يبدأ “مُعْجَمُ الحَواسِّ النَّاقِصَة” من لحظة التّأسيس الأسطوريّة الأولى؛ “المُصادفة” التي جعلتْ “الغابة” تلتهم “جَبلًا”. كأنّه بالأحرى “سِفر تكوين” مكثَّف لـ”العلائق” بين الذَّكر والأنثى، التي تتجاوز الثنائيّات التقليديّة للقوّة والضعف، منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا. صحيح أن “المُعْجَم” الذي يبنيه عماد فؤاد هنا، بـ”الصَّوت” و”الصُّورة” و”الرَّائحة” و”اللَّمس” و”الطَّعْم” و”الألم”، مشدودٌ بين قُطبي الكمال والنُّقصان، المرأة والرّجل، الإيروتيكيّة والصوفيّة، ما قبلَ.. وما بعدَ. لكنّه ليس بسيطًا كما يبدو من الوهلة الأولى، إنّه كون شاسع ومركّب. عالم معقّد تتعدّد أبعاده وتتراكم طبقاته الفلسفيّة والدّينية صفحة بعد صفحة، وقصيدة بعد أخرى. فنبدأ من اللحظة الأولى لخلق العالم، حيث: “في البدءِ كانت المصادفة”. وننتهى أمام: “التابوتان فارغان يا ناس”. كأنّها الحياة تمرُّ سريعة: “هكذا، رخيصةً.. رُخْصَ عاهرةٍ على طريقْ”.. تأبى لغة عماد فؤاد (المشحوذة دائمًا) الاكتفاء بأداء مهمّتها الرئيسية، فتكون “مجرَّد” لغة هدفها “الإيصال” فحسب. لا.. اللّغة هنا مثل شاعِرها؛ طامعة في أكثر من الممكن، في أكثر حتّى ممّا يستطيع الشِّعر أن يستخرجه من اللّغة نفسها، هذه ليست قصائد عن “الحواسِّ النَّاقصة” كما يدَّعي العنوان، بل قصائد كُتبتْ بـ”الحواسِّ النَّاقصة”، ستجد حروفًا لا تُرى.. بل تُلمَسْ. وكلماتٍ لا تُقال.. بل تُشَمّ. وجُمَلًا لا تُنْطَق.. بل “تُسْتطْعم”. وقصائد لا تُقرأ.. بل تخترق اللحم كأسنّة الخناجر. هذا ليس شِعرًا ينظر إليكَ بعينين خجولتين وهو يبتسم مرحّبًا بكَ، ساحبًا لكَ كُرسيًّا مريحًا لتسترخي تحت أشجار الخيال. لا، خذ حذرك.. له أيضًا فكوكٌ وأنيابٌ ومخالب.. وبمقدوره أن يعضّ وينهش.
عماد فؤاد (من مواليد 22 أكتوبر 1974 في قرية "الفرعونية بمحافظة المنوفية بمصر) هو شاعر ومترجم مصري مُقيم ببلجيكا منذ عام 2004. صدر له في الشِّعر: • «مُعْجَمُ الحَوَاسِّ النَّاقِصَة»، كتاب شِعري، دار «ميتافورا للنَّشر والتّرجمة»، القاهرة، 2024. • «تلك لُغة الفرائس المحْظوظة»، كتاب شِعري، دار ميريت، القاهرة، 2019. • «عشر طرق للتَّنكيل بجثَّة»، كتاب شِعري، دار الآداب، بيروت، 2010. • «حرير»، دار «النّهضة العربية»، كتاب شعري، بيروت، 2007. • «بكدمةٍ زرقاء من عضَّة النَّدم»، مجموعة شعريّة، «شرقيّات»، القاهرة، 2005. • «تقاعد زير نساء عجوز»، مجموعة شعريّة، «شرقيّات»، القاهرة، 2002. • «أشباح جرَّحتْها الإضاءة»، كتاب شعري، «ديوان الكتابة الأخرى»، القاهرة، 1998. في الرواية: • «الحالة صفر»، رواية، ميريت، القاهرة 2015. في الأنطولوجيا الشِّعرية: • «ذئبٌ.. ونفرش طريقه بالفخاخ»، الإصدار الثّاني لأنطولوجيا «النَّص الشِّعري المصري الجديد»، «المكتب المصري للمطبوعات»، القاهرة، «الوردة»، بروكسل، 2016. • «رُعاة ظلالٍ.. حارسو عُزلات أيضًا»، الإصدار الأوّل لأنطولوجيا «النَّص الشِّعري المصري الجديد»، «جمعية البيت للثقافة والفنون»، الجزائر، 2007.
في النّقد الثقافي: • «على عينك يا تاجر، سوق الأدب العربي في الخارج.. هوامش وملاحظات»، مقالات، دار «ميتافورا للنَّشر والتّرجمة»، القاهرة، 2022. في التّرجمة: • «طرفٌ من الليالي الفلمنكيّة، قراءات وحوارات مع الأدب العالمي»، مقالات وترجمات، دار «ميتافورا للنَّشر والتّرجمة»، القاهرة، 2024. في لغات أخرى: • «حفيف Bruissement»، مختارات شعريّة، صدرت عن دار «Al Manar»، ومهرجان Voix vives de Sète، نقلها إلى الفرنسيّة أنطوان جوكي، 2018.