل منهما، فالعتمة اصبحت فقدان العينين والغيوم كتل ريش رمادية. كما أنني شعرت بالجوع والعطش والم الاسنان أثناء القراءة وكأنها المرة الأولى. كنتُ أقرأ وابني هذا العالم برقةّ وعلى مهل؛ خطوة بخطوة، واسير بين خطوط هذا العالم بحذر وانا اتتبع خطواتي. لقد قرأنا جميعاً العديد من الروايات وشاهدنا الكثير من الأفلام التي تتحدث عن نهاية العالم؛ لكن أقرأ أحدكم كيف كانت بدايته؟ كيف كان الشعور الأول والمواجهة الأولى مع العالم. هذا ما رسمه نصر الله ببراعة روايه العليم الذي شعرت به طوال الوقت شخص منفصل عن الكاتب والشخوص. سُعدتُ جداً بذكر الرواية القادمة وعنوانها، فهذا يُقيد في نفسي حماسًا يُزين الأيام القادمة حتى صدورها. لطالما نجح نصر الله في رسم المرأة وإنصافها ولكنني ذُهلت بجمال وصفه لها وحقيقيّة هذا الوصف؛ فالرجل بالكاد يلمس الأشياء الجميلة حوله خائفاً من أن تنكسر بينما تركض المرأة "طيران" لتستكشف هذه الأشياء الجميلة وتعيشها. حاول العنوان تهيئتنا لكل الأشياء الجميلة التي ستنكسر ونُعيد رسمها وتشكيلها ولكنني لم أدرك ذلك إلا بعد "التوّرط" بالقراءة وإغلاق الصفحات الأخيرة.
"كم هو مرعب الا تجد اسم لما يرعبك" "صحيح أنَّ الإنسان عبر تاريخه كان ينتظر دائماً من ينقذ، لكن ذلك القادم لانقاذه غالبا ما كان يلتهمه." "أرعبه المشهد، لقد كانت بقاياه هناك لكنه نفسه لم يعد موجوداً" "صحيح انه كان ينتظرها ، لكن اكثر ما كان يخشاه هو لقاؤها" "صحيح أن شيئًا لم يكن ينقصه لكنه حين راها أدرك أن كل الاشياء كانت ناقصة" "لم تأخذني عاصفة في حياتي أعذب من عاصفة وجودها."
This entire review has been hidden because of spoilers.
"بعد قليل خطر بباله أنه لم يتخلَّ عن الشمس إلّا من أجل حواء، لأنه النور الوحيد القادر على تبديد وحشته. منذ ذلك اليوم، ليس غريبًا أن نسمع الرجال يردِّدون على مسامع زوجاتهم وحبيباتهم تلك العبارة السّاحرة: " أنتِ نور حياتي"."
"لقد عرف كلّ شيء لكنه في الحقيقة لم يعش شيئًا."
"طويلًا سيعيش قبل أن يدرك أنّ في بعض النجاةِ هلاكًا"
في الجزء الاول من ثلاثية الراوي العليم، في زمن البدايات نعود بنظرة تأملية شاعرية الى ما جرى لادم وحواء بعد “السقوط” من الجنة. رؤية فكرية وجودية جميلة تجسد تعلم بدائي لما يحيط بهما ولما اصابهما.
في بداية السقوط، ارتطم ادم وحيدا، وانكسر شيء فيه… هل كانت روحه؟ لم يجدها بقربه. يبدأ رحلة بحث عن ما فقده، ليكتشف ان وجود حواء في حياته هو ما منح لحياته معنى. رحلة البحث هذه عن الذات وعن الآخر تأخذنا الى عمق مشاعره، حيث يتجلى حبه النقي لها، خاصة حين يعترف لها بكمية الالم التي شعر بها عندما غابت عنه بعد السقوط.
رواية كل الاشياء الجميلة القابلة للكسر تنضح بالرمزية: فقدا الجنة، وفقد ادم اخر شيء جميل في حياته حواء. حبه لها يتجاوز حبها له، مفعم بالخشية والرهبة من عدم العودة الى الجنة، لكنه في نهاية الرواية، يتمرد على مخاوفه، ويستسلم للعقاب الالهي، مكتف على الارض بجانبها، ليعمراها معا.
صباح الكلمات وبدايات البشرية تتلمس شكل الحياة على امنا الارض ، أبانا ادم والخوف الاول الالم الاول الحنين الاول المطر الاول والليل الاول كل اللهفة للعودة وبعد اللقاء مع حواء التي هبطت معه الارض وافترقا من الرواية ما يدورفي داخل إنسان واحد من صراعات وأفكار لا يقلُّ عما يدور من صراعات في مدينة بأكملها.
لم يكن ضياعهما يقلق حوّاء أبدًا، بل إنها كانت تبتسم، فيبتسم بدوره، على الرغم من أن تبادل الابتسامات كان أمرًا جديدًا على آدم لكن شيئًا ما دفعه لأن يحبّه، هو الذي لا يتذكَّر أنه ابتسم فعلًا قبل ظهورها. آدم الذي أحبَّ ابتسامتها، طلب منها ذات مرّة أن تبتسم ثانية، من أجله فقط، فارتبكتْ، حاولتْ، ففشلتْ فشلًا ذريعًا. حزن آدم، فامتدَّتْ يدها هذه المرّة إلى يده وأمسكتْ بها على مرأى من الطيور والملائكة. فوجئت بحجم ارتباكه، فابتسمتْ تشجُّعه. ،،،، كل الاشياء الجميلة القابلة للكسر إبراهيم نصرالله
تعكَّرت علاقتهما. ذات يوم، إن جاز لنا أن نقول "ذات يوم"، كانا جالسين بصمت، كما لو أنهما في بيت عزاء، أعني بيوت العزاء في مطلع القرن الماضي، لا بيوت العزاء الجديدة التي يتضاحك فيها الناس بطريقة غريبة، كما لو أن الميت قد عاد!
:*# * حوّاء لم تعش الوحدة التي عاشها هو، الذي اكتوى بها وبضجرها قبل أن تكون. أمّا هي، فلم تجرِّبِ الوحدة، إنها تعيشها هنا للمَرة الأولى، ولولا تلك الرّؤى التي تشقُّ رأسها كلّ ليلة وتبعثره، وتقبض على قلبها بظلام يابس كالحجارة، لكانتِ أكثر هدوءًا، لأنها أيضًا مثله؛ ليس لديها شكّ في أنّ عودتها إلى الجنَّة قريبة، وأنّ كلّ ما يحدث أنها تعيش في "رؤيا" مظلمة، بدل تلك الرؤية المضيئة التي اسمها الجنَّة ولو كانت ترى أكثر، لعرفت أنها ليست أكثر من أيّ امرأة مؤمنة من ملايين بنات ذريَّتها، في أحد مخيمات اللجوء، فقدَتْ بيتها وقريتها أو مدينتها، أو أبناءها وأحبابها في حرب، فرفعتْ رأسها إلى الأعالي، وقالت بقلب مكسور وروح مشروخة: لماذا يا إلهي؟
نبكي في العتمة كي لا يشمتَ الحزنُ بنا، نضحكُ تحت الضَّوءِ ليخشانا
أيكون ما يتحرك في داخلها كائن اخر م يسبق لهما أن رأيا مثله من قبل، سيبدأ التهامه لها من داخلها قبل أن ينتقل إلى بطنه ويلتهمه! حوّاء انتظرت ظهور الشمس بلهفة، كأنّ ضوءها سيكشف لها ما لا تستطيع يداها وعيناها رؤيته. عمَّ النّور بعد زمن طويل. هدأ ما في بطنها، بمجرّد أن بدأت ترى أعالي الأشجار مضاءة. حيَّرها الأمر. أما آدم فكان على الدّوام على بعد خطوتين منها مترقّبا أن يقفز ما في بطنها عليه. عند الضُّحى عاد لديهما الاطمئنان، فأصبح آدم على بعد خطوة منها لا أكثر، وعندما قالت له إنني جائعة، ولا أعرف لماذا أشتهي فاكهة البريّة السُّفلى كثيرًا، نهض ليُحضر لها ما تأكله. في الطريق إلى البريّة قرَّر ألَّا يُحضر شيئًا، أن يترك ما في بطها يموت، بدل أن يطعمه، بدل أن يساعده على أن يصبح أقوى فيأكلها. من أين له بحوّاء أخرى لو حدث هذا؟
منذ وجودهم على الأرض تقاطعَت الخطيئةُ والخطأ في سلوك البشر، فبعض الأخطاء يرتكبونها ويستمرُّون في ارتكابها متصالحين مع أنفسهم لأنهم يُدركون حجم الحريّة الكامن في العصيان، ويرتكبون بعضها الآخر لأنهم لا يستطيعون مقاومة ارتكابهم لها، لكنهم لا يكفُّون عن لوم أنفسهم، لأنهم لا يريدون فقدان طمأنينة الطاعة. وأحيانًا يخطئون، لكنهم لا يستطيعون مقاومة الخطأ لسبب معيّن خارج الطاعة وخارج العصيان، والخلاصة أنّ البشر متصالحون مع الخطأ الذي يرتكبونه لأنهم بحاجة إليه غالبًا.
ما إن وجد آدم نفسه خارج البحيرة وأحسَّ بصدره يتَّسع، وقلبه ينتفض بقوة متذوِّقًا طعمًا مغايرًا لطعم ذلك الغرق تمامًا، طعم الحياة في الهواء، حتى نظر إلى حوّاء بامتنان، وهمس لنفسه، محاذرًا أن تسمعه، أعني حوّاء: أيّ نعمة وجودها! بحث آدم عدّة أيام عن كلمة تصف إحساسه بحوّاء، فلم يجد غير كلمة مكوّنة من أحرف قليلة، هي "الحب" فقال يصف حوّاء: لم نأخذني عاصفة، في حياتي، أعذب من عاصفة وجودها! ولعلّ تلك الجملة كانت أول جمله تنتمي إلى عالم الشعر والشعراء، لكن عظمتها أنّها قيلت بكل تلك البساطة والصِّدق.
الفراغ وحشة وحين يكون أرضاً جرداء تتضاعف وحشته العراء قاسٍ كالمسافة ما بين الحافة العالية والمكان الذي يرتطم به الجسد أين يختبئ الخوف في جسم الإنسان؟ الوقت بطيء بالنسبة إلى الطفل الصغير عكس الكبار الذي يرونه سريعاً لأن كل شيء جديد على الأطفال وكل الأشياء مفاجئة لا يستطيع آدم أن يقول أن هناك بكاءً جميلاً وبكاءً شريراً فالبكاء لم يبدُ له قابلاً لأن يُصنف كما صنف الأحلام أو صنفتها فيما بعد ذريّته ففي ا��بكاء كان دائماً ثمة شيء مريح وإن كان أكثر ما حيره فيه أن أسبابه كثيرة ولا يشبه الواحد منها الآخر إن آدم أحسَّ بأنه وحيد أكثر مما كان وحيداً قبل ظهور حوّاء لأن آدم في الحقيقة لم يكن قد نضج إن الإنسا�� عبر تاريخه كان ينتظر دائماً من ينقذه لكن ذلك القادم لإنقاذه غالباً ما كان يلتهمه أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تكون بحاجة إلى المساعدة ولا تجد ذلك الشخص الأغلى عليك يمدُّ لكَ يده أنّ الجهد الذي يبذله البشر أحياناً لإطلاق ضحكة مُتعِبٌ لأرواحهم أكثر مما هو مُتعب لأجسادهم من الأشياء التي لا يعرفها كثير من الناس أن حجم تدفق الأفكار في حالة الركض خوفاً أمرٌ لا يصدَّق حين يقولون مدى الحياة فإنّ للمدى خط نهاية حيثما كانوا أنّ ما يدور في داخل إنسان واحد من صراعات وأفكار لا يقلُّ عما يدور من صراعات في مدينة بأكملها هل تكون هذه البرية الموحشة هي الجنة الجديدة التي ستعيش فيها؛ الجنة التي ليس فيها من الجنة الأولى غير التفاح؟ كم هو مرعب ألا تجد اسماً لما يرعبك في عثورك على اسم ما يرعبك نصفُ شجاعتك أكثر الحيوانات غباء تدرك هزيمتها تماماً حين تهزم لكن البشر لا يدركون في بعض الغموض راحة وفي بعضه لعنة. أحياناً لا يعرف قلبك إن كنت حياً لكنه ينبض مضطراًّ أجمل ما في التثاؤب أنه يُشعر المرء بالراحة حين يجعله يكتشف تعبه الذي لم يكن يدرك أنه يحتل جسده لا نستطيع أن نقول إن هناك كائناً يملك حريّته كما يملكها الإنسان فالإنسان يملكها بأمرين :وعيه وغريزته أكبر جناح في العالم هو جناح ذلك الذي يعيش حريته ما يسحقك في نومك عليك أن تسحقه في يقظتك! أحياناً يغرق كثير من البشر في أفكار أقل خطورة بكثير من الغرق أما الأدهى فهو أنهم يرتعبون مما نجوا منه في حين أن لا ضرورة للخوف من أمر لم يقع ثمة شيء يفعله الجوع مختلف تماماً عن أي شيء آخر فهو يأكلك من الداخل متجهاً إلى الخارج في حين أن كل مفترس آخر يأكلكَ من الخارج متجهاً إلى الداخل
أحب قلم استاذ ابراهيم و قرأت و سأقرأ كل ما يكتبه مقالات شعر رواية
سحر رواياته في انها بقلم شاعر بالأساس
مؤخرا في هذة الرواية و ما قبلها ، يتخلى عن شاعريته قليلا ، يحاول تطعيم الكلمات بالعلوم و المعارف الأخرى و هنا يحصل النفور
ليس هذا قلم الشاعر الذي ألفنا
لا يحتاج كاتبنا لرواي عليم فهو دوما كان روائي حكيم يكتب على مسافة من كل المشاعر بكل الصدق رغم ذلك
يتكلم بلسان الرجل و المرأة و العدو و الصديق و مختلف التيارات دون أن تلمس منه تفضيل لشيء حكمة شاعرية نادرة
هنا تحمست في البداية و توقعت سبقا روائيا يحاكي أولاد حارتنا لكن و ربما فعلا مثلما شعرت تجاه ( أولاد حارتنا ) لم تكن بأفضل ما كتب الكاتب
كان يمكن أن يأخذ قصة البداية آدم و حواء وحدتهما قبل لقائهما و وحدتهما معا و وحدتهما بعد الشتات لمناطق أعمق و أكثر إثارة للتساؤلات
لماذا يعاني آدم الذي تعلم كل شيء وعاش فترة تجريبية قبل الهبوط و تعرف على كل شيء !
لماذا لا يعرف تسمية الأشياء و المشاعر و هو الذي علم الملائكة الاسماء كلها !
لماذا يعاني مع الأكل و يستمتع بالعلاقة مع حواء !
كان الأوفق للتوقع بأنهما سيعانيان من كل شيء
طالما بدأ بمعاناتهم مع الأكل الذي هو أكثر شيء تمرنا عليه مرارا في الجنة !
بل كان المتوقع أن يكون التقارب الجسدي لعنة ما ، أو نقيض للحب الذي عرفاه في الجنة ، فهو شيء قادم مع الغرائز الأرضية ، الاطفال كذلك لعنة ما ، فلا ننسى أن الجنة كانت بلا أطفال ! بلا تكاثر و ذرية و خوف من الفناء
افكار كثيرة كانت ممكن أن تأخذ مجري السرد لمناطق أكثر عمقا و حتى أخف ظلا
كانت القصة كأنها قصة للناشئة ، بسيطة و حتى الحكم التي يقحمها الراوي العليم بسيطة و معلوماته على السطح جدا
و الذي احزنني اكثر من كل ذلك ، هو ثقل الظل ، الراوي العليم كان دمه ثقيل و ما أقحمه من جمل يوميه و محاولات للمرح كانت ثقيلة ظل جدا 😔
شيء غريب في هذه الرواية أشعر وكأني اقرأ ( كليلة ودمنة ) ( مزرعة الحيوان ) ( الدجاج التي حلمت بالطيران ) بالرمزية للمشاعر وبساطة الكلمة وعمق التفكير! من ادم والى يومنا هذا عاشت البشرية الكثير من المشاعر ، ولكن عندما نعيشها ونختبرها لأول مرة تكون كالصاعقة قوية كثيفة تسري في كل الجسد ، تريد ان تشارك العالم كله بشعورك وكأنك ادم بأول تجربته . أعلم انه توجد صعوبة في تقبل الكلام عن ادم وحواء بهذه الطريقة لأنه لم ننشأ بالتفكير حتى كيف شعروا بنزولهم الأرض ، فكنا نتوقف بأقصى تفكيرنا أنهم أكلوا من الشجرة وهبطوا الأرض وعندما تجرأنا قليلا قلنا لو أنهم لم يأكلوا منها وبقينا في الجنة ! لكن أبعاد الرواية لاتتحدث بالقصة الفعلية لآدم وحواء هي تتحدث عن عمق التجربة والاحساس واختبار الشعور لأول مرة والجهل بتسميته والسرور برؤيته مرة أخرى أو شنّ الحرب عليه
( أريد حقا أن ابحث إن كان في الرواية لكل حيوان رمزية ! وخاصة الزرافة )
أكتب هذه المراجعة وانا امسك الكتاب عازمة على القراءة الثانية وسأعود بمراجعة أخرى لأني حقا أريد اعادة تجربة الاحساس بدون معرفة اسمه .
لا يمكن حصر ما أريد اقتباسه من هذه الرواية.. جميلة جداً وعن كل الأشياء الجميلة التي هي قابلة للكسر..نعم تجربة آدم وحواء مع الحياة والمشاعر والاكتشافات تجربة قاسية جداً لأنه "لم يقل لهما أحد شيئاً"…ورغم سهولة تجربتنا اليوم إلا أننا نشاركهما الموروث النفسي والعاطفي …ومازلنا نكتشف مشاعرنا ونتعلم عنها تماماً مثلهما.. كل يوم يوجد آدم وحواء يختاران أن يجربا التفاحة ليكتشفا أنهما في تجربة الحياة ذاتها ..لا جديد.. ويجربان أن يحياها .. كيف يراها؟ كيف تراه؟ كيف يخاف عليها فيكذب؟ كيف تفهمه ولا تصدقه ؟ ودائماً يعودان إلى كهفهما المشترك…
"من أوجدها كان يريد أن يقول له بوضوح شديد إنها أجمل مما تمنيت، كان يريد أن يصعقه لا بوجودها وحسب بل بجمالها."
"أكثر ما كان يخشاه أن يفقدها مرة أخرى"
"حين رآها تتجه إليه عائدة حواء أخرى كما لو أنها تُخلق للتو أمامه، هو الذي لم يرها تُخلق في المرة الأولى، في تلك اللحظات تقدم نحوها وقد أدرك فجأة أنه ليس بحاجة إلى جناحين لأنها جناحاه." ❤️
لم يدهشني ابراهيم نصرالله لان رواياته دائما تبحر في وجدانك فتعصف به, روايه كل الاشياء الجميله القابله للكسر عميقه في فلسفتها,جميله في روحها ,وممتعه في اسلوبها تجعلك تعيد قرائتها مرارا روايه اكثر من رائعه يتجلى بها ابداع اديب عظيم
كم من نسخة أدبية لقصة آدم وحواء حول العالم؟! هذه أرق (وأرقى) نسخة قرأت. أول قراءة لي لنصر الله من غير الملهاة الفلسطينية، هذه النتيجة من ارتباط القضية بالانسانية.. رائعة!