ليست كل النهايات نجاة، أحيانًا تنجو الأجساد، بينما تحترق الأرواح ببطء… "دياجير” رواية تمزج الغموض، التشويق، والخيال، لتروي أثر الصدمة والذاكرة التي تأبى الشفاء، والأزمنة التي تتكسر داخل العقول، والوجوه التي تمشي بيننا دون أن تعرف إن كانت حيّة أم لا. تدور الأحداث حول شاب يهرب من دخان رأسه… ثم يجد نفسه مطاردًا بالحرائق بدل أن يطاردها. وفي مدينة تبتسم وتخفي أنيابها يلتقي برجل يعيش بلا زمن وبلا ظل… فتتشابك مصائرهما في رحلة مواجهة الخوف والأسرار والهوية. الرواية تتركك مع سؤال لن يفارقك: من نحن حين يعيدنا الليل إلى أنفسنا؟ هل ننجو حقًا، أم أن النجاة وجهٌ آخر للهلاك؟
دياجير.. رواية مفعمة بالأسرار، تأخذ بك إلى عالمٍ آخر؛ تتيه فيها بين ثنايا الرماد وتشويشات الذاكرة، وتجد نفسك وحيدًا مع البطل، تحصي آلامه وتندهش من قدرته على النهوض بعد كل سقطة.
سألخّص تقييمي عبر ثلاثة محاور: الأول عن اللغة الأدبية، الثاني عن أبعاد الشخصيات، والثالث عن الرواية ككل.
المحور الأول: اللغة الأدبية اللغة قوية وسلسة، تنساب كلمات الكاتبة بين عينيك لترسم مشاهد ثرية؛ مرةً غارقة بالألوان ومرةً مثقلة بالقتامة. تشعر وكأنك تسمع موسيقى خفية وأنت تتنقّل بين السطور. اللغة فصيحة، والكنايات والتشابيه موفّقة وقوية، والوصف دقيق وغير ممل إطلاقًا. لم ألمس حشوًا في أي موضع؛ كل كلمة كانت في مكانها الصحيح. أما التكرار، فبرغم وجوده في بعض الكلمات والتشابيه، إلا أنه لم يكن مزعجًا، بل انسجم مع الحبكة بسلاسة.
المحور الثاني: أبعاد الشخصيات على الرغم من قِصر الرواية مقارنة بغيرها، استطاعت الكاتبة أن تمنح شخصياتها أبعادًا عميقة، من خلال أسماء مميزة، وحوارات مختصرة، وأحاديث نفس تكشف ما وراء الأقنعة. جسّدت ماضي الشخصيات بسلاسة جعلتني أتعاطف معها، بل أشعر وكأنني أعرفها منذ زمن. أسماء الشخصيات والأماكن لفتتني كثيرًا؛ اختيارها كان موفقًا، كما أن التزام الكاتبة بأسماء تنتمي إلى اللغة العربية فقط عزّز من أصالة الرواية.
هناك شخصية — لن أذكر اسمها حتى لا أحرِق على من يقرأ تقييمي — شعرت أنها لم تأخذ حقها في النهاية. كنت أتمنى لو لمستُ شيئًا أوضح مما آلت إليه، فقِصتها أثارت فضولي على نطاق واسع، وتركت في داخلي أسئلة أكثر مما قدّمت إجابات.
كنت أتمنى لو حظيت ملامح الشخصيات وأشكالهم بوصفٍ أوسع، لأتمكن من تجسيدهم بصريًا بشكل أدق؛ إذ لم أرَ سوى ظلالهم عبر الوصف، لكنني — بطبيعة الحال — أبحرت في خيالي ولم أستسلم.
المحور الثالث: رأيي بالرواية ككل رواية جميلة وسلسة، لغتها مفهومة وجذابة، وقصتها تثير الفضول وتدفعك لتقليب الصفحات دون توقف. قرأتها في ثلاث جلسات خلال يومين. هي رواية مؤلمة وجميلة في آنٍ واحد، وتشعرك بأنها أكبر بكثير من عدد الصفحات التي احتوتها. ما أحزنني أن ذروة الأحداث، والصفحات التي حملت أعلى درجات التشويق، جاءت قليلة ومختصرة جدًا. أعتقد أن الكاتبة تعمّدت ذلك، وربما تمهيدًا لجزءٍ ثانٍ. فالرواية أعمق وأكبر من عدد صفحاتها.
بالتوفيق صديقتي الكاتبة دانة 🌸 استمتعت بقراءتك من خلال كلماتك المحكمة.