رحلة آسرة تجمع بين الأدب والنقد والتاريخ، خُطّت لتُلقى على المسامع، فجاءت إلى الورق محتفظة بخفتها ورشاقتها، كأنك تسمع صوته يهمس بين السطور. بأسلوبٍ عذب، يعيد المازني إحياء معان لطيفة وأفكار عميقة، كتبها لنا فجاءت كأننا كنا معه!
إبراهيم عبد القادر المازني، شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري من شعراء العصر الحديث، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من أن يوجد لنفسه مكانًا بجوارهم، على الرغم من اتجاهه المختلف ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.
أول لقاء تعارف بيني وبين الأستاذ المازني ، الشاعر الذي زهد القوافي والمسجوع إلي النثر ، الفكاهي في براعة وخفة كأنه الساحر في السيرك الذي يؤدي الدور ويجعل المشاهدين يفتنون بما يفعله ، أظن أنه ظُلم بعض الشئ من قِبل الوسط الذي ندور داخله _ أي الوسط الثقافي برمته _ فلم يلتف إليه بالقدر الكاف ، والنِصاب المنوط بهذا الفنان الشمولي .
وهذا الكتاب عبارة عن الأحاديث التي كان يليقها في الاذاعة ، جُمعت في كتاب وأُخرجت للجمهور في لغة سهلة ، سلسة ، فيها تفكه وسخرية من النفس والذات في بعض المواطن ، ولكنها ليست بتلكم السخرية التي تنم عن سذاجة وأن صاحبها قد دفع بها دفعاً ووضعها وضعا من أجل التنميق وليقال عنه أنه رجل متفكه، فهي هنا غير ذلك تماما ، الالم ممزوج بها بل كنت اتخليه أوقاتا كانني اسمع هذا الصوت من بين طيات الكتاب .
وللحق كنت أتمني هو هذه الاحاديث متاحة علي الانترنت لكي نسمعها ونتلذذ بنوع جميل من الادب ، سماعي ، مثل احاديث التي كان يليقها العميد في الراديو ، عانيت ولم اهتدي اليها .
ومما هو مقتبس : #من عرف نفسه ، عرف الناس جميعاً. # وخير آيات الفنون علي اختلافها من موسيقي و تصوير وغير ذلك ما أيقظ عقلك وحرك نفسك وابتعث رقادك . # ومثلها الانسان يقل خيره وينحط إذا تُرِك وأهمل .
كسائر عظماء جيلة العقاد وطه والرافعي والحكيم والزيات.. بلاغة في اللفظ وجمال في استخدام المفردات.. هذا من حيث الشكل.. أما المضمون فمنه ما لم يرق لي وأكثره مما جاوز إعجابي.. تواضع وبساطة وسلاسة وحسن تعبير وجمال عبرة.. أحاديث قدمت في الأساس عبر الإذاعة فروعي فيها مقتضى حال المستعمين لتوجيهها لعمومهم.. ولكن حين أقول هذا عن زمن المازني في منتصف القرن الماضي فهو - ويا للأسف- يناسب نخبة من مثقفي عصرنا البائس.. على أي حال أحاديث رائقة جميلة وكتاب بالطبع يوصى به.
أحاديث المازني .. إبراهيم عبدالقادر المازني .. مصر ..
هي أحاديث ألقاها المازني عبر الأثير ومن ثم نشر في كتاب في ذكرى وفاته الاثنى عشر .. أحاديث يغلب عليه طابع الفكاهة .. وخفة الدم .. خفيغة وممتعة .. هي أشبه بقطعة حلوى تقدم مع الشاي أو القهوة ..
أحاديث لذيذة يحكيها لنا المازني، فيها كثيرة من سيرته، فهو يتحدث عن نفسه غالبا بأسلوبه الساخر الجميل. كانت أحاديث سجلها في بغداد، ولم أقرأ شيئا في المقدمة يقر بهذا، إلا أني قرأت التعليقات هنا، وكان كلامه في الكتاب يتحدث إلى أهل العراق.
من الكتب المهمة لقراءة سيرة المازني، وهي منثورة بين حصاد الهشيم وصندوق الدنيا وسبيل الحياة، وكذلك في روايتيه: إبراهيم الكاتب، وإبراهيم الثاني، فهما سيرتان روائيتان.
المازني أحد الذين عرفوا أنفسهم، ففي جل أدبه تراه يسخر من نفسه كما يسخر من الناس ولا يستحي من ذكر مثالبه أو نقائصه، وفي هذه الأحاديث الإذاعية يمزج بين الجد والسخرية وبين الخاص والعام، حتى صار أدب المازني مرآة صادقة لنفسه ومادة ثرية لقومه وهب لها قلبه وفكره.
لم يأذن المازني بنشر نصوص هذا الكتاب التي كانت عبارة عن أحاديث إذاعية كان غرضه منها الكسب المادي، وكم شكا المازني من أنه يكتب حتى يؤمن لقمة عيش لأبنائه، وعليه فكثير من كتاباته متكلفة ولم يرتضِ نشرها في حياته.
في «أحاديث المازني»، لا يقدّم إبراهيم عبد القادر المازني مجرد نصوص عابرة ولا أحكامًا مكتملة، بل يعرض تأملاته في الحياة كما لو كان يحدّق في مرآة مائلة، تكسر الصورة لتكشف ما خلفها. هذا الكتاب ليس مجموعة مقالات تقليدية، بل أقرب ما يكون إلى نثرٍ ذاتيّ متخفّف من ادّعاء الفلسفة، ومثقل بتجارب الإنسان في ضعفه وتناقضه وضياعه.
يتنقّل المازني بين موضوعات متعددة: من قضايا المجتمع والدين، إلى الحب، والزواج، وتحوّلات الذوق العام، لكنه لا يكتب عنها من علٍ، بل ينهلها من نبض الحياة اليومية. كل حديثٍ يمرّ كحكاية تبدو عابرة، لكنها في جوهرها مساءلة للثوابت، وكشفٌ ناعم لانكسارات البشر، وسخرية مُرّة من العبث الذي نحياه دون أن نعيه.
تُشبه لغة المازني هنا شرفة مطلّة على الداخل، لا يصرخ منها الكاتب، بل يهمس، ويراوغ، ويبتسم بسخرية حزينة، كمن جرّب العالم وخَبِر هشاشته. فالسخرية عنده ليست للتندر، بل وسيلة دفاع ضد خيبةٍ لا تُحتمل، وضد واقعٍ لم يعد فيه شيءٌ يُدهش.
إن هذا الكتاب، بقدر ما يبدو بسيطًا في ظاهره، يحمل في طيّاته شظايا فكرٍ مجروح، وتجربة إنسانٍ يعيد النظر في كل شيء، حتى في نفسه. كتاب يعلّمنا أن الفكر الصادق لا يحتاج إلى تعقيد، وأن أعذب الأحاديث هي تلك التي تمسّ الإنسان في وحدته، في يأسه، وفي محاولته الدائمة لأن يفهم لماذا صار ما صار.
هي احاديث المازني التي ألقاها في الإذاعة، عبر الأثير، لذلك فهي ترتسم عليها خصائص الأحاديث الإذاعية، من الاعتذار عن محدودية الوقت، وأختيار الموضوعات الخفيفة التي تجذب الجميع، ويكفي الكتاب أن روح المازني الساخرة المعذبة الجميلة ظاهرة في كل نواحي الكتاب سواء تحدث عن الأدب والنقد وهجرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومصرع الحسين، أو وهو يصف بغضه للقطط الشديدة الغرور والأنفة ونكران الجميل، بأسلوبه الساخر الفتّان ..