ترديد لحنٍ لإيقاظ الفطرة ونمو اليقين والمعرفة في بستان النفوس المتذوّقة للحكم. ونحن مدينون بالشكر للسابقين منّا في جهدهم وخدماتهم، أولئك الذين تركوا بمؤلفاتهم كنزًا من المعارف الراقية لهذه المدرسة كإرث للمتأخرين عنهم، حتى أمكن أن نجلس اليوم وبعد مرور أربعة عشر قرنًا إلى جانب المائدة السماوية للأحاديث ونقرأ خطاب النبي لأبي ذر ونسمعه ونتعظ به.
كنتُ أتصورُ جلسةَ قراءتي للكتابِ كجلسةٍ تعرِّفني جليسَ النبي، وما توقعتُ أن أجدَ نفسي في مقامِ الجليسِ عند قراءته -ولستُ أعني مقامَه المعنوي بطبيعةِ الحال.-
من بينِ الكتبِ العربيةِ القليلة في مكتبةِ الحرمِ الفاطِمي بِقُم كان هذا الكتاب، ولعواملَ كثيرة اخترته، كنسبتِه إلى السيِّدة المعصومة، موضوعه وشخصه، محل شرائه، وحجمه الذي يناسبُ جلسات القراءة القصيرة والأيام المزدحمة التي أحتاج فيها كتابًا خفيفًا ونافعًا في الآن ذاته.
بدأتُه وأنهيتُه في اليومِ ذاته لسهولةِ قراءته وقصرِ فصوله، ففي كلِّ فصلٍ يتناول المؤلف جزءًا من وصيةِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله) إلى أبي ذر، يعنونُ الفصلَ بما يناسبه، ويشرح أو يعلِّق بتعليقاتٍ قصيرةٍ ولفتات مضيئة على بعض العبارات، وتركَ البعضَ القليلَ دون تعليقٍ -وهذا ما لم أحبِّذه.-
ذكَّرني الكتابُ بالكثيرِ من الأحاديث التي سكنَت ذاكرتي وغطاها ما تبعها، عرَّفني على الجديد، وأعاد لي تعريفَ القديمِ -الذي حفظناه صغارًا- دون أن يشرحَه كما شُرح لنا في المدارس، بل وهبني إحساسًا بتلقيه مباشرةً من الرسول، وكأنَّني جليسه الذي يستمع إلى الكلماتِ منه، فكيف لا يتأثر ولا يتغيّر؟
لا تتوقَّع من الكتابِ تعمقًا في هذه الوصية، فهو مذكِّرٌ بما جاء فيها، مُجمِلٌ لا مفصِّل، ولن يخلو هذا الإجمال من الجمال النافع إن كنتَ نعمَ الجليس المستمِع السامع.